Menu
حضارة

(1994 - 2017)

الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (ج1)

غازي الصوراني

تعبيرية

تمهيد:

تسعى هذه الدراسة إلى إثارة النقاش العلمي- في أوساط الباحثين والمثقفين اليساريين الفلسطينيين، حول التحولات الطبقية/ الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، وتأثيرها على المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وانعكاسها على مواقف القوى السياسية الفلسطينية عموماً، وقطبي الصراع فتح وحماس خصوصاً، إلى جانب الآثار السياسية والمجتمعية الناجمة عن الانقسام بين "كيانين" منفصلين في الضفة وقطاع غزة، وما أدى إليه هذا الوضع من تزايد الحصار والممارسات العدوانية الإسرائيلية من ناحية وتزايد مظاهر التراجع والانحطاط المجتمعي والإفقار والبطالة من ناحية ثانية.

وفي هذا السياق أشير إلى الالتباس المنهجي حول مفهوم التحولات الاجتماعية، انطلاقاً من عدم إمكانية الحديث عن تحولات نوعية مادمنا في البنية نفسها، خاصة وأن البنية الاجتماعية الفلسطينية هي بنية متعددة المظاهر والأشكال داخل النمط الرأسمالي التابع، علاوة على تخلفها وتبعيتها، لأن مفهوم التحول ينطبق على كل تغير يفيد الانتقال من بنية إلى أخرى، أي أنه اضطراب وقلب للأنظمة "وهذا يعني أن الكثير من مظاهر التغير التي تحدث على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، قد تعطي الانطباع بكونها معبرة عن تحولات عميقة وحاسمة، بيد أنها قد لا تكون في عمقها كذلك[1]" فهل يصدق هذا الرأي على ما يعرفه مجتمعنا من تحولات وتغيرات؟ بهذا السؤال أكون قد تطرقت إلى مفارقة قد تحمل في طياتها نوعاً من التناقض أو الالتباس فيما يتعلق بعنوان هذه الدراسة، لكنني لا أسعى إلى إبراز هذا التناقض بقدر اهتمامي بالحديث عن شكل ومضمون التحولات الاجتماعية في حركتها البطيئة في مجتمعنا الفلسطيني، التي لا تفرز حالة يمكن أن يطلق عليها تحولاً نوعياً أو جذرياً فيه، حيث أن مجتمعنا الفلسطيني في الضفة والقطاع كما يقول البروفيسور جلبير الأشقر "ليس مجتمعاً ناتجاً عن تطور "طبيعي" بل هو مجتمع نتج عن الاقتلاع الجزئي الذي تلاه الضم (إلى الأردن ومصر) ومن ثم عقود من الاحتلال أفضت - في ضوء اتفاق أوسلو – إلى انتقال قسم هام من جهاز دولة اتياً من الشتات ليتربع على السلطة وفق شروط أوسلو وما تلاها، وهذه ظروف خاصة جداً لا يوجد مثيل لها في العالم أجمع"[2].

وبالتالي فإن هذه الدراسة، هي محاولة تشخيصية للوحه أو الخريطة الطبقية الراهنة في المجتمع الفلسطيني، في الضفة وقطاع غزة، ومتابعة تطور ورصد أوضاع "الطبقة" البرجوازية الكبيرة والطبقة البرجوازية الصغيرة أو ما يطلق عليها البرجوازية المتوسطة، إلى جانب "طبقتي" العمال والفلاحين، واتجاهات التغير في هذه المواقع نتيجة للتفكيك والتهميش والإدماج واليات التغير في مواضع هذه الفئات، إلى جانب تحديد الموقف السياسي، للقوى الفاعلة في حقل النظام السياسي الفلسطيني في سياق معادلة داخل بنية سلطة الحكم الذاتي والنظام السياسي الاجتماعي المنبثق عنها طول الفترة منذ 1994 حتى تاريخ الانقسام منتصف حزيران 2007 بين فتح وحماس أو الضفة وقطاع غزة، حيث تعيش كل منهما – منذ ذلك التاريخ - حالة من المتغيرات السياسية الاجتماعية والاقتصادية تختلف –خاصة في قطاع غزة- عن مرحلة ما قبل الانقسام، وفي هذا الإطار، نشير إلى أن التغير الاجتماعي النوعي كما نفهمه، هو مصطلح رديف لمفاهيم النمو والتطور والتقدم الاجتماعي بالمعنى التنويري والحداثي والعقلاني النهضوي، عبر مرحلة جديدة أفضل من سابقتها، من حيث درجات التطور أو النهوض السياسي الاجتماعي والثقافي والنمو الاقتصادي.

 لكن ما جرى منذ 14 حزيران 2007، شكل نقيضاً لكل من صيرورة التحرر الوطني والتطور الاجتماعي، حيث سادت حالة من الاستبداد والقمع والتخلف الاجتماعي والركود الاقتصادي، كرست واقع أقرب إلى الإحباط واليأس وانسداد الأفق، ليس بالنسبة للعملية السياسية فحسب بل أيضاً بالنسبة للأوضاع الاجتماعية والحريات العامة وحرية الرأي، حيث بات المواطن الفلسطيني محكوماً بقيود تحد من حريته السياسية والفكرية والشخصية، وبالتالي فاقداً لدوره أو لحوافزه الذاتية للإسهام الطوعي الحر في إطار النضال الوطني أو التحرري من ناحية إلى جانب فقدانه لدوره على الصعيد الديمقراطي والاجتماعي والثقافي العام من ناحية ثانية.

 وهنا بالضبط تحولت المتغيرات السياسية الاجتماعية في كل من مجتمع الضفة والقطاع إلى حالة نقيضه للتقدم أو ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج التخلف والتبعية[3] أو الاستتباع رغم الاختلاف في شكل الظاهرة ونسبتيها بين الضفة والقطاع، ذلك إن المتغيرات الناجمة عن الصراع بين الفريقين (فتح وحماس) في ظل الاحتلال، أدت إلى زعزعة وتفكيك أو إضعاف وعي شعبنا الفلسطيني بأفكاره وأهدافه الوطنية التوحيدية، كما أضعفت وعيه بوجوده السياسي الاجتماعي الموحد رغم توزعه وتباعده الإكراهي في المكان بين الضفة والقطاع من ناحية وبين مخيمات اللجوء والمنافي من ناحية ثانية، وذلك عبر سعي حركة حماس لتكريس الهوية الدينية أو هوية الإسلام السياسي بديلاً للهوية الوطنية الفلسطينية وانتمائها لبعدها القومي العربي في صيرورته الحضارية أو الحداثية التقدمية، في مقابل ممارسات حركة فتح وحكومة رام الله التي تصب في مجرى التوافق مع السياسات الأمريكية الإسرائيلية والعربية الرسمية، بحيث يمكن الاستنتاج، بأن كل من حركتي فتح وحماس، تقدم للشعب الفلسطيني (وللشعوب العربية) أسوأ صورة ممكنة عن حاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني المحكوم، بصورة إكراهية، بأدوات ومفاهيم التخلف والاستبداد والقهر والقمع والاستلاب وهي مفاهيم وأدوات لن تحقق تقدماً في سياق الحركة التحررية الوطنية بل على النقيض من ذلك ستعزز عوامل انهيارها والانفضاض الجماهيري عنها.

إن الوضع الراهن يشير إلى أن السياسة باتت فناً للفوضى أو الموت البطيء بدلاً من فن إدارة الصراع الوطني والاجتماعي، وهي حالة يمكن أن تؤدي إلى نكبة أشد خطراً وعمقاً من نكبة 48.

معنى ذلك هناك خلل كبير يدفع ثمنه شعبنا الفلسطيني عموماً والجماهير الفقيرة خصوصاً. ذلك أن ما يجري هو شكل من أشكال الصراع السياسي والمجتمعي، الممنهج والمحكوم بالطبع بأهداف ومصالح وبرامج انقسامية فئوية محددة، تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وبلورته في الصيغة المطلوبة وفق مقتضيات الصراع بين القطبين، (فتح وحماس) في إطار فسيفساء متناقضة، قد يفقد معها المشروع الوطني مرتكزاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ما سيدفع إلى تكريس نوعاً من تفكك الفكرة التوحيدية للجماعة السياسية الفلسطينية لحساب هوية الإسلام السياسي أو الإمارة الإسلامية أو الخضوع لضغوط وشروط الرؤية الأمريكية الإسرائيلية، حينئذ لن تكون هذه الهوية بديلاً للمشروع الوطني فحسب، بل "ستمثل" نهاياته لكي تبدأ بالسير في مشروعها، وهي إمكانية نزعم أنها مستحيلة التحقق في فلسطين راهناً إلا إذا استطاع تيار "الإسلام السياسي" أن يصبح مشهداً رئيسياً في بعض أو معظم بلداننا العربية، وهو أمر لا يمكن تحققه بدون التكيف مع السياسات الأمريكية.

أخيراً، قد نتفق على أن هذه البديهيات تدعو كافة القوى الوطنية الديمقراطية التقدمية لإعادة تجديد رؤيتها ودورها المستقبلي، وهي عملية تندرج تحت بند "الضرورة التاريخية" للتيار الوطني الديمقراطي في فلسطين والوطن العربي، انطلاقاً من قناعاتنا بأن معظم النظام السياسي العربي في واقعه الحالي من الخضوع والتبعية والارتهان والتخلف والتفكك هو جزء تابع للمنظومة الإمبريالية في بلادنا، خاصة في ظل الدور المهيمن للقوى الطبقية الرجعية والكمبرادورية في السعودية وبلدان الخليج العربي، التي أسهمت في تغذية وتنفيذ مخطط تفكيك الدول الوطنية (سوريا / العراق / اليمن / ليبيا ... إلخ) من خلال اسهامها المباشر –بالتنسيق مع الامبريالية الامريكية- في تمويل ودعم القوى الاسلاموية المتطرفة ودورها في تفجير الصراعات الطائفية والمذهبية الدموية.

لذلك فإن المهمة العاجلة لكافة القوى التقدمية الديمقراطية العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً، أن تعيد النظر في الرؤية الاستراتيجية الوطنية والقومية ببعديها السياسي والاقتصادي التنموي والثقافي والمجتمعي، الأمر الذي يستدعي العمل على بلورة الرؤية الإستراتيجية المشار إليها، انطلاقاً من إعادة احياء وتجدد الوعي الوطني والقومي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها ووظيفتها كمشروع إمبريالي لا يستهدف فلسطين فحسب، بل يستهدف –بنفس الدرجة- ضمان السيطرة الإمبريالية على مقدرات الوطن العربي واحتجاز تطوره، وتكريس تبعية وتخلف وإفقار بلدانه وشعوبه، وهذا يعني أن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع مع النظام الرأسمالي الإمبريالي من أجل تغيير وتجاوز النظام العربي الكومبرادوري الراهن كمهمة إستراتيجية على طريق النضال ضد الدولة الصهيونية وإزالتها وإقامة فلسطين الديمقراطية كجزء لا يتجزأ من الدولة العربية الديمقراطية بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

البنية[4] الاجتماعية وتحولاتها:

هي الإطار الحاكم والمحدد لأنماط العلاقات والتفاعلات بين مكونات المجتمع ومستوياته الأساسية والفرعية، فالبنية تتألف من مجموعة من البنى أو الأنساق الفرعية، الاقتصادية والسياسية والأسرية وغيرها، والتي تتألف كل منها من جماعات وتنظيمات اجتماعية تسهم في أداء كل بنية أو نسق فرعي لوظائفه التي تتركز حول تطوير الإنتاج الاجتماعي وتواصله، بما يشتمل عليه هذا الإنتاج من مخرجات مادية وثقافية وعلمية، كما تتركز حول تحقيق الاستقرار أو التغيير –النسبيين- الضروريين لفاعلية دور البنية في توفير شروط تواصل التطور الاجتماعي والاقتصادي والحفاظ على الهوية الحضارية للمجتمع متجددة ومتمايزة في الوقت نفسه[5].

أما الطبقة الاجتماعية فهي جماعة تشترك في موقع متشابه من ملكية وسائل الإنتاج، أو من علاقات العمل وأنماطها، وتتبلور بتبلور وعيها بمصالحها المشتركة، وسعيها لتحقيق تلك المصالح من خلال تنظيم حركتها وتفعيل مشاركتها، ويستند هذا المفهوم على محددات أساسية للطبقة ترتبط بأنماط العلاقات الاجتماعية للإنتاج، وتساعد في تصنيف الطبقات وفهم كل طبقة لذاتها، والتي تجعل منها قوة في البنية الطبقية وعلى مستوى المجتمع، وتتمثل تلك المحددات فيما يلي"[6]:

      • الموقع من ملكية أو حيازة رأس المال النقدي أو رأس المال العيني.
      • الموقع من علاقات السلطة، وممارساتها داخل النطاق المباشر للإنتاج (في المنشأة أو المشروع) والتي تتحدد بناء على أحد الموقعين السابقين أو كلاهما (حيازة رأس المال النقدي أو العيني).
      • الموقع من علاقات الاستغلال، أي ممارسة الاستغلال (بمعنى الاستيلاء على فائض القيمة) أو الخضوع له (من قبل العمال).
      • يتحدد الوعي الطبقي أولاً بحد أدنى يبدأ بالوعي اليومي الفردي المباشر أو شبه الجماعي القائم على التعاطف ومشاعر الانتماء والولاء بين أعضاء الطبقة، والذي يتبلور نحو وعي جماعي بالمصالح المشتركة وبدائل تحقيقها، وهو وعي لا يتوفر لدى كل أعضاء الطبقة بل لدى جماعة قيادية منها، تسمى الجماعة الإستراتيجية التي يمكن أن تؤسس حزب أو جمعية أو مؤسسة، للدفاع عن مصالح الطبقة في إطار ما يسمى بالفاعلية الطبقية التي يقصد بها قدرة الطبقة على تحقيق مصالحها في خضم الممارسات المختلفة، وخاصة الممارسات السياسية.

إن هذه المحددات ترتبط بثلاثة مجالات أساسية للهيمنة أو الخضوع لأنها ترتبط بأهم الموارد الإنتاجية: رأس المال النقدي/ورأس المال العيني/والعمل، حيث يحدد الموقع منها المراكز التي لديها أو ليس لديها القدرة على السيطرة على احدها أو معظمها، فالرأسمالي يسيطر على قرارات توظيف رأس المال النقدي أو العيني أو هما معاً، أما العامل فيخضع لمالكي هذين الموردين، بينما يمكن أن يسيطر نسبياً على العمل.

والواقع انه يجب إلا نستنتج من الدور الرئيسي للموقع الاقتصادي، ان هذا الموقع يكفي لتحديد الطبقات الاجتماعية، صحيح أن للعامل الاقتصادي في رأي الماركسية الدور الحاسم في نمط معين من الإنتاج وفي التشكل الاجتماعي، ولكن العامل السياسي والايدولوجيا أو بكلمة البنية الفوقية لها دور بالغ الأهمية.

وعلى هذا يمكن القول، بأن الطبقة الاجتماعية تتحدد –إلى جانب موقعها الاقتصادي- بموقعها في مجمل الممارسات الاجتماعية، أي بموقعها في مجمل التوزيع الاجتماعي للعمل، وهو يشمل العلاقات السياسية والعلاقات الايديولوجية. والطبقة الاجتماعية هي بهذا المعنى، مفهوم يدل على أثر البنية في التوزيع الاجتماعي للعمل (العلاقات الاجتماعية والممارسات الاجتماعية). وعلى هذا، فإن هذا الموقع يشمل ما يمكن اعتباره التحديد البنيوي للطبقة، أي وجود تحديد البنية بالذات في الممارسات الطبقية (علاقات الانتاج، مواقع الهيمنة، والتبعية السياسية والأيديولوجية) –حسب بولانتزاس - فلا وجود للطبقات إلا في الصراع الطبقي[7]، في إطار الممارسات الطبقية، وفي هذا الجانب فإن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات للوعي الطبقي[8].

الأول: ادراكي يركز على فهم الطبقة لأوضاعها وأوضاع غيرها من الطبقات، ومن ثم فهم علاقات الطبقات ببعضها البعض، والثاني: صراعي يركز على الصراعات والتحالفات الفعلية، وتنظيم الطبقة لنشاطاتها وإدارة صراعاتها والثالث: تحويلي ذو توجه مستقبلي يتجاوز تغيير أوضاع الطبقة إلى تغيير البنية الطبقية، ومنها إلى تغيير النظام الاجتماعي الاقتصادي (حسب شروط القوة الذاتية للطبقة البورجوازية أو للطبقة العاملة).

التشكيلة الاجتماعية إذن، هي مجموع العلاقات الاجتماعية الدائرة في حيز جغرافي معين، خلال فترة معينة ووفقاً لأشكال محددة، وهو تعريف قد لا ينطبق على الواقع الاجتماعي الفلسطيني خلال المرحلة التاريخية الممتدة منذ نكبة 1948 حتى عام 1967، بسبب إلحاق الضفة الفلسطينية إلى الأردن، وقطاع غزة إلى الوصاية المصرية.

 ولكن بالرغم من هذا الانقسام الجغرافي السياسي في المجتمع الفلسطيني خلال تلك المرحلة، فإن المقومات السياسية والهوية الوطنية ببعدها السياسي والاجتماعي رغم عوامل التفكك التي أصابتها بسبب استمرار الانقسام، إلا أنها ظلت سمة أساسية للفلسطينيين في الوطن والشتات عموماً، وفي الضفة وقطاع غزة خصوصاً، حيث تجلت هذه العلاقة الاجتماعية في إطار المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع على أثر الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ثم على أثر قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، رغم التباينات الملحوظة التي ميزت ومازالت كل من "مجتمع" الضفة عن "مجتمع" قطاع غزة بسبب ظروف وعوامل تاريخية وراهنة، آخذين بعين الاعتبار أن المجتمع الفلسطيني هو تشكيلة اجتماعية - اقتصادية رأسمالية هامشية وطرفية، ناهيكم عن تعرضها لغزو عنصري اقتلاعي إقصائي.

بالإضافة إلى ما تقدم، فإن هذه التشكيلة الاجتماعية لا تزال مشتملة على علاقات إنتاج اجتماعية ما قبل رأسمالية بسبب ضعف وتخلف القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، خاصة قطاع الصناعة والبحث العلمي والتكنولوجي.

 ومن هنا يمكن توصيف المجتمع الفلسطيني - رغم من ما يعتري سطحه من مظاهر التقدم الشكلي والكمي- بأنه شبه تقليدي بسبب استمرار بقاء الدور المهيمن للعائلة/الحامولة في العديد من الشركات والنشاطات والقطاعات الاقتصادية، كما في التجمعات في القرى والمدن والمخيمات، إلى جانب المظهر الآخر المرتبط بتداخل الأنماط الاجتماعية التقليدية وتجاورها أو تحالفها مع البيروقراطية الحاكمة في السلطة بشقيها، وطابعها الطفيلي المشوه، عبر علاقات مع التحالف الكومبرادوري التجاري والعقاري والمالي من ناحية وعبر تضخم مظاهر التراجع الاقتصادي والاعتماد على الخارج في التمويل أو الإغاثة، وتضخم مظاهر ومؤشرات الفقر والبطالة والانحطاط الاجتماعي من ناحية ثانية، دون القفز عن السبب الرئيسي لتفاقم هذه المظاهر، المتمثل في الاحتلال وممارساته العدوانية وحصاره المتواصل، المفروض على أبناء شعبنا في الضفة والقطاع، إلى جانب استمرار تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي وما تنتجه هذه التبعية من تشوه مستمر في العلاقات الاجتماعية (التركيب الطبقي)، إذ أن العلاقة الجدلية بين التبعية، والعلاقات الاقتصادية/الاجتماعية، توضح إلى حد كبير شكل ومحتوى البنية الطبقية الفلسطينية، والخصائص الاجتماعية لكل "طبقة" أو شريحة في إطار تلك البنية.

مسار التطور الاجتماعي في الضفة وقطاع غزة :

إن أهم ما تتميز به الأوضاع الاجتماعية-الطبقية في بلادنا –والبلدان العربية عموما- أنها أوضاع انتقالية، غير مستقرة وغير ثابتة، والأشكال الجديدة فيها تحمل في ثناياها العديد من ملامح القديم، لذا فإن التحليل الداخلي أو الطبقي لمجتمعاتنا، القائم على المقارنة الميكانيكية أو التشابه بينها وبين مسار التطور الأوروبي كمعيار، سيؤدي بنا إلى مأزق تحليلي ومعرفي عند مناقشة الوقائع العينية والأحداث التاريخية التي ميزت واقعنا، لأن هذه الأحداث والوقائع كانت عاملا أساسيا من عوامل تشوه وتميع الوضع الطبقي الفلسطيني، فالنكبة الأولى عام 1948، التي شردت شعبنا ودمرت قاعدته الإنتاجية (شبه الإقطاعية –شبه القبلية- شبه الرأسمالية آنذاك) ومجمل بنيته الطبقية والمجتمعية، ثم ضم وإلحاق الضفة الفلسطينية إلى الأردن لتصبح جزءا من اقتصاده ومجتمعه، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية المصرية، وتكريس التباعد الجغرافي والسياسي بينهما الذي عمق التباعد الاجتماعي-الاقتصادي بين أبناء الشعب الواحد حتى الاحتلال عام 1967 ، الذي قام بإلحاق اقتصاد كل من الضفة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي، ومنذ توقيع اتفاق باريس الاقتصادي (نيسان 1994) يعيش الاقتصاد الفلسطيني حالة من التبعية الكاملة –من حيث السوق والوحدة الجمركية والأسعار- للاقتصاد الإسرائيلي، إلى جانب التعقيدات الإسرائيلية طوال تلك المرحلة التي تمثلت في الاعتداءات والاغلاقات المتكررة والتضييق المتعمد على حرية التجارة، الاستيراد والتصدير، وحرية التنقل والحركة للمواطنين، الأمر الذي راكم المزيد من عوامل الضعف والانكشاف التي تفاقمت مع تزايد مظاهر الفساد الاقتصادي في اجهزة السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة، التي أفسحت المجال واسعاً لمظاهر وأدوات الفلتان الامني وانتشار مظاهر الثراء غير المشروع في ظل تنامي بروز الشرائح الطبقية في إطار التحالف البيروقراطي الكمبرادوري الذي استخدم السلطة جسراً لزيادة ثرواته ومصالحه الأنانية الخاصة، في مقابل صلف وعدوانية دولة العدو الإسرائيلي واصرارها على فرض شروطها السياسية والامنية على المفاوض الفلسطيني دونما أي تقدم حقيقي فيما يسمى بـ"العملية السلمية". إن هذه التراكمات الناجمة عن الأوضاع الداخلية للسلطة وعن ممارسات دولة العدو الإسرائيلي أدت إلى تفاقم الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية، ومن ثم تزايد حدة الصراع بين كل من أجهزة السلطة /حركة فتح وحماس، وهو صراع سرعان ما تحول إلى صراع دموي واقتتال داخلي تم حسمه كما هو معروف لصالح حركة حماس في 14 / حزيران / 2007 وتفردها في حكم قطاع غزة وانفصاله السياسي والدستوري عن الضفة الغربية طوال العشرة الأعوام الاخيرة خلق حالة غير مسبوقة من الانقسام بكل تفريعاته السياسية والاقتصادية والنفسية والثقافية والاجتماعية، بحيث بات واضحاً أن التفكك السياسي والمجتمعي أصبح ظاهرة ملموسة في أذهان شعبنا في ظل استمرار هذا الانقسام البشع، الذي أدى إلى تفكيكِ أوصال شعبنا الفلسطيني، الذي يبدو أنه ينقسم ويتشظى اليوم إلى عدة مجتمعات متناثرة مجزأة ، الضفة في واد وغزة في واد آخر ومخيمات الشتات في وديان العرب و اراضي 1948 في واد، لا يجمعها موقف او برنامج سياسي موحد، بحيثُ يمكن الاستنتاج، أن ممارسات كل من فتح وحماس، ستعززُ عوامل الانفضاض الجماهيري عنهما وصولاً إلى حالةٍ غير مسبوقةٍ من الإحباط واليأس ، كما هو حال قطاعات واسعة من شعبنا اليوم في قطاع غزة على وجه الخصوص، حيث باتت قضيتنا اليوم محكومةً لقياداتٍ سياسيةٍ استبدلت–في معظمها- المصلحة الوطنية العليا برؤاها وبمصالحها الفئوية الخاصة .

ان رفضنا لثنائية فتح وحماس، ينطلق من إدراكنا لهما باعتبارهما جزءاً من الإشكالية أو الأزمة الراهنة ببعديها السياسي والمجتمعي، لكنهما لا يمثلان ولا يُجسدان وحدهما مشروعنا التحرري الوطني.

هنا تتجلى أهمية وضرورة الحوار الوطني الشامل لكي نستعيدَ وحدَتَنَا وتعدُديتنا وفق قواعد الاختلاف الديمقراطي، بما يُمكننا من بناء رؤية إستراتيجية لنضالنا التحرري والديمقراطي تستعيد ثقة ابناء شعبنا والتفافهم وتوحدهم تحت مظلتها كافكار توحيدية جامعة تستجيب لتطلعاتهم بما يمكنهم من مواصلة نضالهم التحرري والديمقراطي وتحقيق اهدافهم في الحرية وتقرير المصير والعودة.

الانقسام وآثاره الاجتماعية والنفسية والسياسية على أبناء شعبنا عموما وفي قطاع غزة خصوصا:

وأبرز هذه الآثار تتجلى في النتائج التالية :

- البحث عن تأمين المصالح الخاصة لدى البعض اقل من 55%، وعن لقمة العيش وتأمين مستلزمات الحياة الضرورية لدى الشرائح الفقيرة اكثر من 80%ارتباطاً بالمأزق السياسي والاقتصادي المسدود في اللحظة الراهنة ( اكثر من 200 ألف عاطل عن العمل في قطاع غزة 60% منهم يحملون شهادات جامعية).

- انتشار قيم النفاق الاجتماعي بكل صوره الاجتماعية والسياسية، أو اللامبالاة والاتكالية, وانتشار الميل إلى الإحباط أو اليأس, والخضوع, وتراكم الخوف في صدور الناس,وانتشار المخدرات وادوية الهلوسة بانواعها في اوساط الشباب الى جانب انتشار الجرائم والانتحار لدرجة أن الكثيرين في مجتمعنا أصبح همهم هو الانخراط في الحياة الاجتماعية لتأمين مصالحهم الخاصة والحفاظ على سلامتهم.

والنتيجة الحتمية لهذا المسار الاجتماعي الشاذ تقضي بأن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام والكرامة, وروح المكر محل روح الشجاعة, وروح التراجع محل روح المبادرة, وروح الاستسلام محل روح المقاومة, وروح العدمية والتعصب الأعمى المنغلق محل روح الديمقراطية والتعددية .

- بعد ان وصلت القضية الوطنية الفلسطينية الى الحضيض في اذهان شعوبنا العربية دون اي اهتمام بها كقضية مركزية بسبب اوضاع الاستغلال والاستبداد والفقر والصراعات الطائفية والمذهبية الدموية ، فإنني أشعر بالقلق من ان قضيتنا واهدافنا الوطنية التحررية لم تعد قضية مركزية في عقول وقلوب ابناء شعبنا.

- هذه المظاهر لم يكن ممكناً انتشارها بدون هذا التوسع المذهل في الهبوط السياسي والاستبداد وقمع الحريات والاعتقالات وتراكم مظاهر ألانحطاط الاجتماعي الذي لم يعد هامشياً أو استثنائياً, ولم يعد مجرد مسألة انحطاط قيمي وأخلاقي فحسب, بل صار تعبيراً عن درجة عالية ومقلقة من انفصام السلطة عن الشعب, بعد أن انقسمت إلى "حكومتين" غير شرعيتين، تحاول كل منهما تثبيت مصالحها الفئوية بالقوة الامنية الاكراهية بعيدا عن القانون ، وعلى حساب المصالح والأهداف الوطنية والمجتمعية التوحيدية.

وبالتالي فلا غرابة من ضعف وعي العمال و الفلاحين الفقراء وكل الكادحين في بلادنا عموماً بالظلم الطبقي بصورة مباشرة، ذلك لأن إطار العلاقات الرأسمالية الظاهرية، هو في حقيقته –كما أشرنا من قبل- إطارا شبه رأسمالي يحمل في ثناياه العديد من العلاقات الاجتماعية التقليدية القديمة، بما يعيق عملية الفرز الطبقي المحدد داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية القائمة، التي ما زالت عملية غير مكتملة بل ومشوهه، على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية ، نظرا لهذا التداخل أو التشابك في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية، وفي العديد من الطبقات والفئات الاجتماعية، ونظرا لأن فئات واسعة من السكان في مجتمعنا، لا تزال تعيش أوضاع انتقالية بحيث لم يتحدد انتماؤها الطبقي تحديدا مستقرا ونهائيا، خاصة وأن طبيعة المرحلة الراهنة، بعد خمسة عشر عاماً من قيام السلطة الفلسطينية في ظل الاحتلال وعدوانه وحصاره، وصولاً إلى الصراع بين فتح وحماس وانفصال الضفة عن القطاع، مليئة بالمفارقات والمفاجئات، حيث نلاحظ أن معظم الأثرياء الجدد (أفرادا وجماعات) يعيشون نوعاً من الازدواجية أو الارباك بين انتماءاتهم الطبقية-الاجتماعية البورجوازية الصغيرة والفقيرة عموماً في سياق تجربتهم الوطنية السابقة ، وبين أوضاعهم الراهنة، الثرية المحدثة –عبر مظاهر وأشكال الفساد والحراك الاجتماعي[9] الشاذ-، لا يشعرون باستقرارهم، كما لا يشعرون بعمق انتماءهم الجديد، ذلك ان تكريس أو رسوخ استقرارهم الطبقي مرهون بمدى تفاعلهم أو استجابتهم للمتغيرات السياسية المتسارعة هبوطاً في مجتمعنا، فهي التي ستحدد دورهم المستقبلي  بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، في ضوء حجم استجابتهم للرؤية الأمريكية-الإسرائيلية وبالتوافق معها. 

الأمر الهام الآخر الواجب الإشارة إليه، عبر محاولتنا لتحليل واقع مجتمعنا الفلسطيني بدرجات متفاوتة، منذ ما بعد نكبة 48 إلى يومنا هذا، يتمثل في تلك الآثار والنتائج الاجتماعية الناجمة عن استمرار مظاهر عصبية الدم، والولاء العشائري أو عمق الرابطة الاجتماعية الضيقة التي تكرس الولاء لرموز التخلف، المرتبطة مصلحيا بمظاهر وأوضاع الخلل والفساد والفوضى في هذه المرحلة أو أي مرحلة سابقة، وذلك تحت غطاء العادات والأعراف والتقاليد والتراث . 

إننا إذ ندرك أن عمق الرابطة الاجتماعية قبل النكبة 1948 كان له تأثيراً ايجابياً في استنهاض حالة المقاومة في أوساط الفلاحين والعمال رغم رخاوة أو مهادنة القيادات الاقطاعية آنذاك، والتي كانت أحد أهم أسباب هزيمة الثورة الفلسطينية ومن ثم تشريد شعبنا.

 لكن الإشكالية أو المفارقة، تتجلى في استمرار دور هذه الولاءات العشائرية الضيقة وتكريس دور هذه الرموز والعلاقات الاجتماعية القديمة، في إطار تلك الرابطة بعد مرور أكثر من ستة عقود على النكبة، باسم العادات والتقاليد والأعراف القديمة، ما يعني بوضوح، اننا نعيش ما يمكن تسميته بتجديد التخلف أو إعادة انتاجه، ما يؤكد على صحة تحليلنا للمواقف الطبقية والسياسية للقيادة المتنفذة في إطار م.ت.ف أو السلطة فيما بعد، وما راكمته من ممارسات سياسية واقتصادية واجتماعية، اسهمت في اعادة إنتاج وتشجيع الولاءات القديمة لحساب سلطة الفساد وأجهزتها وزعرانها الذين نشروا مظاهر الفوضى والفلتان الأمني والقلق والاحباط السياسي والاجتماعي الداخلي، عبر تراكمات متزايدة وصلت ذروتها في تفجر الصراع الدموي يوم 14/ حزيران / 2007 ومن ثم بداية مرحلة جديدة من الانقسام السياسي والاجتماعي والقانوني، سيتراكم دور وتأثير الجوانب السلبية الضارة الناجمة عنها، لتطال معظم مكونات المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، وتخلق مزيدا من الانقسامات فيه لن تتوقف عند الانقسام السياسي – الاقتصادي العام الراهن، بل قد تتسع لتصيب بالضرر - ان لم تكن اصابت بالفعل- مكونات الوعي الوطني والمجتمعي الداخلي على مستوى المدينة، والقرية، والمخيم، بما يفاقم مظاهر الخلل والانحراف والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الضفة والقطاع، ويشق مزيدا من العمق في مجرى الهبوط بالعملية السياسية الجارية، إلى قيعان أشد اظلاماً واستسلاماً مما سبقها، ومن ثم الهبوط بالوحدة الوطنية، وبعملية البناء المجتمعي الديمقراطي الداخلي معا، الأمر الذي سيزيد ويوسع الفجوة التي تفصل بين حلم التحرر والتغيير الذي يطمح إليه شعبنا وما زال، وبين واقعه المنقسم والمحاصر لحساب عوامل التخلف والتبعية والسلفية الجامدة والاستبداد، في موازاة الهبوط السياسي المريع الذي تتعرض له قضيتنا الوطنية راهنا.

إذن، فالتطور الاجتماعي، في الضفة والقطاع، منذ عام 1994 إلى اليوم، لم يكن تطورا إيجابيا في محصلته أو نتائجه العامة، حيث تعرض لمتغيرات وتحولات ساهمت في انحراف العديد من جوانبه، بصورة كلية أو جزئية، عن سياق التطور الوطني والاجتماعي العام الذي شقته الحركة الوطنية الفلسطينية في التاريخ المعاصر، بحيث قادت هذه المتغيرات إلى تحولات ومظاهر سلبية أدت إلى تفكيك وانقسام البنية السياسية المجتمعية والبنية القيمية والأخلاقية لمجتمعنا الفلسطيني، الذي يعيش في حالة قريبة من اليأس والاستسلام، تعود في قسم كبير منها إلى أسباب وعوامل داخلية، غير قادرة على وقف الصراعات أو لجمها، بل على العكس، يبدو مضطراً أو مكرها – في معظمه – التعاطي مع احد قطبيها (فتح وحماس) في الضفة أو قطاع غزة، دون أي افق يؤشر – في المدى المنظور – على الخروج من هذا المأزق المسدود سواء على صعيد التحرر الوطني أو على الصعيد الاجتماعي. حيث أصبح مجتمعنا الفلسطيني محكوماً لما يسمى بمظاهر "مأسسة الفساد والتخلف" بدل مأسسة النظام العصري الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية والوحدة الوطنية والتعددية السياسية.

بهذا التشخيص والتحليل، نكون قد مهدنا للحديث عن الركيزتين الفرعيتين الأساسيتين المرتبطتين بالأوضاع والتحولات الاجتماعية، ونقصد بهما أولا: التوزيع السكاني، ثانياً: التركيب الاجتماعي أو الطبقي لمجتمع الضفة والقطاع في هذه المرحلة، آخذين بعين الاعتبار أن الحديث عن تنوع وتداخل مكونات الخارطة الطبقية الفلسطينية هو أمر قابل للمراجعة دوما، في ضوء هذه المتغيرات الداخلية والخارجية التي نعيشها اليوم و في المستقبل .

  1. التوزيع السكاني والديمغرافي :

يقول ماركس : "عندما نتفحص بلداً معيناً من زاوية الاقتصاد السياسي، نبدأ بدراسة سكانه، وانقسام هؤلاء السكان إلى طبقات، وتوزعهم في المدن والريف ، فالسكان هم الأساس ومادة العمل الاجتماعي الإنتاجي برمته، مع ذلك، إذا تفحصنا هذه الطريقة عن كثب، فالسكان هم فكرة مجردة إذا أهملنا مثلاً الطبقات التي يتكونون منها، وهذه الطبقات هي بدورها كلمة جوفاء إذا تجاهلنا العناصر التي ترتكز إليها، مثل العمل المأجور والرأسمال...الخ .

إن المدخل الطبيعي لدراسة أي مجتمع من المجتمعات هو النظر في مرآة " الحالة السكانية " ، "فالبعد السكاني يختص بكل ما يؤثر في قدرة أفراد المجتمع على التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من زاوية البشر أنفسهم من النواحي الكمية والنوعية والتركيب السكاني الذي يشمل التكوين الداخلي أو العلاقات النسبية فيما بينهم من زوايا التقسيم النوعي، والتوزيع العمري، والتوزيع المكاني أو الجغرافي" [10]، وهي عناصر أو أبعاد تشكل في مجموعها " الدائرة السكانية" التي تتداخل مع بقية الدوائر الاجتماعية وتصب جميعها في بوتقة واحدة هي ذاك المجتمع نفسه، لكن أهمية الحالة السكانية تكمن في أنها أحد أهم المؤشرات التي تكشف بوضوح المشاكل الرئيسية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا.

في نهاية العام 2016، بلغ عدد سكان الاراضي الفلسطينية 4.893 مليون نسمة ( منهم 2.485 مليون ذكر و 2.407 مليون أنثى)، يتوزعون بمقدار 2.987 مليون نسمة في الضفة الغربية( منهم 1.517 مليون ذكر و1.469 مليون أنثى)، و 1.905 مليون نسمة في قطاع غزة (منهم 968 الف ذكر و 937 الف أنثى).

كما أظهرت البيانات أن نسبة الأفراد في الفئة العمريـة (0-14) في الضفة الغربية وقطاع غزة نهاية العام 2016 بحوالي (1.991 مليون نسمة) منهم 1.154 مليون نسمة في الضفة ، و 836,373 في قطاع غزة، أي نسبة الفتوة في الضفة 38.6% من مجموع سكانها ونسبة الفتوة في قطاع 43.9% ، أي ان المجتمع في قطاع غزة فتياً بشكل أكبر من الضفة الغربية.

أما بالنسبة لتوزيع السكان بين الحضر والريف والمخيمات نهاية 2016، فيتوزعون بنسبة 65.9% في المناطق الحضرية (حوالي 3.553 مليون)، وبنسبة 16.6% في الريف (حوالي 776 ألف) في حين بلغت نسبة سكان المخيمات 17.5% حوالي 838 ألف[11] (يتوزعون في مخيمات الضفة 242,530 لاجئ، وفي مخيمات قطاع غزة 595,255 لاجئ).

وفي هذا الجانب نشير إلى الكثافة السكانية مرتفعة في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، إذ بلغت الكثافة السكانية المقدرة لعام 2016 نحو 782 فرد/كم2 في الأراضي الفلسطينية، بواقع 507 فرد/كم2 في الضفة الغربية مقابل 5,144 فرد/كم2 في قطاع غزة حسب نشرة الجهاز المركزي للإحصاء المشار إليها.

أما بالنسبة لحجم الاسر الفلسطينية، فيقدر مجموع الأسر نهاية العام 2016 في الأراضي الفلسطينية 835,772 أسرة، منها 533,392 أسرة في الضفة الغربية و302,380 أسرة في قطاع غزة، علماً بأن معدل الأسرة في الضفة 5.6 فرداً ، وفي قطاع غزة 6.3 فرد.

أما بالنسبة لمجموع الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، فقد بلغ في نهاية عام 2016 (6,400,540 نسمة) ، بنسبة 50.2% من مجموع الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات البالغ (12,739,516 نسمة) حسب الجدول التالي :

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم (1) :

توزيع السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع حسب مكان تواجدهم نهاية عام 2016(*)

الدولة

عدد الفلسطينيين

النسبة المئوية

الضفة الغربية

2987653

23.5

قطاع غزة

1905916

15.0

الأراضي المحتلة 1948 (إسرائيل)

1506971

11.8

الأردن(2)

3890708

30.5

لبنان(3)

523279

4.1

سوريا(4)

627956

4.9

باقي الدول العربية

594399

4.7

أمريكا اللاتينية والشمالية وأوروبا ودول أخرى

702634

5.5

الإجمالي

12739516

100

(1) المصدر: الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني – فلسطين في أرقام – 13/5/2015، مع إضافة 3% نسبة زيادة سكانية عن نهاية عام 2016

(2) عدد اللاجئين المسجلين في الأردن كما في يناير 2015 حسب موقع الأونروا 2212917 نسمة ، قام الباحث بإضافة نسبة 3% زيادة سكانية لعام 2015 ، ثم نسبة  3% من زيادة سكانية عن عام 2016، ويصبح الاجمالي في نهاية 2016 ،  2,348,196 يضاف لهم 1,542,512 فلسطيني مقيم قبل وبعد عام 1948 ، يكون المجموع الإجمالي للفلسطينيين في الاردن 3,890,708 نسمة .

 (3) المصدر: موقع الاونروا – عدد اللاجئين المسجلين كما في يناير 2015 – وقد اضاف الباحث نسبة 3% زيادة سكانية لعام 2015، ونسبة 3% زيادة سكانية عن عام 2016.

 (4) المصدر السابق : موقع الأونروا

 

 

[1]  محمد المرجان – في التحول الديمقراطي وآفاق التنمية السياسية في المغرب – مجلة إضافات – العدد السادس – بيروت – ربيع 2009 – ص195.

[2] من رسالة الصديق جلبير الأشقر لي بتاريخ 20-10-2009.

[3]  التبعية - كما يعرفها د. إبراهيم العيسوي - هي: ظرف موضوعي تشكل تاريخياً، ينطوي على مجموعة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية تعبر عن شكل معين من أشكال تقسيم العمل على الصعيد الدولي، يتم بمقتضاها توظيف موارد مجتمع معين لخدمة مصالح مجتمع آخر أو مجتمعات أخرى تمثل مركز النظام الرأسمالي العالمي. فالتبعية إذن هي جوهر التخلف، وإن التنمية (نقيض التخلف) هي مشروع حضاري يجسد ويتضمن عملية التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

[4]  البنية هي نسق من التحولات، يتألف من عناصر، يكون من شأن أي تحول في أي عنصر منها أن يؤدي إلى تحولات في باقي العناصر الأخرى. إن ارتباط العنصر بكلية العناصر الأخرى يجعله خاضع للكل الذي يقوم فيه، ويعطي مبدأ الأولوية المطلقة للكل على الأجزاء بحيث لا يمكن فهم أي عنصر من عناصر البنية خارجاً عن الوضع الذي يشغله داخل تلك البنية (المصدر: الموسوعة الفلسفية العربية – معهد الإنماء العربي – ط1 – 1986- ص198).

[5]  التقرير الاجتماعي العربي – إصدار رقم (1) – مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب – القاهرة – 2001 – ص7.

[6]  المصدر: د.عبد الباسط عبد المعطي –  مصدر سبق ذكره – ص 41.

[7] الطبقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي اليوم-نيكوس بلانتزاس-دمشق 1983-ص14/15.

[8] د.عبد الباسط عبد المعطي – الطبقات الاجتماعية ومستقبل مصر – مصدر سبق ذكره – ص43.

[9]  يعد الحراك الاجتماعي واحداً من أهم العمليات الاجتماعية الدالة على مرونة البنية الاجتماعية وحيويتها وقدرتها على التجدد ، فهو مؤشر مجمع لحصيلة تفاعل عوامل ومتغيرات اجتماعية متنوعة وذات صلة بمدى توافر شروط التنمية واستمراريتها، فالحراك الاجتماعي ينتج عن توزيع الموارد المادية ، كالدخل والثروة ، وتوزيع الفرص الاجتماعية خاصة في إشباع الحاجات الأساسية الروحية والمادية والاجتماعية ، وفي مقدمتها فرص التعليم والتشغيل. ويعرف الحراك الاجتماعي بأنه عملية اجتماعية بموجبها ينتقل الأفراد ، والجماعات ، من وضع اجتماعي إلى آخر. والحراك الاجتماعي يكون إما فردياً أو جماعياً ، والواقع أنه لا غنى لأي بنية اجتماعية عن هذين النمطين للحراك الاجتماعي . بيد أن غلبة أحدهما ترتبط بالفلسفة السياسية والتنموية السائدة في المجتمع وبالخصائص الحضارية ببنيته الاجتماعية ، وما يرتبط بذلك كله من فرص للحراك الاجتماعي. (المصدر : التقرير الاجتماعي – ص79).

[10] التقرير الاجتماعي العربي–اصدار رقم(1)– مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب– القاهرة–2001– ص21.

[11] حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن نسبة السكان الحضر منتصف 2016 تبلغ 73.9% ونسبة السكان في الريف 16.6% ونسبة سكان المخيمات 9.5% ، وحيث أن احصاءات وكالة الغوث للاجئين المقيمين داخل المخيمات في الضفة وقطاع غزة حيث تبلغ (838) ألف لاجئ حسب موقع الأونروا – الانترنت ، كما في يناير 2015، وقد أضاف الباحث نسبة 3% زيادة سكانية لعام 2015، ونسبة 3% لعام 2016، وبناء على احصاء الأونروا ، اعتمد الباحث المجموع الاجمالي لسكان المخيمات بدلاً من البيانات الاحصائية للجهاز المركزي (حسب البيان الصحفي لجهاز الاحصاء المركزي الصادر  بمناسبة يوم الإسكان العربي ، بتاريخ 3/10/2016).