Menu
حضارة

جمهوريتا الولايات المتحدة

عاصم عبد الخالق

الذين يعتبرون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياساته الانعزالية، وتوجهاته الصدامية مع العالم، استثناءً سيئاً في تاريخ بلاده، مخطئون. والذين يعتقدون أنه التجسيد الحقيقي لروح الأمة الأمريكية بسبب نفس هذه التوجهات، مخطئون أيضاً. أمريكا الحقيقية هي ما يفعله ترامب وما لا يفعله، ما يؤمن به وما يرفضه. ما يمتدحه عليه أنصاره وما ينتقده بسببه خصومه. أمريكا هي الانعزالية والانكفاء على الداخل والتعالي وغرور العظمة. وهي أيضاً الانفتاح والتعايش مع العالم والتفاعل مع نظام دولي يعترف بالآخر ويحترم مصالحه.
أمريكا هي كل ذلك، ولهذا السبب فإن ترامب ليس استثناء، ولكنه يعبر فقط عن أحد وجوه بلاده التي كاد العالم أن ينساها بعدما نجح في إحياء كثير من الملامح المتوارية لهذا الوجه منذ الحرب العالمية الثانية.
تعتبر مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية الرصينة، أن ما يفعله أو يقوله ترامب ليس جديداً، لأن لسياساته وتوجهاته جذوراً عميقة في التربة الفكرية والسياسية الأمريكية. بالطبع ليس معروفاً عن ترامب شغفه بالتاريخ أو سعة اطّلاعه أو ثقافته، ولكنه يعبر بالغريزة وبأفكاره الشخصية البسيطة عن اتجاه قوي ومتجذر في التركيبة الأمريكية، وبالتالي يعبر عن تيار فكري وسياسي قوي تجسده قوى اليمين الأمريكي سواء داخل الحزب الجمهوري أو خارجه. لهذا السبب يتمسك به اليمين بقوة، رغم عدم الاقتناع به شخصياً. ولكن أهميته الحقيقية هي أنه يتبنّى أفكار هذا الاتجاه ويستميت في الدفاع عنها بصلابة وعناد. 
ومنذ أن رفع ترامب شعاره الأثير «أمريكا أولاً»، أصبحت توجهاته معروفة للجميع. الترجمة السياسية لهذا الشعار تعني كراهية الأجانب والمهاجرين في إطار سياسة لا تخلو من صبغة عنصرية تنحاز للجنس الأبيض. وتعني الترجمة المباشرة أيضاً التمسك بسياسات لا ترى إلاّ المصالح القومية ولا تلقي بالاً بمصالح الآخرين، وتتنصل من الاتفاقيات الدولية، وترفض الانخراط في أزمات خارجية أو الالتزامات الدولية، تنحاز للإجراءات الحمائية وإغلاق الأسواق والنظرة الدونية للمنظمات الدولية، وتتجاهل قضايا حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية بالعالم.
كل هذه التوجهات يتبناها ترامب بلا مواربة وهي نفسها أجندة اليمين الأمريكي. ترامب بهذا المعنى ليس شيئاً طارئاً على الثقافة السياسية الأمريكية التي صاغت إستراتيجية كبرى متماسكة ظلت قائمة خلال القرن التاسع عشر، ولم تتغير سوى بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ ذلك التاريخ بدأت أمريكا الأخرى تظهر للعالم بوجه مختلف: شاركت في صياغة وحماية نظام دولي جديد من خلال مؤسسات دولية كبيرة، انغمست بالحق وبالباطل في مشاكل وحروب وقضايا العالم. ودعت للانكفاء على الداخل وأقامت شبكة تعاون عملاقة مع دول العالم بما فيها الاتفاقيات التجارية الثنائية والجماعية، وقاتلت من أجل حرية التجارة وإزالة الحواجز الجمركية.
أمريكا المحافظة اليمينية التي يعبر عنها ترامب، هي نفسها أمريكا الديمقراطية الليبرالية التي يتمسك بها خصومه. ترامب لم يسقط على بلاده من السماء، وسياساته التي يعتبرها العالم بغيضة ليست نبتاً شيطانياً؛ بل لها جذور عميقة في التاريخ الأمريكي. غير أن خطأه البارز أنه يتسلح برؤية بالية وربما تنقصه الرؤية من الأصل لفهم العالم الذي يعيش فيه وتطبيق أفكاره بصورة واقعية. لا يمكن كسب معركة القرن الحادي والعشرين بأسلحة القرن التاسع عشر.
قد يخسر ترامب على المستوى الشخصي، ولكن الاتجاه الذي يمثله سيستمر لأنه جزء لا يتجزأ من الهوية الأمريكية، تماماً كما هو حال الاتجاه الديمقراطي الليبرالي المضاد. كلاهما أمريكا.. ولن ينتصر أحدهما لأنه لا يمكن أن تكون هناك أمريكا واحدة.