Menu
حضارة

اللاجئون الفلسطينيون: من جوهر القضية إلى هامشها

غزة_ خاص بوابة الهدف

إن هذا التقرير لا يسعى إلى رصد تأريخي أو إحصائي وصفي لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين عموماً، في لبنان و سوريا على وجه الخصوص، بل هو محاولة لقراءة المحطات التي مرت بها القضية الفلسطينية، وكيف كان عنوان اللاجئين يتحول في كل مرحلة من حال إلى حال؟

منظمة التحرير الفلسطينية.. حضن اللاجئين ومظلتهم

كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة، والتي انطلقت ارهاصاتها الأولى مع منتصف القرن الماضي، وأرَخ لها رسمياً في 1/1/1965، ثورة الشعب الفلسطيني لتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، ولأن الثورة الفلسطينية انطلقت تضم في صفوفها كل مكونات الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وخصوصاً الذين هجَروا من أرضهم قسراً، والمتواجدين في دول الطوق المحاذية جغرافياً ل فلسطين المحتلة تحديداً، ولأن فكرة العودة الأولى كانت مختزنة في فكرة التحرير، الهدف الذي رفعته الثورة الفلسطينية، فإن قضية اللاجئين كانت في الجوهر هي قضية التحرير، حيث تتحقق العودة تلقائياً في حال تحقق هدف التحرير. لقد حملت منظمة التحرير الفلسطينية، يوم اعتلت منصتها فصائل الثورة الفلسطينية على اختلاف مشاربهم، مهمة التحرير، لتكون حركة تحرر وطنية، تضم في ميثاقها وأطيافها كل مكونات وشرائح شعبنا الفلسطيني، فكانت بكل معنى الكلمة، إطارا يجسد الكيانية الوطنية الفلسطينية، التي غيبها الاستعمار ومنع تبلورها، حيث أسهم عبر وعد بلفور في إحلال كيان اخر، مستعمر استيطاني محل السكان العرب الفلسطينيين الأصليين.

إن مشروعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني، مستمد من حملها أهداف وطموحات مختلف أطياف وشرائح هذا الشعب في كل أماكن تواجده، وإذا لحق بهذه الأهداف تشويه، فإن شرعية التمثيل يصبح مشكوك بها، لذلك حين اعيد صياغة البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير 1974، كان حرص الجبهة كبيراً أن يبقى الهدف جامعاً لكل أطياف وشرائح الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، فيبدأ الهدف في صياغته الجديدة، بحق العودة، والمقصود عودة اللاجئين، ثم يتابع، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس .

إن ربط الممكن الواقعي بالممكن التاريخي أمر ضروري، إذا كان لا يمكنك البدء بما هو غير ممكن. فليس مقبولاً أن ترضى فقط بما هو ممكن. وهذا يعني أن الإرادة هي أحد أسباب البقاء والتقدم، لتحقيق ما يبدو الآن مستحيلاً.

أوسلو واللاجئين

لقد أعادت أوسلو هيكلة المشروع الوطني الفلسطيني بما يتماشى والرؤية الإسرائيلية، التي تسعى لحل مشكلة "السكان الفلسطينيين" في أرض "إسرائيل"، على حد زعمهم. ومن جملة ما تم استبعاده، قضية اللاجئين التي جرى تأخير بحثها للحل النهائي. عملياً تم تفكيك الاجماع الفلسطيني، على وحدة القضية، إلى عدد من القضايا، انتهت العلاقة بفلسطيني 48، حيث صاروا في العقل السياسي الأوسلوي "إسرائيليين". بينما اللاجئون في الخارج قضيتهم معلقة، بانتظار ان يتفتق عقل المفاوضين لحل لا يمس الرؤية الصهيونية ولا يهدد أسس المشروع الصهيوني.

إن الضربة الأكبر التي وجهت للاجئين، كانت في ضمور حضور منظمة التحرير الفلسطينية ودورها، لصالح تضخم السلطة وأجهزتها. حيث أصبحت المنظمة تابع هامشي، بعد أن كانت كياناً يوحد ويجمع أهداف الشعب الفلسطيني، وتشكل حاضنةً لهم وناطقاً باسمهم ووسيلة لتحقيق اهدافهم. إن هذا التحول يجد تفسيره في سببين:

أولاً: إن أوسلو أنهت مهمة التحرير التي حملتها المنظمة، وهي غاية اللاجئين وضالتهم

ثانياً: خضوع القيادة السياسية المتنفذة في المنظمة لأولوية بناء السلطة وأجهزتها. ان جزء من هذه القيادة ابدى استعدادا لقبول عروض وأفكار قدمتها أطراف رسمية وغير رسمية، كلها لا تفي بحق اللاجئين بالعودة الى ديارهم. لقد عانى اللاجئين من الإحباط واليأس منذ توقيع اتفاق أوسلو، وأكثر من ذلك تقاذفتهم ظروف البؤس والمعاناة والحرمان، والمستقبل المجهول لهم ولعائلتهم واجيالهم.

إن ضمور حضور المنظمة ودورها، وهي من أخطر نتائج التي ترتبت عن اتفاق أوسلو، كان من تداعياتها، أنها حولت تجمعات اللاجئين إلى مجموعة من القضايا ذات طابع الانساني الاجتماعي الاقتصادي، بالدرجة الأولى وعلى حساب البعد الوطني وعنوان حق العودة، كما وجعلت منهم أوراق ضغط، تستخدمها العواصم كل حسب مصالحه وتوجهاته، فيما منظمة التحرير الغائب الأكبر.

المقايضة، هو التعبير الذي يكثر استخدامه، حين تطرح قضية اللاجئين، أي مقايضة حل قضيتهم وتوطينهم أو تهجيرهم الى المهاجر البعيدة عن دول الطوق، سادت ومازالت تسود في الأوساط السياسية العربية.

"الربيع العربي" واللاجئين

لقد أتى ما سمي بالربيع العربي وللأسف، على كل ما هو ايجابي في الوطن العربي، كنا نأمل وننتظر ربيعاً عربياً تقدمياً، يؤسَس على ما هو ايجابي وللتخلص مما هو سلبي، لكن للأسف ما حصل هو العكس تماماً. والخاسر الأكبر هي القضية الفلسطينية، التي تراجع حضورها ودورها، وفقدت مركزيتها بالنسبة للأنظمة العربية، وهذا ليس بجديد، لكن الجديد، هو بالنسبة للشعوب، التي زج بها في آتون حروب أهلية على أسس مذهبية طائفية، وقبلية، وأثنية. وتم تضليلها بشعارات الحرية والكرامة، في الوقت الذي يقف خلف محركاتها، تمويلاً وتجهيزاً واعلاماً، أعتى وأجهل الأنظمة والممالك تخلفا وتبعية.

حين شنَت الحرب على سوريا، من جملة ما تم استهدافه، هو قضية اللاجئين، فتحولت مخيمات اللاجئين الى هدف مركَز للمجموعات الإرهابية، التي استهدفت في هجماتها تقريباً كل المخيمات الفلسطينية في سوريا، فقد عملت جاهدةً على السيطرة على هذه المخيمات، بحكم أنها بيئة شعبية مناسبة لعمل هذه الجماعات. ودون الدخول في التفاصيل، لقد أنتجت هذه الحرب تدمير معظم المخيمات في سوريا والبالغ عددها 13 مخيماً رئيسياً، وخصوصاً مخيم اليرموك أكبر هذه المخيمات، والذي يضم العدد الأكبر من الفلسطينيين حوالي 400 ألف نسمة، وأكبر تجمع في سوريا وفي الشتات، والذين يبلغ عددهم أكثر من 600 ألف فلسطيني. إن الأخطر من تدمير الحجر، هو التدمير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأيضاً التدمير المعنوي، تدمير الامل بالعودة الذي يحمله هؤلاء، لقد أطاحت الحرب على سوريا بالبنية المجتمعية في المخيمات، التي تضم آلاف الكفاءات في مختلف المجالات والاختصاصات العلمية، وتتحدث التقارير عن هجرة أكثر من مئة ألف فلسطيني من سوريا الى أوروبا ودول اخرى.

لم يكن فلسطينيو لبنان بمنأى عن الفوضى التي ضربت المنطقة، فقد سعى الممول والمدبر لما يسمى الربيع العربي، الى الزجَ بهم في آتون هذه الحرب، فقد تم توظيف حالة الحرمان والظلم الذي يعانون منه، حيث تمارس الدولة اللبنانية سياسة تجاهل كامل لهم، فتحرمهم أبسط الحقوق الإنسانية، مثل حق العمل والتملك وغيرها، لتكون منفذاً ليعبر منها حاملو الرايات السوداء والأفكار السوداء، في محاولة التحشيد والتحريض لتحويل المخيمات الى بؤر خارجة عن الخط الوطني، الَا أن الوعي السياسي الرسمي والشعبي، استطاع الحد من هذه المظاهر، ومنع تحويل المخيمات الى خزانات بشرية احتياطية لمشاريع التطرف المنتشرة في المناطق اللبنانية من طرابلس وحتى صيدا. لكن ذلك لم يمنع حالة الإحباط واليأس العام التي تفشَت ومازالت منذ تخلي منظمة التحرير عنهم وعن همومهم، لذلك تنامت ظاهرة الهجرة الى دول اوروبا الغربية عموماً، وفقدت المخيمات خيرة شبابها وكفاءاتها، نزفاً بشرياً متواصلا منذ ثمانيات القرن الماضي وحتى اليوم.

بغض النظر عن نتائج الإحصاء الأخير، وعن صحة الأرقام المتداولة، والتي كانت دائماً تستخدم وتوظف في لبنان، حسب الجهة التي تعلنها وللغاية من إعلانها، فإن هناك واقع مجحف يحيط بالفلسطينيين في لبنان، والدولة اللبنانية شريكة في المسؤولية، التي تصل الى أطراف أخرى، مثل الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومن جملة ما يعنيه تدني الاعداد، ان هناك واقع لا يطاق، يدفعهم دائماً باتجاه الهجرة الى الخارج، وهذا تأكيد على ما يطرحه الفلسطينيون دوماً، وما يتحدثون عنه من ظلم ومعاناة.

هناك حقيقة يجب الانتباه لها، وهو أن هناك أعداد كبيرة من الفلسطينيين الموجودون في الخارج، بسبب العمل او الدراسة، ولم يقطعوا صلتهم بعائلاتهم الموجودة في لبنان، وهي ارقام ليست بالقليلة.

أمَا الطلب الذي توجه به وزير خارجية لبنان مؤخراً، حين طلب شطب كل فلسطيني في الخارج من تسجيل اللاجئين لدى الأونروا، فإنه ينم عن جهل وعنصرية معاً، وقد لاقى رداً ورفضاً من أوساط لبنانية عديدة، عوضاً عن الجهات الفلسطينية، لاسيما رئيس لجنة الحوار الفلسطيني اللبناني، الوزير حسن منيمنة، لأن اللاجئ الفلسطيني يختلف عن بقية اللاجئين، فأينما حل هذا اللاجئ، يبقى لاجئا كونه لا يستطيع العودة الى وطنه، وغيابه عن بلده قسري، كما أنه من حق اللبناني امتلاك جنسيتين، فامتلاك الفلسطيني لجنسية غربية مثلاً، لا يعني أنه فقد جنسيته الفلسطينية الأصلية، وبالتالي يبقى لاجئاً فلسطينياً، طالما قضية حق العودة لم تتحقق.

الأونروا واللاجئين:

لقد درج الفلسطينيون على اعتبار الأونروا الشاهد التاريخي على قضيتهم، وبالإضافة الى كونها وكالة لإغاثتهم وتشغيلهم، فإن الأونروا تستوعب قسماً كبيراً من كفاءات الشعب الفلسطيني، وتحافظ على بقائهم وعطائهم في خدمة شعبهم، وبذلك يكون لها دور ضمني غير منظور، في استقرار مجتمع اللاجئين كما في حفظ واستمرار قضية حق العودة.

لقد جاء القرار الأخير للإدارة الأميركية، بوقف تمويل الأونروا، والتشكيك في أعداد اللاجئين الفلسطينيين، وبأنهم لا يتجاوزون (400) ألف لاجئ، كمحاولة لحصد النتائج التي تحققت من وراء تراكم تكسير وتدمير هذه القضية، بدءاً من أوسلو، الذي رفع الغطاء المعنوي، في تخلي سياسي واضح وفاضح عنهم، من خلال تنحية هذه القضية جانباً، فأحدثت ارباكاً واحباطاً كبيراً في أوساطهم، ثم نتائج ما سمي بالربيع العربي، الذي فكك مخيماتهم وأنتج تهجيراً قسرياً، وهجرة الى مختلف القارات.

إن قرار ترامب، في وقف تمويل الأونروا، هو قرار حسم للملفات الجوهرية في القضية الفلسطينية لصالح العدو، والأخطر هو التساوق العربي مع إجراءات الولايات المتحدة، والذي يترجم ضغطاً سياسياً ومادياً ومعنوياً على المرجعية الرسمية الفلسطينية.

الخلاصة:

إعادة قضية اللاجئين إلى موقعها الطبيعي كجوهر للقضية الفلسطينية، واستعادة الرواية الفلسطينية للصراع وجوهره، باعتبار أن القضية الفلسطينية هي صراع ما بين المستعمر وأصحاب الأرض الأصليين، وأن هذا العدو الاستيطاني الاحلالي، قد بدأ مشروعه منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، وترجمه عملياً في 1948، عام النكبة، التي هجرت اعداداً هائلةً من شعبنا، ما يزيد عن 900 ألف نسمة.

إن استعادة هذه القضية، يبدأ من العنوان السياسي، ومن خلال استعادة الكيان المعنوي المعبر عنهم، كحركة تحرر وطني فلسطيني، والذي هو منظمة التحرير الفلسطينية، لذلك، فإن أي محاولات لإعادة تفصيل النظام السياسي الفلسطيني وفق مخرجات أوسلو، وعقد المجلس الوطني دون النظر في البرنامج السياسي، والمشروع السياسي الذي ستحمله المنظمة مستقبلاً، يشكل ضربة قاضية لقضية اللاجئين وحق العودة وتساوقاً مع ما يسمى صفقة القرن.