Menu
حضارة

عن الدور المطلوب للحركات والأحزاب الثورية..

الثقافة والوعي والواقع العربي

خاص بوابة الهدف
إن مقتل أي حركة ثورية أو حزب ثوري، هو أن تكون/يكون أسيراً للعفوية والارتجال والتلقائية، أو الممارسة اليومية المبتذلة، ونقيض ذلك، هو التسلح بالرؤية الشاملة والبرنامج الواقعي والممارسة الفاعلة، وهذا لا يكون إلا إذا تصدى لها العقل الجمعي للحركات/الأحزاب الثورية. والعقل المطلوب منه التصدي لهذه المهمة الكبيرة والحساسة، لا يمكن إلا أن يكون عقلاً ممتلئاً بالوعي والمعرفة الشاملة والقراءة الصحيحة للواقع، الذي يزخر بالجديد في كل لحظة.

فمن المعروف أن البنية التنظيمية لأي حركة أو حزب يجب أن تحاكي المفاهيم الفكرية التي يتبناها، باعتبارها السلاح الذي يحافظ على التناغم بين هذه البنية والممارسة السياسية لها، والتي يجب أن تكون في واقعنا القائم نقيضة لتلك الممارسة لكلا فريقي السلطة اليمينيين المسميين: "الإسلامي والوطني".

إن الترابط الوثيق بين الحلقات الثلاث، الفكرية والتنظيمية والسياسية، وفعاليتها وتجددها، هي طموح أي حركة ثورية/حزب ثوري، تسعى أو يسعى لأن يكون قائداً فعلياً لجماهير شعبه، ويفتح معها ولها، باباً واسعاً من أفق التغيير الذي يبدأ بتغيير الوعي التقليدي السائد، وزرع وعي تنويري تقدمي إنساني، يشتبك في واقعنا الفلسطيني الخاص، مع المسألة التحررية وأولوياتها الوطنية وأبعادها الاجتماعية والديمقراطية، في سياق وحدة أزمة المجتمعات العربية الراهنة، والتي تتشابه معها الحالة الفلسطينية إلى حدود كبيرة.

فالثقافة والوعي.. صنوان لا ينفصلان، ولا يمكن أن نضع أرجلنا على مقدمات طريقهما، إلا إذا كان العقل الجمعي للحركات والأحزاب التقدمية الثورية دائم التجدد والتطور، وفي المقدمة مه الرأس القيادي لها الذي بمثابة العقل المفكر، الذي من خلاله يتغذى مختلف أعضائه، الذين بدورهم يقومون بالتغذية للجماهير الشعبية، هذه الجماهير التي هي هدف ووسيلة أي تغيير منشود.

مفهوم الثقافة.. الفعل الذي لا يمكن أن يكون تقليدياً:

من المعروف أن مصدر كلمة ثقافة في العربية من الفعل الثلاثي ثقف، ثقف الشيء بمعنى حذقه أو استوعبه، وثقف الرجل، بمعنى أنه أصبح رجلاً حاذقاً أو ماهراً، ويقال ثقف الرمح بمعنى سوّاه أو صقله، إذن فالثقافة بمعناها ومضمونها في لغتنا العربية، تشير إلى المهارة والعقل والذكاء.

أما في اللغات الأوروبية فان لفظة ثقافة تعني الزرع، وجاءت بهذا المعنى لأن الزراعة تعني السكن أو الإقامة في القرى والمدن أو أنها تعني التحضر والاستقرار، أما في اللغة العربية نلاحظ تمييزاً بين "الحضارة" وهي كلمة تدل على مجموعة المنجزات الاجتماعية، وبين "الثقافة" وهي الكلمة التي تحمل مضموناً لحالة التقدم العقلي وحده.

أما في اللغة الألمانية، وكذلك في الأدبيات الأمريكية، تستعمل كلمة ثقافة مرادفاً لكلمة حضارة، ومعنى ذلك إن مفهوم الثقافة ينطوي على معنيين اثنين: احدهما ذاتي هو ثقافة العقل، وثانيهما موضوعي وهو جملة الأحوال الاجتماعية والمنجزات الفكرية والعلمية وأنماط التفكير والقيم السائدة.

ونحن هنا أميل إلى الجمع بين مفهومي الثقافة والحضارة رغم إدراكنا بأن الحضارة هي وعاء الثقافة، لكنه وعاء متحد أو ملتصق أو متفاعل مع محتواه إذ لا يمكن فصل أي منهما عن الآخر خاصة وأن شريان اللغة يجمعهما معاً.

على أي حال لسنا معنيون بخلق إشكالية حول علاقة الثقافة بالحضارة بقدر ما ندعو إلى مراجعة المفاهيم وتأملها بالمعنى التجريدي المعرفي، وتفكيكها وإعادة بنائها أو تكوينها بما يوفر إمكانية التعمق في المفهوم وإعادة صياغته في الواقع المعاصر دون أن نسعى إلى تقويضه أو تجزئته، وعليه فإن إعمال الفكر أو العقل للوصول إلى المفهوم الواضح للثقافة ارتباطاً بخصوصية الواقع وبالتفاعل معه، ضرورة لا غنى عنها، رغم تباين الاجتهادات في تعريفاتها، فعلى سبيل المثال، فقد أحصى الباحث الأمريكي "ادوارد تايلور" ما يزيد عن 200 تعريف للثقافة، في حين أن الفيلسوف الأمريكي "جون ديوي" عرفها بجملة واحدة "بأنها حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته"، لكن علي أومليل يتجاوز هذا التعميم في تعريفه للثقافة بقوله "الثقافة رؤية ومبدأ للسياسات: كيف تكون سياستنا في التربية والتعليم منتجة لرأسمال بشري مندمج ومنافس في عالم اليوم؟ ما هي قيمنا الثقافية القابلة للتبادل في سوق القيم، ومكونة لعقلية حداثية، ولهوية ليست من ماضي ولّى، بل جواز سفر لدخول آفاق المستقبل؟ ما هي رؤيتنا لبناء اقتصاد اجتماعي ومنافس معاً، وكيف نبني منظومة قيم تحفز على المبادرة والابتكار، والإنتاج وتخطيط المستقبل؟ كيف نربي على احترام الكرامة الإنسانية؟ ذلك هو مفهوم الثقافة الذي يتوجب أن نأخذ به.

وفي هذا الجانب، يمكن القول أن الثقافة هي جملة ما يبدعه الإنسان والمجتمع على صعيد العلم والفن ومجالات الحياة الأخرى، المادية والروحية، من أجل استخدامها للإجابة على الأسئلة الكبرى التي طرحها علي أومليل للإسهام في حل مشكلات التقدم والتطور، وهنا تتجلى خصوصية الواقع –واقعنا العربي- التاريخية والراهنة وتفاعلها مع المفهوم العام المعاصر للثقافة بكل أبعادها ومكوناتها العلمية، الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في اللحظة الراهنة من تطور البشرية.

إذا كنا ننحاز إلى التعريف السابق للثقافة، فذلك كونه يتناولها كمجموعة من الأنماط السلوكية والفكرية والتربوية بمضامينها المستقبلية التي تؤطر أعمال الإنسان في علاقاته الثلاثية مع الطبيعة والمجتمع وما وراء الطبيعة، من خلال التواصل الدؤوب مع مسار التنوير والحداثة والنهضة والتقدم العلمي، آخذين بعين الاعتبار أن لكل عصر ثقافته.. عصر الزراعة كانت له ثقافته السائدة، وعصر الصناعة كانت له ثقافته السائدة، واليوم عصر المعلومات أو "العصر الرقمي"  يفرض علينا ثقافته السائدة أو ثقافة الانترنت، التي هي ثقافة الرأسمالية في طورها المعولم الراهن.

الثقافة.. بين عصر العولمة الرأسمالية وأزمة المجتمعات العربية:

في عصر العولمة والمتغيرات السريعة على الكوكب، وما خلفته من آثار أصابت كل مناحي حياة البشر الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية... الخ، ليس من السهل على أي باحث أو مثقف أو مفكر في هذا العصر أن يضع مفهوماً محدداً للثقافة، فهو عصر تهاوت فيه كثير من النظم والأفكار والقواعد المعرفية لحساب "رباعية البيانات والمعلومات والمعارف والحكمة" التي باتت محدداً رئيساً لعصرنا، بسبب هذا التطور المتسارع للعلوم وتكنولوجيا المعلومات وعلوم الفضاء والهندسة الوراثية وهندسة النانو والميكروبيولوجي، إلى جانب تطور العلوم الحديثة في اللغة، والاجتماع، والأنثروبولوجيا، والتاريخ والجغرافيا البشرية والاقتصاد، خلال العقود الأربعة الأخيرة، التي اختزلت الزمان والمكان، فأصبحت المعلومات المال ورؤوس الأموال تنتقل في زمن حقيقي، مخترقة الحدود والسماوات، ومن نتائجها كما يقول علي أومليل في كتابه سؤال الثقافة "أن الثقافة أصبحت بضاعة معولمة، تتحكم في إنتاجها وتسويقها من الشمال إلى الجنوب شركات عملاقة، وقد عمقت ثورة الاتصال والمعلومات هذه الهوة بين الدول وداخل البلد الواحد".

إن ما تقدم، يستدعي من المثقف في فلسطين وبلدان الوطن العربي، وخاصة المثقفين الثوريين حملة المشروع التنويري التغييري، التأمل والتفكير ومتابعة المستجدات النوعية التي ستدفع إلى بلورة مفهوم جديد للمعرفة، صاعداً بلا حدود أو ضوابط، بعد أن أصبحت صناعة الثقافة والمعلومات من أهم صناعات هذا العصر بلا منازع، وهي صناعة معلوماتية وثقافية أو معرفية مرتبطة إلى حد كبير بالحضارة الرأسمالية التي تهيمن عبر لغتها الإنجليزية على 85% من وثائق الانترنت والمكالمات الهاتفية، وعلى أكثر من هذه النسبة على مراكز البحث والاختراع العلمي في العالم كله، بحيث لم تعد الفجوة بين البلدان المتقدمة وبلدان العالمين الثالث والرابع (الذي تندرج فيه بلداننا العربية)، مجرد "فجوة موارد" بل أصبحت كما يقول د. محمود عبد الفضيل "فجوة معرفية" بدرجة أساسية نتيجة الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال في العقود الأربعة الأخيرة حيث تطورت ثورة تكنولوجيا الاتصال، في البلدان الصناعية المتقدمة.

وفي هذا الجانب فإن هذه البلدان شهدت ثلاثة موجات تكنولوجية، أدت إلى تغير جذري في تقنيات الإنتاج، وقواه، وعلاقاته على الصعيد العالمي، تتمثل تلك الموجات الثلاثة بما يلي: 1) اختراع آلة البخار. 2) استخدام الكهرباء في تشغيل معدات الإنتاج. 3) تطوير تكنولوجيا الالكترونيات الدقيقة.

ويعتبر د. عبد الفضيل الثورة التكنولوجية الثالثة "ثورة الالكترونيات"، هي الأساس المادي لتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما رافقها من تحولات أنماط الإنتاج وأشكال التبادل، وأنماط الاستهلاك، ففي ظل "ثورة المعلومات" لعبت "رقائق الالكترونيات" الدور المركزي الذي كان يلعبه الفحم عند بدء الثورة الصناعية، ثم  جاءت "التكنولوجيا الرقمية"، لتشكل أساس البث الالكتروني الحديث، ولتصبح هي التكنولوجيا الطاغية خلال القرن الواحد والعشرين، مما جعل البعض يلقب عصرنا الراهن بأنه "العصر الرقمي"، وفي ضوء هذه التطورات، نشأ الفضاء المعلوماتي الجديد، وهو فضاء حقيقي- كما يضيف د. عبد الفضيل- وليس تخيلياً، وله لغة محددة وبروتوكولات خاصة بالمتعاملين في إطاره، الذي لا يحده واقع جغرافي محدد، ويطرح بدوره تحديات جديدة، وتحولات مهمة في مجال تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تحولات أدت إلى مزيد من الفجوات و"التوزيع غير المتكافئ" لعناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة بين العالم الأول من جهة والعالمين الثالث والرابع من جهة ثانية.

فإلى أي مدى استجابت ومارست مجتمعاتنا العربية في تاريخها القديم والحديث والمعاصر، عملية الربط بين المعرفة والممارسة كشرط لتقدمها؟

الحقيقة أنه باستثناء الومضات أو اللحظات العقلانية العربية في التاريخ العربي الاسلامي على يد المعتزله وابن رشد، والتي انقطعت منذ القرن الثالث عشر، استمرت حالة الانقطاع المعرفي عموماً حتى نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، ثم انقطعت وعادت إلى التواصل والتجدد في سيتينياته في الحقبة الناصرية التي انتهت بوفاة مؤسسها، وظلت الفرضيات الغيبية هي الحاكمة على صعيد الفكر العربي، بمثل ما استمرت المجتمعات العربية محكومة في تطورها الاقتصادي – الاجتماعي للنمط الريعي المركزي، والتجاري في التاريخ القديم، وإلى نظام التبعية والتخلف في التاريخ الحديث، بما أدى إلى هذا الانفصام الممتد الى اليوم بين المعرفة والممارسة، والذي شكل عقبةً في وجه تفتح الرؤية العقلانية العربية وأبقاها أسيرة لمناخ التخلف ومظاهره، التي تتبدى في أن " العقل السياسي العربي محكوم في ماضيه وحاضره – كما يقول المفكر الراحل الجابري – " بمحددات ثلاثة هي : القبيلة والغنيمة والعقيدة، أي بعلاقات سياسية معينة تتمثل في القبيلة، وفي نمط إنتاجي معين هو النمط الربوي، الذي يرمز إليه بالغنيمة ( الدخل غير الإنتاجي )، وسيادة العقيدة الدينية، ويرى أنه لا سبيل إلى تحقيق متطلبات النهضة والتقدم بغير نفي هذه المحددات الثلاثة نفياً تاريخياً وإحلال بدائل أخرى معاصرة لها.

ولهذا يقول المفكر الماركسي الراحل محمود أمين العالم " إن قضية تجديد العقل السياسي العربي اليوم مطالبة بأن ، تٌحَوَّل " القبيلة " في مجتمعنا الى تنظيم مدني سياسي اجتماعي، وتٌحَوَّل " الغنيمة "أو الاقتصاد الريعي الى اقتصاد إنتاجي، يمهد لقيام وحدة اقتصادية بين الأقطار العربية، كفيلة بإرساء الأساس الضروري لتنمية عربية مستقلة، وأخيراً تحويل العقيدة الى مجرد رأي، أي التحرر من سلطة عقل الطائفة والعقل الدوجمائي، دينياً كان أو علمانياً، وبالتالي التعامل بعقل اجتهادي نقدي، بما يفرض علينا إعادة النظر في بنية ومكونات الثقافة العربية، التي باتت كما يقول الجابري " في حاجة ماسة وملحة الى إعادة كتابة تاريخها الذي ما زال مجرد تكرار واجترار لنفس " التاريخ " الذي كتبه أجدادنا ".

وفي كل الأحوال فإن: "أي تحليل للفكر العربي الإسلامي، سواء كان من منظور بنيوي أو من منظور تاريخاني، سيظل ناقصاً وستكون نتائجه مضللة، إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومتعرجاته "، وستظل أيضاً الأسئلة: " لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ أو لماذا لم تتطور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية العربية في " القرون الوسطى " إلى نظام رأسمالي؟ ولماذا لم تتمكن النهضة العربية في "القرون الوسطى" من شق طريقها نحو التقدم المطرد ؟

هذه الأسئلة ستظل ناقصة ومحدودة الآفاق، ما لم تطرح على الصعيد الأبيستمولوجي (المعرفي)، أو ما لم تتجه مباشرة الى العقل العربي ذاته، ذلك أن " العرب و المسلمين " إنما بدءوا يتأخرون حينما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته ، حينما أخذوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه.

 فالرأسمالية ثم الاشتراكية هما نتاج العقلانية والتنوير والحداثة وحرية الفرد أو المواطنة، وكلها قيم أو روافع أساسية لعصر النهضة في أوروبا، تراكمت تدريجياً منذ القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، وصولاً إلى التحولات المذهلة في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين التي أدت إلى ولادة مرحلة العولمة الرأسمالية.

لذلك  فإننا لا نبالغ لو قلنا أن من لا يتابع هذه المتغيرات سيكون مهدداً ليس في ثقافته فحسب، بل في وجوده الاجتماعي وهويته القومية أو الوطنية، كما سيكون مهدداً في لغته أيضاً ونقصد بالتحديد ثقافتنا العربية التي ستتعرض للتراجع أو الاندحار طالما بقيت أحوال شعوبنا العربية على ما هي عليه من خضوع وتبعية وارتهان وتخلف، في مقابل التطور الصاعد للتقدم التكنولوجي والاقتصادي لنظام العولمة الرأسمالي الذي عزز وقدم كل عناصر ومستلزمات القوة لدولة العدو الإسرائيلي ارتباطاً بدورها ووظيفتها في بلادنا.

فقد باتت السيطرة الرأسمالية المعولمة على العالم تهدد كل مناطق الأطراف عموماً، وبلداننا العربية خصوصاً التي تعيش اليوم حالة غير مسبوقة، من الحروب الأهلية الطائفية وحروب الوكالة، وبروز الصراعات المذهبية، وتكوينات ما قبل الدولة، وانحطاط وخضوع، بحيث أصبحت الثقافة السائدة أقرب إلى ثقافة الطائفة والتخلف وتبرير الخضوع والتبعية أو ثقافة الأمر الواقع المرتبط بالفساد والمصالح في مشهد عربي مأزوم ومهزوم، يحمل في طياته العديد من المعوقات والإمكانات التي ستتيح –في حال نضوجها- إلى تحول المشهد الراهن ليصبح أكثر بؤساً وانحطاطاً، وبعداً معرفياً عن العصر الذي نحيا فيه.

على كل حال .. إن جوهر الأزمة في مجتمعاتنا العربية لا يكمن في ضعفها المعرفي الراهن، أو عجزها في مواكبة العصر من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي فحسب، بل يعود بالدرجة الأولى إلى أن بلداننا العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً ، وذلك بسبب فقدانها للبوصلة من جهة، بحكم تبعيتها البنيوية التي زادت حدتها على أثر فشل ما سمي بـ "الربيع العربي"، والفشل في تحقيق أي من الشعارات التي رفعتها الجماهير الشعبية العربية، ويعود ذلك إلى غياب تأثير ودور القوى اليسارية والليبرالية، إلى جانب فقدان مجتمعاتنا العربية للأدوات الحداثية الحضارية والمعرفية الداخلية بحكم تطورها المشوه، ذلك هو الجوهر الذي يستوجب التحليل والتشخيص، لمعرفة السبل والآليات الضرورية لمجابهة أنظمة التخلف والاستبداد والتبعية، وليس الوقوف أمام مظهر الأزمة أو شكلها الخارجي الذي لم يقدم شيئا إضافيا سوى مزيد من الإحباط والألم.