Menu
حضارة

«حنية» فجائية على غزة!

محمد الصياد

لن يحتاج المتتبع للشأن العربي، والفلسطيني منه على وجه الخصوص، إلى كثير عناء كي يدرك أن «إسرائيل» تجهد وتلهث من أجل اقتناص اللحظة التاريخية التي يتوفر بموجبها رئيس أمريكي، مستعد للذهاب معها بعيداً في كل ما تطلبه منه، بما في ذلك تلك المطالب التي كانت واقعة حتى وقت قريب ضمن «المناطق الحساسة البالغة العواقب». وهي ترى فرصة ذهبية لإعادة تعريف ما كان يشكل، لعقود، الأساس لما يسمى «الصراع العربي/ الإسرائيلي»، قبل أن يتم تحويره قصداً وعمداً ليصبح «الصراع الفلسطيني /الاسرائيلي». وإذا كانت السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى الآن صعبة التنبؤ، فإن «رؤيته» لفلسطين ول«إسرائيل»، ولمستقبل «إسرائيل» وموقعها الشرق أوسطي، ووظيفتها العالمية، تبدو واضحة ومنهجية وثابتة. وهي جزء من رؤية أكبر تهدف إلى رفع غطاء القانون الدولي عن القضية الفلسطينية، بما في ذلك ما كانت تطلق عليه الولايات المتحدة حتى وقت قريب، ب«عملية السلام» التي ظلت تحتكر رعايتها على مدار السنوات الخمسين ونيف الماضية، حيث استهدفت الاستراتيجية حتى الآن وضع القدس الشرقية كمدينة فلسطينية محتلة، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وبتصفيتها للبنية التحتية المؤسسية لهذا الحق، وهي هنا وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، بما يفضي إلى خلق واقع جديد تحقق فيه «إسرائيل» أهدافها الاستراتيجية، ومنها قصر حقوق الفلسطينيين على مجرد قضايا إنسانية.

بموجب صفقة أوسلو، تحصل السلطة الوطنية الفلسطينية على مساعدات مالية من الولايات المتحدة مقابل اعترافها ب«إسرائيل» والتخلي عن المطالبة بنصف مساحة فلسطين وفقا لقرار التقسيم لعام 1947، وتأجيل البت في القضايا الجوهرية وفي مقدمتها وضع مدينة القدس، وحق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، والتزام السلطة الفلسطينية بالتنسيق المحكم مع «اسرائيل» في مجال الأمن. ومع رفض السلطة الوطنية الفلسطينية وصفة ما يروج لها إعلامياً بصفقة القرن، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق. وهذا ما يفسر هجوم طواحينها الكاسر على الشعب الفلسطيني بصورة بشعة لو أن دولة أخرى أقدمت عليه، لكانت اختلفت نظرة وموقف المجتمع الدولي منها. آخر ما اهتدت إليه الإدارة الأمريكية «لفك عقدة» مقاطعة السلطة الفلسطينية لها، هو الاستثمار في الانقسام بين «فتح» التي تسيطر على السلطة في رام الله، وحماس التي تسيطر على غزة المحاصرة، حيث لجأت لسياسة العصا والجزرة على الجانبين. فبعد أن كانت فتح لسنوات تحصل على العديد من الامتيازات المالية والسياسية من واشنطن، فيما كانت «حماس» تعيش في عزلة تحت حصار دائم وحالة حرب ممتدة، يبدو أن إدارة ترامب، وبرعاية كبير مستشاري الرئيس ترامب وزوج ابنته جاريد كوشنر، تحاول الآن قلب الطاولة بحيث تتم استمالة حماس على حساب فتح من خلال حزمة تسهيلات اقتصادية مغرية وترتيبات أمنية توفر وسادة مريحة للقطاع، تشمل هدنة طويلة نسبيا بين «اسرائيل» وحماس، وفتح جميع المعابر الحدودية، وتوسيع منطقة الصيد البحري المسموح بها قبالة ساحل غزة، وإصلاح البنية التحتية الاقتصادية التي دمرتها «اسرائيل». وقد تجاوبت حماس في البداية مع هذا المسعى الذي شاركت فيه «اسرائيل» التي صار واضحا أنها هي التي تقف وراء هذه «الفكرة الجهنمية» التي تعمل على إخراجها بالتنسيق مع بعض العواصم الإقليمية التي زارها لهذا الغرض جاريد كوشنير وجيسون جرينبلات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط يوم 22 أغسطس 2018، حيث كانت غزة الموضوع الرئيسي على جدول أعمال الزيارة.

المثير للمتابع، أن واشنطن التي لم تترك ورقة لديها إلا واستخدمتها ثأراً من الرئيس الفلسطيني وحكومته في رام الله لرفضهما تهويد القدس، بغية حشرهما في الزاوية، تقوم بالمقابل بمغازلة الطرف الفلسطيني الآخر، المخنوق بدوره منذ 2006، وهو هنا حماس التي فتحت واشنطن و«اسرائيل» معها قناة اتصال عبر القاهرة، يشتمل على حزمة إغراءات كانت قد عرضتها «إسرائيل» في بروكسل على الأوروبيين في 31 يناير 2018 تحت مسمى «خطط المساعدة الإنسانية» لغزة بتكلفة مقترحة تبلغ 1 مليار دولار. وتشمل الخطة، تقطير المياه والكهرباء والبنية التحتية للغاز وتطوير المنطقة الصناعية المشتركة عند معبر إيرز بين غزة و«اسرائيل». حضر ذلك الاجتماع جرينبلات وكوشنير الموكل إليهما مهمة تنفيذ صفقة ترامب الشرق أوسطية. وبعد شهرين من ذلك الاجتماع استضاف كوشنير كبار المسؤولين من 19 دولة لمناقشة الأزمة الإنسانية في غزة.

ويبدو أن واشنطن و«إسرائيل» قد فاضلتا بين الأوراق التي بحوزة الطرفين الفلسطينيين، فتح وحماس، وقررتا أن ورقة التنسيق الأمني مع «إسرائيل» التي يحوزها رئيس السلطة الفلسطينية، لا تقارَن بما لدى حماس من رأسمال سياسي وعسكري، واختارتا حماس، من أجل رد الإهانة لعباس على مقاطعته السياسية لواشنطن، وتهديده بغريمه ومنافسه اللدود حماس. فكان أن حدث ما استهدفته واشنطن، حيث سارعت السلطة في رام الله ممثلة في صائب عريقات المسؤول عن ملف المفاوضات مع «اسرائيل»، الى اتهام حماس بمحاولة «تدمير المشروع الوطني الفلسطيني» من خلال التفاوض على اتفاقية منفصلة مع «إسرائيل». على أن المفارقة هنا هي أن السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح، قد فعلت ذلك منذ أكثر من 25 عاما، ولازالت تفعل ذلك، إلى ما قبل توقف المفاوضات مع الجانب «الإسرائيلي».

ومع ذلك يبقى رهان الإدارة الأمريكية، ومن أوكلت إليهم ملف «الصفقة» على استغلال الانقسام الحاصل بين فتح وحماس، من أجل تحقيق اختراق ما في مشروع الصفقة، ضرباً من الأوهام. فالقضية الفلسطينية ليست قضية «قتل امرء في غابة»، وإنما هي قضية شعب له جذور وامتدادات عميقة داخل الكيان العربي. ولا تخدعنك المعطيات الجاريات، فمآلها في نهاية المطاف إلى زوال، أما الشعوب العربية، وبضمنها الشعب العربي الفلسطيني، فهي باقية مع بقية شعوب الأرض.