Menu
حضارة

في تجفيف ينابيع الإرهاب.. تبديدُ التطرف

عبد الإله بلقزيز

من البيّن أنّ عوامل الإرهاب، اليوم، ما عادت تنحصر في المصادر الداخليّة، بحسبانها أسباباً دافعةً نحو التطرّف، ولا تنحصر في نطاق ما تمدُّهُ بهِ موارده الذاتية، وإنما اتسع نطاقها أكثر بدخول فواعل أخرى، خارجية، أشد أثراً وأفْعل من الأولى. ولقد يظل صحيحاً أن تجنح جماعة متطرفة لممارسة العنف الإرهابي من دون أن يكون لها أوَدٌ من الخارج، لكن هذه تحكم على نفسها بالانتحار سريعاً؛ وتلك، مثلاً، كانت حال جماعات سابقة، في مصر، مثل «التكفير والهجرة»، و«الجهاد الإسلامي» و«الجماعة الإسلامية»؛ كما كانت تلك حال «الجماعة الإسلامية المقاتلة» في ليبيا ، و«الطليعة المقاتلة» للإخوان المسلمين في سوريا وغيرها كثير؛ فلقد تعرّضت هذه جميعُها للتبديد والتصفية بضربات أمنية موجعة تلقتها بعد إطلاقها عملياتها.
ومن القرائن الدالة على استحالة وجود إرهاب أو استمراره من دون تغذية خارجية أن ذلك الإرهاب نفسه سرعان ما يُصاب في مقتل، وتتبخر قواه، ما إن تُرفَع عنه أيدي الدعم الخارجي وأرديتُه؛ وما أكثر الجماعات الإرهابية التي اختفت أو اضمحلت، من وراء حجب الدعم الخارجي عنها، فانتهت كما لو أنها لم تكن !على أن عوامل الخارج، التي تصنِّع الإرهاب من مادة التطرف مخلوطة بالمُضافات الخارجية، ما تلبث أن تولِّد، هي نفسُها، أدوات أخرى داخلية مساعدة للإرهاب؛ ومن ذلك توفيرُها شروط ميلاد حواضن اجتماعية، أو بيئات اجتماعية حاضنة، للإرهاب. 
قلنا إنها توفّر شروط ميلاد الحواضن ولم نقل إنها تُنْتجُها مباشرة؛ وبيان ذلك أن تحول بيئة اجتماعية ما إلى حاضنة وقفٌ على جملة ظروفٍ لا توفرها سوى المساعدة الخارجية، ولا تَقْوى الجماعات الداخلية على تأمينها ذاتياً، ومنها الموارد المالية التي تسمح بالصرف على المناطق الخاضعة للجماعات تلك، وتجنيد أبنائها العاطلين في مؤسساتها القتاليّة، وتوفير الأمن في تلك المناطق. 
يؤدّينا التمييز بين التطرّف والإرهاب إلى نتيجة يترتب عليها العمل بأكثر من معالجة للمسألة. يمكن مقاربة الإرهاب مقاربة أمنية، ولو أنها محدودة النتائج والفوائد، بينما لا يمكن مقاربة التطرف على النحو عينه تحت أي ظرف؛ إذِ التطرف انحراف في التفكير عن قواعد الواقعية في المقام الأول، وليس فعلاً يُلْحِق أذى مادياً مباشراً إلاّ متى صار إرهاباً. قلنا إنّ المقاربة الأمنية للإرهاب ممكنة، بل ضرورية، لردعه أو لإلحاق هزيمة به؛ وهي تصبح يسيرة في الأحوال التي يُرفَع فيها الدعم الخارجي عنه. غير أنها لا تملك، قطعاً، إلحاق الهزيمة الكاملة والنهائيّة به وبالتالي، مَحْوهُ من الوجود لسبب أكدنا عليه هو أنه يتغذى من التطرف ويتناسل منه. وعلى ذلك، فإن بيت القصيد في محاربة الإرهاب هو تبديد التطرف. 
من الناجع مقاومة الإرهاب بوسائل مادية مثل قتاله، وضرب شبكاته، ومراقبة نشطائه، وتجفيف ينابيعه المالية...إلخ، لكن الإجراءات هذه - على أهميتها والحاجة إليها - لن تنفع إلا في تبديد أعراضه، ولكن أسبابه العميقة ستستمر في تهيئة شروطه إن لم تقع معالجتها جذرياً. وكما أن الأسباب تلك مركبة، فكذلك معالجتُها تحتاج إلى مقاربةٍ تركيبية تنصرف إلى تقديم أجوبة ناجعة عن الأدوات التي تولَّد منها التطرف فصار إرهاباً؛ الجواب عن معضلة التهميش الاجتماعي والفقر؛ والجواب عن معضلة الانسداد في المجال السياسي؛ ثم الجواب عن معضلة الانغلاق والتقليد في النظام التعليمي والثقافي.
هل من تناقُضٍ بين قولنا إن مغالبةَ الإرهاب وغلبتَه تبدأ من تجفيف منبعه الداخلي (التطرُّف) والأسباب الداخلية التي تُولِّده، وقولِنا إن الإرهاب يتأسَّس على تصنيع خارجي للمادة الداخليّة ( التطرُّف) ولا يقوم إلاّ بما يسُدّ أوَدَهُ من دعمٍ خارجي؟
ما من تناقض بين القوليْن؛ فإذا صح في الذهن أن الاستباحةَ الخارجية للداخل لا تنجح إلا متى ما كان ذلك الداخل مهترئا، ومذخوراً بالمشكلات والبلايا، وقواهُ يائسة من أي خلاص وطني، صحَّ بالتَّبِعة أن الاستباحةَ تلك تستحيل وجوداً وفعلاً، أو تَنْحَدُّ تأثيراً، حين ينهض ذلك الداخل بأوضاعه؛ فيُصحِّحها ويجيب عن معضلاتها، ويسُدّ الثُّغَر فيها، ويتماسك بتماسُك اقتصاده، واجتماعه، ونظامه السياسي وثقافته وتعليمه.