Menu
حضارة

حول خطاب نتنياهو

أحمد يوسف أحمد

تابعت الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي في الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، في محاولة منى لاستشراف ما يمكن أن يطرأ على جهود التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، باعتبار نتنياهو صانع القرار الرئيسي في إسرائيل التي يتوقف على نواياها وتصرفاتها، ضمن عوامل أخرى، مصير هذه الجهود. ومع أني لم أتوقع جديداً يختلف عن مألوف السياسة الإسرائيلية، فقد ذُهلت من الطريقة التي تناول بها نتنياهو الموضوع والتي تقضي على أي بصيص أمل في تقدم جهود التسوية. فالرجل لم يتحدث أصلاً عن هذه الجهود، مما يعني أنه ليس مهتماً بها أصلاً، ولم يأت على ذكر أي أفكار تتعلق بالتسوية، مع أننا إزاء مسألة بالغة التعقيد تتشابك تفاصيلها الكثيرة، لكن تتم مقاربتها من خلال عناوين كبرى مثل حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة أو مبادئ عامة مثل الأرض مقابل السلام.. إلخ. بل لم يشر نتنياهو بحرف إلى ما يُسمى «صفقة القرن» التي يتحدث عنها حليفه الرئيس الأميركي منذ قرابة عامين، وما يؤكد الاستنتاج السابق بأنه غير معني إطلاقاً بجهود التسوية، وقد يشير إلى صحة التكهنات بأنه غير مستريح حتى لـ«صفقة القرن» على سوئها من المنظور العربي لأنها قد تتضمن عنصراً ما لصالح الفلسطينيين مقابل العطايا غير المسبوقة التي منحها ترامب لإسرائيل، عبر اعترافه ب القدس عاصمة لها، ونقله سفارة بلاده إليها.

وبالمقابل ركز نتنياهو كثيراً على الدفاع عن قانون «الدولة القومية»، فأنكر وجود تناقض بين وصف إسرائيل بالدولة اليهودية واعتبارها دولة ديمقراطية، على أساس أن جميع مواطني إسرائيل من اليهود وغير اليهود يتمتعون بكل الحقوق بشكلٍ متساوٍ. وهو بهذا يتبع تكتيكاً كرره كثيراً بإخفاء المشكلة وراء بعض الحقائق. فمن الحقيقي أن فلسطينيي 1948 يتمتعون الآن بحق التصويت، وأن لهم نواباً في الكنيست بعدد يضعهم في مرتبة متقدمة كقوة معارضة داخله.. غير أن هذا ليس سوى الوجه المضيء للصورة الذي يخفي خلفه تمييزاً حقيقياً يمارس على فلسطينيي 1948. كما تجاهل نتنياهو تماماً النص في هذا القانون على أن حق تقرير المصير هو حق ينفرد به اليهود دون غيرهم، الأمر الذي لا يخفى طابعه التمييزي، بالإضافة إلى حق المتضررين من هذا القانون في أن يتخوفوا من تداعياته المستقبلية التي يمكن أن تدفعها القوى الإسرائيلية المتطرفة بغية «تطهير» الدولة اليهودية من غير اليهود، وهي أفكار سبق طرحها حتى قبل صدور القانون.

وإلى ذلك فإنه ليس صحيحاً بحال الزعم بأن مواطني إسرائيل من غير اليهود يتمتعون بحقوق متساوية على نحو يضمنه القانون، وإلا فكيف نفسر القوانين والأحكام الإسرائيلية التي تبيح الاستيلاء على الملكيات الفلسطينية الخاصة لأغراض الاستيطان؟!

وواصل نتنياهو تكتيك التخفي وراء بعض الحقائق للتعمية على حقيقة الموقف الإسرائيلي، فهو يتساءل متعجباً عن الخطأ في اعتبار اللغة العبرية لغة رسمية لإسرائيل، لكي يخفي أن أحداً لم يحتج على ذلك، وإنما على سحب صفة اللغة الرسمية الثانية من اللغة العربية، وهو يؤكد الشرعية الدولية لإسرائيل باعتبار أنها أُسست بموجب قرار أممي، لكنه لا يُشير بطبيعة الحال إلى أن القرار ذاته نص على إنشاء دولة فلسطينية. وهو يتهم الرئيس الفلسطيني بدعم الإرهاب ومكافأة الإرهابيين، لمجرد أنه يدفع معاشات لمن قضوا في المواجهات مع إسرائيل، متناسياً أن الرئيس الفلسطيني قبل أن يصير رئيساً قد اعترض علناً على استمرار «انتفاضة الأقصى» بشعاره الشهير «كفي للانتفاضة»، الذي أطلقه في محاضرة له بقطاع غزة.

ويعتبر نتنياهو أن كل من يُقتل في مواجهة مع جنود الاحتلال هو إرهابي، وهو حكم لن يجد عربياً واحداً يتفق معه بشأنه حتى ولو كان باعتدال الرئيس عباس.

ويلاحظ القارئ الكريم أنه لا يوجد حرف واحد في خطاب نتنياهو يُفهم منه أن هناك احتلالاً لأراضي الفلسطينيين أو ممارسات قمعية بحقهم.. فمتى يعمل العرب على إفاقة نتنياهو من ادعاءاته؟