Menu
حضارة

عن الهُـدنة

بوابة الهدف

تضطرّ الشعوب عبر مسيرات كفاحها الطويل الى اتباع الكثير من التكتيكات المعقدة والمتنوعة لتجنب مآزق صعبة أو تحقيق أهداف تحسن فرصها في الفوز بالمعركة، ومن المُسلم به هنا أن هذه بعض هذه التكتيكات ضررها أكبر من نفعها، وذلك ما تثبته التجارب أو المعلومات المتوافرة أو القراءة الدقيقة للحالة، وهو ما يوجب تجنبها.

في فلسطين هناك مساعٍ ضخمة واضحة لتصفية القضية الفلسطينية من قبل العدو الصهيوني وحلفائه، وهو ما يرشح مباشرة لجوء الشعب الفلسطيني لما بين يديه من أدوات لمواجهة هذه المحاولات، وهنا يأتي دور (الهدنة) كمصطلح شائك يسعى من خلاله العدو لمنع المقاومة من القدرة على المبادرة لأي ردود فعل مهما كانت أفعال أو جرائم الاحتلال، طالما أنها لم ترد نصًا في اتفاق الهدنة، وهذا ينطبق أيضًا على إجراءات تصفية القضية الفلسطينية على المستوى السياسي والميداني.

باختصار، سيتم نزع المقاومة عن المشاركة في الصراع لفترة زمنية طويلة، وفي فترة حاسمة من عمر الصراع، أي في وقتٍ تتم فيه مصادرة الأراضي في عموم الضفة، وتهويد القدس ، وشطب ممنهج لحقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م بقانون القومية، وكل هذا يفترض أن يقابله الفلسطيني بتقييد يده ومقاومته.

ربما يجب أن نراجع التسلسل المنطقي للأشياء. لقد جاء هذا الحصار على غزة لأن هذا العدو يرغب بتركيعها ومنعها من مقاومته، وقد جاءت المقاومة أساسًا كأداةٍ وطريقة لهزيمة الاحتلال وتحرير الأرض، أي أن سلاح وأبناء الشعب الفلسطيني الذين صار اسمهم مقاومة ليس من حقهم بأي حال من الأحوال اعتزال هذه المعركة في هذه المرحلة الحاسمة بأي حجة كانت.

من الحجج الأساسية التي يستخدمها من يُنظّر للهدنة، وجود مسعى لسحق المقاومة في هذه المرحلة، والمعاناة الإنسانية الهائلة لأهلنا في القطاع الصامد المحاصر، وهي دفوعات محقة في وصفها لوقائع ولكنها خاطئة في استدلالها، كونها مرة أخرى تخلط بين الأسباب والنتائج، كما فعل الفريق المنادي بوقف المقاومة ونبذ العنف، يفعل الفريق الذي ينادي بالهدنة، فكلاهما يضع المقاومة كسببٍ لعنف الاحتلال ومساعيه الدائمة للتصعيد، ويقبل تقديم التزامات تشل قدرة شعبنا على اختيارأادوات نضاله في كل مرحلة، هذا ناهيك عن مساهمة الهدنة في تعميق الانقسام ومأسسته وخلق وقائع متناقضة بين أجزاء من الوطن المحتل. وبالمناسبة، إن الوطن ليس شقين هما الضفة وغزة، ففلسطين التي عرفناها دومًا تحاصر اليوم في النقب، وتقتل في القدس، ويصادرها العدو في حيفا، ويسعى لترحيل أهلها في الجليل، ويقتل ويصيب خيرة شبابها الثائرين شرق غزة.

إن الهدنة تأتي كجزء من تكتيك خاص تستخدمه المقاومة بناء على قرارها وإرادتها، ودون أي التزام مع العدو، وفي إطار استراتيجية وطنية كفاحية ما عاد بالإمكان تأجيل طرحها بتوافق وطني، فهذه اللحظة من تاريخ شعبنا لا تحتمل هذا التشرذم والعجز ومفاضلات خيارات السيء والأسوأ، فهناك فعلًا خيارٌ جيد دومًا، خيار الوحدة والصمود الوطني في وجه الحصار والتهويد والاستيطان ومحاولات التصفية.