Menu
حضارة

ثمن غياب القرار الفلسطيني

د. محمد السعيد إدريس

نقلاً عن الخليج الاماراتية

رغم كل ضجيج الأزمة بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» فإن المحصلة في نهاية الأمر تكاد تكون سلبية بالمطلق ولصالح «إسرائيل» التي تتواجد وحدها داخل مطبخ تصنيع الحلول التي تريدها للتخلص من العبء الفلسطيني وفرض خيار الدولة الواحدة والشعب الواحد، إن لم يكن على كل أرض فلسطين التاريخية، فعلى كل الأرض التي أقيمت عليها المستوطنات في القدس المحتلة والضفة الغربية، إضافة إلى الأراضي المحتلة عام 1948.
يحدث هذا في الوقت الذي ينشغل فيه الطرف الفلسطيني بالصراع بين السلطة و«حماس» وشروط الرئيس الفلسطيني لإتمام المصالحة واستخدامه بإسراف ل «الورقة المالية» يدفع حركة «حماس» للمراوغة في عملية أو أولوية المصالحة، ويشجعها أكثر لإعطاء أولوية للهدنة مع «إسرائيل»، أو على الأقل للتهدئة أملاً في التخلص من عبء السلطة والتفرد بالقطاع بعيداً عن شروط أبو مازن. والمحصلة هي غياب فلسطيني عن الانشغال بصنع قرار المستقبل.
وسط هذا الغياب الفلسطيني بدأت تظهر مجدداً المقترحات «الإسرائيلية» الخاصة بتصورات الحل النهائي، بعد المفاجأة «المصطنعة» التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً بالعودة للحديث مجدداً عن «حل الدولتين» الذي تجاوزه بإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وكاملة للكيان ونقل سفارة بلاده إليها، وبتأييده المطلق ل «قانون القومية» الذي أصدره الكنيست «الإسرائيلي» الذي يفرض فلسطين دولة للشعب اليهودي دون غيره.
فعلى الرغم من تراجعات ترامب عن هذا الطرح الخاص بحل الدولتين مرة ثانية، وتركه أمر الحسم للطرفين «الإسرائيلي» والفلسطيني حول «دولة واحدة» أم دولتين، ورغم توضيحات السفير الأمريكي في «إسرائيل» ديفيد فريدمان ورفضه لخيار «حل الدولتين» وتأكيده لأولوية التزام واشنطن بالأمن «الإسرائيلي» على أية اعتبارات أخرى، جاءت الردود «الإسرائيلية» متشددة ومتطرفة، فقد سارع بنيامين نتنياهو إلى تجديد تفنيد خطورة قيام دولة للفلسطينيين على أجزاء من الضفة وغزة تكون «بؤرة إرهاب» هدفها تدمير «إسرائيل»، وأوضح أنه إن كانت هذه الدولة المقترحة ستكون منزوعة السيادة ومنزوعة السلاح، أي تكون «لا دولة» وأن يكون الأمن فيها «مسؤولية إسرائيلية» مطلقة فإنه يؤيدها.
تلاعب نتنياهو بالمعاني تجاوزه جدعون ساعر، عضو الليكود والوزير السابق بتأكيده أنه «في بلاد«إسرائيل»، لن تكون أبداً دولة فلسطينية، وبعون الرب لن تكون أبداً». لكن المداخلات الأهم هي ما نشرته صحيفة هآرتس واعتبرته جوهر ما أنتجه المفاوضون الأمريكيون الثلاثة الممثلون للرئيس الأمريكي وما طرحوه على الرئيس الفلسطيني محمود عباس في آخر لقاء له معهم. فقد نشرت الصحيفة أن جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترامب ومستشاره في الشرق الأوسط وجيسون غرينبلات، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط وديفيد فريدمان، السفير الأمريكي في «إسرائيل» طرحوا فكرة «الكونفيدرالية الفلسطينية- الأردنية» كجوهر للحل وفقاً لما تهدف إليه خطة ترامب التي تحمل اسم «صفقة القرن».
فكرة الكونفيدرالية كما عرضها المفاوضون الثلاثة تتضمن أن تكون الضفة الغربية تحت الرعاية الأمنية الأردنية، على أن تضم «إسرائيل» القدس والمستوطنات إليها، مع تعمد عدم الإشارة إلى وضعية غور الأردن الذي كان نتنياهو قد أكد أنه سيبقى للأبد تحت السيطرة الأمنية «الإسرائيلية»، فقد تجاهلوا تحديد هل سيكون ضمن الكونفيدرالية المقترحة أم سيبقى تحت الاحتلال «الإسرائيلي»، وفضلاً عن ذلك فقد طرحوا أن يكون قطاع غزة خارج هذه الكونفيدرالية، وأن يعاد أمره إلى الرعاية المصرية على نحو ما كان قبل عام 1967.
وزير الأمن أفيجدور ليبرمان يرى أن تتفرد «إسرائيل» في فرض الحل الذي تريده، لمستقبل الضفة وغزة، وأن تترك للفلسطينيين فرصة العراك المتبادل كي يتسنى لتل أبيب إنجاز مشروعها للسلام كما تريده.
قد يكون هذا الرد جزءاً من الاستحقاقات الفلسطينية التي ستدفع ثمناً للغياب عن النهوض بامتلاك ناصية الفعل والتوحد الوطني وقيادة مشروع قادر على فرض الحل الفلسطيني، هناك ثمن أفدح، وهو افتقاد الثقة الشعبية الفلسطينية في كل المؤسسات والفصائل الوطنية، وإسقاط كل هؤلاء والبحث عن حلول بديلة يرتضيها الشعب تتجاوز صراعات المغيبين عن الكارثة التي ستلحق بالقضية الفلسطينية جراء تفرغهم لصراعاتهم، وربما تكون مخرجات وأفكار الورشة النقاشية التي عقدها «ملتقى فلسطين» عشية انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في أبريل/‏ نيسان الماضي، وضم شخصيات من مختلف المجتمعات الفلسطينية (في 48 والضفة والقطاع بلدان اللجوء والشتات) مؤشراً لحدوث مثل هذا التحول وبداية لبلورة وعي شعبي فلسطيني يتجاوز كل أشكال الصراعات، وكل مؤسسات الفشل لفرض الحل الذي يأمله الفلسطينيون.