Menu
حضارة

(1994 - 2017)

الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (ج2)

غازي الصوراني

2. التركيب الاجتماعي (الطبقـي) :

1-2 البورجوازية الكبيرة:

إنها الطبقة التي تحتل أهم المواقع في البنى الاقتصادية والاجتماعية ، لكونها تمتلك وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وتسيطر عليها، وتنعم بالنفوذ في السلطة السياسية وبالجاه والمكانة في الحياة الاجتماعية، وتمارس الاستغلال والتسلط والقهر في علاقتها بالطبقات أو الشرائح الأدنى منها وخاصة الفقراء والكادحين في الريف والمدن والمخيمات .

 إن أهم ما تتسم به هذه العلاقات كونها قائمة على الاستزلام والخلل في نظام تبادل الخدمات، ولذلك توصف بأنها علاقة تابع –متبوع". وتتكون هذه الطبقة من شرائح عدة شملت كبار الرأسماليين من التجار والصناعيين والرأسمالية العقارية والمصرفية وشرائح صغيرة من ملاك الأراضي، إلى جانب شريحة  الأثرياء الجدد من أعضاء الجهاز البيروقراطي المتنفذ في السلطة  في الوقت الحاضر.

ومن الجدير بالذكر، أن هذه "الطبقة" العليا أو "البورجوازية" الكبيرة في الضفة والقطاع، التي تتوزع إلى عدة شرائح أو عناوين (كومبرادورية / زراعية / عقارية / صناعية / مصرفية ومالية )، لا ينطبق عليها لفظ أو مفهوم البرجوازية الكبيرة كما هو الحال في البلاد الرأسمالية، وهي أيضاً ليست بحجم أن تكون "بورجوازيات متعددة" ، بل جلّ ما هنالك فئات وشرائح من البرجوازية قسمٌ كبير منها له ضلع في اكثر من نشاط ومصدر ارتزاق، كالذين يجمعون حصة في السلطة إلى نشاط تجاري وآخر مالي أو صناعي، الخ، وبالتالي - كما يقول جلبير الأشقر- "لابد من ادراك ضعف تمايز الفئات داخل تلك البرجوازية، وهي على العموم "برجوازية رثّة" وفق المفهوم الذي  صاغه اندريه غوندر فرنك في دراسته لأميركا اللاتينية، و"البرجوازية الرثّة" هي البرجوازية التي لا تجذر لها في مصلحة تنموية بل هي راكضة وراء الربح السهل والسريع وتبيع نفسها، ومعها بلادها، للتسلط الكولونيالي مثلما تكون "البروليتاريا الرثة" مستعدة لبيع نفسها لمن يدفع. والحال ان برجوازية أوسلو في الضفة والقطاع هي على العموم، وعلى اختلاف مشاربها، أرَث برجوازية يمكن تصوّرها".

  آخذين بعين الاعتبار، أن تطور ونشأة الفئات الرأسمالية والبورجوازية في إطار التطورات والتحولات الاجتماعية لواقعنا الفلسطيني، يعطي لهذه الفئات سمات وخصائص تكوينية تميزها نوعياً، من حيث الولادة والنشأة والدور عن مثيلاتها سواء في البلدان العربية أو بلدان العالم الثالث وأوروبا، إذ لعب تزاوج رأس المال الأجنبي (الإسرائيلي) مع رأس المال المحلي أدواراً مهمة في تسهيل عملية توسع ونمو معظم الشرائح العليا المحلية بأنواعها من جهة، وساهم بالطبع في ترسيخ جذور التبعية وما تعنيه من مصالح اقتصادية تعكس وتفسر طبيعة الهبوط السياسي للقيادة المتنفذة  في بلادنا من جهة أخرى.

 وهكذا نتفهم كيف تهيأت الظروف الموضوعية لنشأة الجناح الأخطر من أجنحة الرأسمالية الفلسطينية، المعروف بـ "البورجوازية الكومبرادورية " (بالتحالف الوثيق مع بيروقراطية السلطة)، ومن شدة ما تحمله هذه الطبقة من أدوار خطيرة ( سياسية اقتصادية) في فلسطين والبلدان العربية، تذهب بعض التحليلات إلى حد القول بظهور ما يسمى " بالدولة الكومبرادورية " في النظام العربي الراهن، نتيجة التداخل العضوي الوثيق بين جهاز الدولة، وبين البورجوازية الكومبرادورية، رغم التفاوت بين هذا البلد أو ذاك، ويطلق عليها في بعض هذه البلدان " البورجوازية السمسارية " أو " بورجوازية الصفقات " كما يقول د. محمود عبد الفضيل[1]، أو الكومبرادورية من النوع الرخيص التي يمكن ان نسميها "كومبرادورية بازار" كما يقول د.سمير أميـن .

من ناحية ثانية، فإن الصفة المميزة لجميع شرائح " البورجوازية الكبرى " أو الشرائح الرأسمالية الكبرى - وهو الأكثر دقة – المسماة عموماً بالرأسمالية الطفيلية، هي عدم اشتغالها بالإنتاج المادي بصيغة مباشرة، ونظراً لإرتباط نشاطها و دورة أموالها بمجال التداول وليس الإنتاج ( بالمعنى الرأسمالي المستقل و الواسع) يكون من الادق الحديث عن شرائح للرأسمالية وليست للبورجوازية.

فمع توقيع اتفاق أوسلو وقيام السلطة 1994، تغيرت ملامح البنية الطبقية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، إلى أوضاع نقيضة، أدت إلى تراجع مفهوم وتأثير المجتمع السياسي بثوابته وأهدافه الوطنية التي جسدتها الانتفاضة الأولى 87-92 لحساب شروط اتفاق أوسلو من ناحية، ولحساب مصالح ودور الشرائح الطبقية الجديدة في سلطة الحكم الذاتي من ناحية ثانية، حيث بدأت في الظهور متغيرات في البنية الطبقة الرأسمالية في المجتمع الفلسطيني، ترافقت مع سلوكيات وأفكار سياسية مغايرة أو نقيضة للسلوكيات والأفكار الوطنية التي سادت المجتمع الفلسطيني قبل أوسلو، وقد لعبت مصالح هذه الطبقة الهادفة إلى تكريس الثروات وجني الأرباح بطرق مشروعة وغير مشروعة، بالتحالف مع بيروقراطية السلطة أو رأس المال الإسرائيلي، درواً هاماً في تشكل ملامح هذه الطبقة باتجاه السمة الطفيلية، وهي سمة غير مستغربة بالنسبة للمساحة الأكبر من مكونات الرأسمالية الفلسطينية، ونقصد بذلك الكومبرادور أو السماسرة والوسطاء، الذين يركزون اهتمامهم على الخدمات الفندقية والمطاعم والملاهي والسلع الاستهلاكية وقروض التقسيط والاسكان والعمولات والربح السريع بعيداً عن العمليات الإنتاجية والتنموية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التفرقة المنهجية – كما يقول د. محمود عبد الفضيل بحق– بين ما يمكن تسميته " بورجوازية الأعمال التقليدية[2] " التي تستند مقومات نشأتها ونموها إلى النشاطات التقليدية الخاصة، التجارية والعقارية، المالية، الصناعية، وبين ما يمكن تسميته " بالبورجوازية الجديدة " ذات الطبيعة البيروقراطية التكنوقراطية ( العسكرية أو المدنية ) التي تستند عملية نشأتها وتطورها إلى الامتيازات التي تمنحها السلطة أو الدولة الناشئة، وهذا هو ما يفسر حديثنا أو تحليلنا من أن السلطة الفلسطينية بصورتها الراهنة،-كما هي حال انظمة البلدان العربية والعالم الثالث عموما- هي جسر للثروة، لمجموعات غير قليلة من الشرائح العليا المتنفذة من الأجهزة البيروقراطية العسكرية و المدنية .

 ولذلك يصح أن يقال عن النظام السياسي الفلسطيني في ظل تفككه وانقسامه الراهن، (عبر حكومتي فتح وحماس) بأنه "نظام" السلطة أو "دولة" السلطة أو الأجهزة (سلطة أو حكومة شكلية لحساب الحركة السياسية المهيمنة واجزتها الأمنية والمدنية العليا والوسيطة والقاعدية) و ليست سلطة ذات سيادة، أو حكومة كما هي الأعراف الدستورية الديمقراطية، خاصة بعد أن أدى الانقسام (حزيران 2007) إلى تدمير التجربة الديمقراطية، وفشل كل الأطراف (حتى ربيع 2017) عن التوصل إلى صيغة توحيد جامعة جديدة، حيث يبدو تمترس كل قطب منها حول رؤيته وحساباته في السلطة طاغياً، بحيث أدى هذا التمترس إلى إغلاق الطريق في وجه الرؤية الوطنية الشاملة الملتزمة بقواعد الديمقراطية والتعددية.

وفي مثل هذه الأحوال، تستشري بالطبع كل أطماع " أصحاب السلطة "، عبر تحالفهم – العلني والمستتر – مع كل الشرائح الرأسمالية العليا الأخرى من مالية وعقارية وزراعية ومصرفية وتجارية وكبار الملاك… الخ، تحت مظلة البرنامج السياسي لحكومة رام الله أو حكومة غزة، ومن خلال استمرار الحوار والصراع السياسي بينهما دون أي نتيجة طالما ظل التناقض السياسي بينهما قائماً، عبر تمترس قيادة م.ت.ف وفتح على مطالبها في الالتزام بالاتفاقات المعقودة مع دولة العدو الإسرائيلي ورفضها القبول بنصوص وثيقة الوفاق الوطني كمخرج لهذا التناقض من ناحية أو بسبب عدم التوصل إلى تسوية سياسية (وفق الشروط الإسرائيلية الأمريكية بالطبع ) من ناحية ثانية.

 وفي هذا الجانب نشير إلى أن الانقسام الفلسطيني شكل ذريعة أو فرصة مواتية أدت إلى تمكين العدو الإسرائيلي من تنفيذ مخططاته في الضفة الغربية، الأمر الذي جعل الحديث عن الدولة المستقلة نوعاً من الوهم، ليس بسبب الموقف الإسرائيلي الرافض لأية "تسوية ايجابية" أو "عادلة" أو "جادة" مع الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً بسبب عوامل وتراكمات الضعف والتراجع السياسي والبنيوي في حركة فتح وأجهزة السلطة التي باتت خاضعة إلى حد كبير للسياسات الأمريكية – الإسرائيلية، وبالتالي فإن هذه الأوضاع أو العوامل الداخلية والخارجية المحكومة بمنهجية أو منطق الهبوط والتراجع السياسي، لا توفر المناخ الملائم لحركة حماس لكي تتقدم بالمزيد من التنازلات السياسية، حيث أنها – كما يبدو- تعتبر أن قبولها بإقامة دولة  مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967 (كحل مرحلي) هو تنازل جوهري لم تحصل في مقابله – من الولايات المتحدة وإسرائيل خصوصاً- على أي رد فعل أو موقف "إيجابي" يضمن الاعتراف بها كقوة سياسية مشروعة في النظام السياسي للسلطة الفلسطينية، وهذا ما يفسر عدم استجابة حماس للأفكار المصرية والعربية والدولية المطروحة في إطار الحوار الفلسطيني، حيث تعاملت مع كل هذه الأفكار بأسلوب جمع بين الرفض والقبول بحذر إيجابي يأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على استمرار تماسكها التنظيمي والسياسي من ناحية ويسعى إلى تحقيق مزيد من الخطوات المؤدية إلى توسيع علاقاتها الدولية والعربية الرسمية  من ناحية ثانية، تضمن تحقيق مكاسب سياسية لحركة حماس، كمبرر لها في تقديم المزيد من التنازلات أو المخارج التوفيقية التي يبدو انها تمثل الخيار الوحيد أمامها طالما بقيت حريصة على الاستمرار في السلطة أو الحكم في غزة أو غيرها، وإلا فليس أمامها في حال استمرار رفضها سوى أن تترك السلطة وتذهب إلى صفوف المعارضة من جديد.

بالطبع تظل الإشكالية الكبرى بالنسبة لقبول حماس للمحددات السياسية لنظام سلطة الحكم الذاتي و م.ت.ف معاً قائمة ما لم يتم التوصل إلى آليات واضحة ومحددة – ضمن صيغ محاصصة سياسية تستجيب للحد الأدنى على الأقل لشروط المقرر الخارجي من ناحية، وتضمن إعادة بناء م.ت.ف والنظام السياسي أو الحكومة وقضايا الأمن والانتخابات .... إلخ من ناحية ثانية، بما يتيح استمرارية الدور المميز لحركة حماس إذا ما قررت تقديم التنازلات المطلوبة، وصولاً إلى نوع من التقاطع الواسع بينهما، بما يعزز من إمكانية تقريب المسافات بين حماس و م.ت.ف وفتح والسلطة لحساب برنامج الأخيرة وسياساتها واتفاقاتها، وعندئذ  فقط يمكن الحديث عن إمكانية "نجاح" الحوار بين الفريقين ومن ثم تجاوز حالة الانقسام على قاعدة التوافق بينهما على مساحة معينة من الصيغ والشروط السياسية (الإسرائيلية والأمريكية والعربية الرسمية)، دون أن يعني ذلك انسجاماً أو توافقاً كلياً بينهما، حيث ستبقى العلاقة بين فتح وحماس محكومة بعوامل التربص والتوتر والصراع انطلاقاً من أن حركة حماس تحمل مشروعاً سياسياً بهوية إسلامية ليس من السهل أن تصبح جزءاً من النظام السياسي للسلطة رغم اعترافه بها، ورغم مشاركتها في الانتخابات ومن ثم وصولها للسلطة عبر آليات هذا النظام، ذلك أن حركة حماس تظل محكومة برؤيتها الإستراتيجية التي تتطلع إلى تحقيق مشهد الإسلام السياسي ليس في فلسطين وحسب بل في البلدان العربية الأخرى ضمن إستراتيجية الحركة الأم أو الإخوان المسلمين، وهي إستراتيجية مرهونة في تحققها بطبيعة الدور السياسي للإخوان المسلمين تجاه تطوير العلاقة الايجابية مع الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي باسم الاعتدال السياسي أو غير ذلك من المفاهيم والأسس التي تضمن المصالح المشتركة، على أرضية النظام الاقتصادي الرأسمالي والسوق الحر من ناحية وخصوصية كل منهما من ناحية ثانية.

وفي هذا الجانب، نشير إلى أن الرأسمالية بكل شرائحها هي محل منافسة بين حكومتي رام الله وحماس، حيث تسعى كل منهما إلى استشارة المتنفذين فيها من كبار الرأسماليين في الضفة والقطاع، وارضائهم عبر تأكيد حرص كل من الحكومتين على مصالحهما، وهو أمر غير مستغرب انطلاقاً من التزام الحكومتين بقواعد وأسس النظام الرأسمالي والسوق الحر، رغم اختلاف الدوافع السياسية، وعند هذه النقطة يمكن تفسير صراعهما على السلطة والمصالح دون إيلاء الاهمية المطلوب في معالجة الظواهر الاجتماعية الداخلية المتفاقمة، التي تتجسد في اتساع الفجوة –بصورة غير مسبوقة- بين 5% من الشرائح الاجتماعية الرأسمالية العليا، وبين 95% من الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة في بلادنا، بسبب الحصار والانقسام، بل واستمرار ذلك الصراع بينهما عبر تغذية داخلية وخارجية، حيث  نلاحظ تغير شكل وترتيب أنساق القيم المجتمعية، بحيث باتت قيم الثروة والثراء والأنانية والانتهازية وثقافة الاستهلاك تحتل قمة هرم القيم، في حين تأتي قيم الحق والخير والتكافل والدافعية الوطنية في أسفل سلم القيم، وهي أوضاع تكرست بسبب عوامل متعددة من اهمها التراجع الحاد لدور قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية عموماً واليسارية خصوصاً .

إننا إذن، أمام حركة متسارعة من تراكم رأس المال الطفيلي القائم على الربح السريع والعمولات والصفقات –الداخلية والخارجية- البعيدة - إلى حد كبير- عن إطار التطور الاقتصادي الطبيعي بعدا شاسعا .

إن ما نود أن نؤكده في هذه الدراسة، أن التشابك والتداخل العضوي في المصالح بين كافة الشرائح العليا، الكومبرادورية التجارية والصناعية والزراعية والعقارية والمصرفية… الخ، هو تداخل في المصالح الاجتماعية الاقتصادية والسياسية في الضفة وقطاع غزة ذات المنطلق والمصالح الجوهرية المشتركة ،التي يمكن ان تسهم بدورها في تقريب المسافات بين القطبين المتصارعين، سواء عبر اصحاب رؤوس الأموال وطموحاتهم السياسية الجديدة أو عبر ما يسمى بالمستقلين الجدد من أبناء الشرائح "البرجوازية" العليا بكل أنواعها، الطامحين إلى دور سياسي توفيقي أو "معتدل" بصورة انتهازية في ظروف وفرت لهم هذه الإمكانية رغم ان أي منهم لا يملك أي تجربة أو لحظة تاريخية في صفوف الحركة الوطنية، مع ملاحظة الدور الذي يحاول أن يلعبه عدد غير قليل ممن تخلوا عن أحزابهم - اليسارية خصوصاً- لحساب البرنامج السياسي الهابط للسلطة في مقابل تأمين مصالحهم الانتهازية الخاصة.

إذن نحن في مواجهة خارطة سياسية جديدة، محكومة في مساحة كبيرة منها، بالمصالح الفئوية، إلى جانب الصراع والمنافسة غير المبدئية بين القطبين، وهي كلها عوامل ستسهم في المدى المنظور في زيادة الفجوة على الصعيد الاجتماعي بين المصالح الطبقية للشرائح العليا – في الحكومتين- ، وبين الشرائح الشعبية الفقيرة من العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة، كما أن تكريس الانقسام وفشل الحوار في التوصل إلى الحد الأدنى من الوفاق الوطني، مع بقاء الحصار ومظاهر الدمار والخراب الناجمة عن العدوان الصهيوني في يناير 2009 و2014، إلى جانب تفتيت الضفة الغربية عبر الجدار والمستوطنات والحواجز والاعتقالات، واستمرار التفاوض العبثي ومضامينه السياسية الهابطة، كل ذلك أدى إلى تراجع القاعدة الجماهيرية لكل من حركتي فتح وحماس بنسب متفاوتة، بحيث لم تعد هذه القاعدة  قائمة على أساس الاقتناع والالتزام الفعلي والموضوعي بالشعارات أو البرامج المطروحة من الفريقين (رغم التباين بينهما) بسبب مظاهر القلق والإحباط واليأس التي تزايدت تراكماتها منذ ما بعد الإنقسام، حيث أن هذه القاعدة الجماهيرية باتت –في الظروف الراهنة- محكومة إلى حد كبير للاحتياجات والمتطلبات الحياتية وسبل العيش المرتبطة بكلا الحكومتين في رام الله وغزة، ما يعني تراجع الولاء للوطن والنضال الوطني التحرري، ومن ثم تراجع الأفكار والأهداف الوطنية التوحيدية في الذهنية الشعبية في أوساط فقراء شعبنا لحساب لقمة العيش، في حين تراجعت هذه الأفكار والأهداف الوطنية  في أوساط الطبقات "البرجوازية" والشرائح البيروقراطية العليا لحساب الهبوط بتلك الأهداف وفق متطلبات وشروط التحالف الإمبريالي الصهيوني والنظام العربي بما يضمن مصالحهم الطبقية الأنانية، على حساب مصالح فقراء شعبهم، عبر المزيد من مظاهر الجشع والاستغلال والاحتكارات البشعة .

 وفي هذا السياق  فإن من المعروف أن حكومة رام الله تمثل رب عمل لما يقرب من 160 ألف موظف/أسرة في الضفة والقطاع والخارج ، في حين أن حركة حماس وحكومتها تمثل رب عمل لما يقرب من 40 ألف موظف/أسرة في قطاع غزة[3]، إلى جانب تقديم الدعم والإغاثة إلى أسر الشهداء والأسر الفقيرة، ورغم ذلك فقد أدت العوامل المشار إليها إلى مزيد من إفقار القطاعات الشعبية للأسر الفلسطينية، التي لا تتقاضى أية رواتب من الحكومتين، علاوة على نسبة البطالة المتزايدة خاصة في قطاع غزة، علماً بأن مجموع الأسر الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية 835,772 أسرة، منها 533,392 أسرة في الضفة الغربية و302,380 أسرة في قطاع غزة ، حيث أن هناك حوالي (200) ألف أسرة تحصل على رواتب من حكومتي رام الله وغزة، يعني أن (635,772) أسرة لا يتقاضون أية أجور أو رواتب من الحكومتين (ما يعادل حوالي 3.5 مليون نسمة) ، أكثر من 80% منهم ، يعانون من الفقر والفقر المدقع والغلاء في ظل استمرار الدمار الاقتصادي والتراجع الحاد للقطاعات والأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، دون أي إمكانية لإعادة الاعمار أو التشغيل بسبب استمرار الحصار الذي فاقم من المعاناة، وبالتالي زاد في مساحة الفجوة بين الجمهور،  وكل من الحكومتين، التي يبدو أن حرص كل منهما على حماية وتثبيت سلطتها أكبر بما لا يقاس من حرصها على إيجاد الحلول لمعاناة هذه الجماهير، واكتفت كل منهما بإعداد خطة اقتصادية للاعمار وإعادة البناء، تنتظر فك الحصار وتقديم الدعم الخارجي وهذا بدوره مرهون بعوامل كثيرة، خارجية وداخلية، من أهمها استعادة وحدة الصف الفلسطيني عبر إنهاء هذا الانقسام الكارثي انطلاقاً من الالتزام بجوهر الوحدة الوطنية المستند إلى الحق في مقاومة الاحتلال ورفض كافة مشاريع الاستسلام المطروحة، إلى جانب استناده إلى وحدة المؤسسات السياسية والتمثيلية الجامعة في النظام السياسي الفلسطيني وفق قواعد الديمقراطية والتعددية السياسية.

إننا ندرك رغم كل تعقيدات الظروف الراهنة، أن هذا الوضع، هو وضع مؤقت، رغم كل ما يبدو عليه من مظاهر القوة والاستبداد والتفرد، وذلك لقناعتنا بأن حكومتي رام الله وغزة، عبر ممارستهما، تبتعدا بصورة تدرجية وعميقة عن الجماهير، التي باتت تشعر بانفصامها وعزلتها عنهما، ولكن هذه الحالة المؤقتة، لن تصل إلى نهايتها دون تفعيل، وتوسيع، وتعميق دور القوى اليسارية بالمعنى الذاتي ليتوافق ويتفاعل ويستجيب للشروط الموضوعية التي باتت "تستجدي" قوى وأحزاب اليسار أن تتحرك للتفاعل معها، وفي هذا السياق أيضاً، فإن قطاعات هامة من الشرائح الاجتماعية الفقيرة باتت تنتظر وتترقب بشوق قوى اليسار لتقوم بدورها ألاستنهاضي على طريق التغيير الديمقراطي المطلوب.

المسألة الأخيرة في هذا العنوان، تتعلق بما يسمى بالحراك الاجتماعي الشاذ أو بالمتغيرات والتطورات الاجتماعية المتسارعة في مجتمعنا راهنا، ودورها في توفير "الفرص" لشرائح بيروقراطية عليا، في الإثراء السريع، وهي متغيرات ذات سمات خاصة تشكلت ونمت في ظروف التخلف الاجتماعي وما يرافقه من ضعف تطور السوق الداخلية والعلاقات السلعية والنقدية، التي ظلت مرهونة –بهذه الدرجة أو تلك- للنفوذ السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي بدور رموز الكومبرادور والعائلات التقليدية من كبار الملاك والعشائر وتحالفها مع السلطة البيروقراطية الحاكمة، سواء خلال الحقبة الماضية من الاحتلال، أو في مرحلة السلطة، مما خلق هذه الطبيعة المشوهة للاقتصاد من جهة، وللعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، والأهم من ذلك، أن هذه الحالة، خاصة في قطاع غزة، بعد الانقسام، أنتجت صوراً مشوهة أيضا "للبورجوازي" في بلادنا، بحيث يصعب رسم الحدود بينه وبين بقية الفئات الاجتماعية ذات الدخل العالي الناتج عن التهريب عبر أنفاق رفح أو الاحتكار والسوق السوداء أو أي شكل من أشكال الدخل الطفيلي أو الثراء السريع، فكل هؤلاء يصبحون مكونات لصورة أو لوحة واحدة في إطار محدد خاصة مع توفر إمكانية "قبولهم" في المجتمع بحكم عوامل المصلحة والتخلف التي تبرر هذا الثراء غير المشروع باسم "النجاح والشطارة" أو في "مواجهة الحصار" وهو في كل الأحوال تبرير ظاهري لا يعبر عن حقيقة وعي الجماهير برموز ذلك الثراء ومصادره وأدواته، لان مواجهة الحصار والعمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية للمواطنين، يتناقض مع هذا الانفتاح غير المنضبط في التهريب عبر الأنفاق من ناحية ويتناقض بصورة صارمة مع أشكال الاستغلال التي يمارسها تجار السوق السوداء من ناحية ثانية.

وبالتالي فإن هذا "البورجوازي" الجديد أو الطارئ (الطفيلي والمشوه) يتوافق بسرعة مع الطبيعة الرجعية للبورجوازية التابعة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو التقدم، ومن هنا تفسير موقفها التحالفي الموحد للنظام الاستبدادي الفردي في كلا الحكومتين، الآن أو أي نظام أو مجموعة قيادية أخرى قد تفرض على شعبنا في مرحلة قادمة، كإطار ينسجم مع تشوه وتبعية علاقاتهم الطبقية وتخلفها، بمثل ما يحمي ويعبر عن مصالحهم .

في كل الأحوال، فإن استمرار البحث والمتابعة لمكونات واقعنا الاجتماعي، مسألة في غاية الأهمية ارتباطا بدواعي التغيير المستقبلي المنشود، ذلك إننا وإن كنا نلتزم في تحليلنا بالماركسية ومنهجيتها، ونتفق معها، في تحليلها لمؤشرات الانتماء الطبقي، إلا أننا –وبمنهج الماركسية أيضا- يجب أن نتعاطى مع واقعنا، برؤية وتحليل موضوعي يعكس تفاصيل هذا الواقع وإلا وقعنا في خطأ التطبيق الآلي أو نقل التجربة بصورة ميكانيكية ضارة ومعوقه.

2-2 الشرائح الاجتماعية المتوسطة أو طبقة البرجوازية الصغيرة :

اولا: حول مصطلح ومفهوم الطبقة البرجوازية الصغيرة:

بداية نشير إلى أن استخدامنا لمصطلح "طبقة" سواء في الحديث عن العمال أو البرجوازية بأنواعها، هو استخدام مجازي، حيث لا وجود لطبقات محددة بالمعنى الوجودي الذاتي في بلادنا، الذي يعبر عن مصالح ورؤى ومواقف أيديولوجية محددة، بحيث ينطبق عليها تعبير ماركس بأنها طبقة في ذاتها لا طبقة لذاتها، فطالما تعيش آلاف  العائلات عند خط الفقر أو دونه في ظروف اقتصادية واجتماعية تسودها كل أشكال المعاناة والحرمان، وطالما بقي التخلف أو النمط القديم مسيطرا، ولا تتوفر لهم الأطر السياسية والنقابية، المعبرة عن حقوقهم، كما تتوفر مقومات التجانس الفكري والسياسي أو الوعي المشترك بالظلم الواقع عليهم، فهم لا يشكلون طبقة بأي حال من الأحوال، فالطبقات الاجتماعية هي مجموعات من العاملين الاجتماعيين الذين يحددهم بشكل رئيسي كانعكاس وعيهم وشعورهم المشترك بمصالحهم الطبقية المشتركة، لدورهم وموقعهم في مسار الإنتاج، أي في الميدان الاقتصادي بصورة أساسية .

والواقع أنه يجب أن لا نستنتج من الدور الرئيسي للموقع الاقتصادي أن هذا الموقع يكفي لتحديد الطبقات الاجتماعية، صحيح أن للعامل الاقتصادي، الدور الحاسم في نمط معين من الإنتاج وفي التشكل الاجتماعي، ولكن العامل السياسي والوعي بالمعاناة المشتركة، كشعور جماعي، إلى جانب عوامل ثقافية واجتماعية أخرى في إطار البنية الفوقية لها دور بالغ الأهمية، إذ أن الطبقات الاجتماعية تنطوي على ممارسات طبقية أو صراع طبقي، ولا تتبدى إلا في هذا الصراع والتناقض، وهو مضمون ما زال خافتا في مجتمعنا بحكم عوامل التناقض الرئيسي مع العدو، وعوامل التخلف الاجتماعي والاقتصادي، في سياق استمرار علاقة التبعية والحصار، علاوة على الصراع والانقسام الداخلي، وهي كلها عوامل ساهمت في عدم إنضاج الظرف الذاتي للتبلور الطبقي في بلادنا، وفي هذا السياق يمكننا الاجتهاد في تحديد مكونات البنية الطبقية للمجتمع الفلسطيني في المدينة أو الحضر كما يلي :

 (أ) الرأسمالية المحلية في القطاع الخاص بكل تفريعاته وأنشطته الاقتصادية .

(ب) البيروقراطية المبرجزة تقوم باستغلال علاقاتها وتحالفاتها مع المواقع الطبقية الأخرى من رأسمالية المدن أو أثرياء الريف ( في الصناعة والزراعة والتجارة والمقاولات ... الخ ).

 (ج) المواقع الوسطى أو البورجوازية الصغيرة في المدينة والريف في القطاعين العام والخاص والحرف والورش والمحلات الصغيرة .

 (د) العمال الاجراء، والعاطلين عن العمل.

وفي تناولنا لطبقة "البرجوازية الصغيرة" نقول –في السياق النظري العام- إنها طبقة محددة ولها تاريخها القديم (كمهنيين وحرفيين منتجين للسلع)، وهو تاريخ أعرق من تاريخ القوتين الرئيسيتين للمجتمع الرأسمالي (الرأسمالية والبروليتاريا) ، ولكن تطورها الحديث –في القرن السادس عشر- عبر التراكم الواسع في نظام الإنتاج السلعي الصغير والحر، وفَّر إمكانية انتقال المجموعات المنتجة فيها، إلى الطور أو المرحلة الرأسمالية التي تخطت بصورة هائلة كل إمكانات البرجوازية الصغيرة وإنتاجها المحلي الصغير، أما على صعيد دورها السياسي، فمنذ الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، شكلت البورجوازية الصغيرة المصدر الرئيسي لعملية تأسيس الأحزاب السياسية بمختلف منطلقاتها الفكرية، من اليمين المعتدل إلى اليمين المتطرف أو النازية وأحزاب الوسط، إلى الأحزاب اليسارية والراديكالية بكل أنواعها.

إن إحدى أهم الميزات الاجتماعية للمدينة في البلدان النامية على سبيل المثال تكمن في الوزن النوعي الهائل لفئات البرجوازية الصغيرة في المدن (ولمختلف شرائح أشباه البروليتاريا الملتصقة بها). وان التشتت المكاني –هو أهم عامل في الحياة الاقتصادية والسياسية للبرجوازية الصغيرة. ولذا يجب ألا ينظر المرء إلى البرجوازية الصغيرة كشيء ما ثابت ولا يتغير، إذ يكون في هذه الحالة قد غامر بعدم معرفتها في الحياة الواقعية.

"إن مشكلة التشغيل والخوف من البطالة، ومن الإبحار المجهول في المحيط الرأسمالي أرغمت "هذا الإنسان الصغير" على التشبث بأية قشة والإقدام على أي شيء والإيمان بأي شيء كان من اجل أن يبقى على حاله السابق ليس إلا، إن الفئات البرجوازية الصغيرة والمنفصلة عن طبقتها المنتقلة (نحو البروليتاريا) تقع في حالة بائسة لا توصف. ومن المعلوم جيداً بان حالة هذه الفئات (مختلف مجموعات أشباه –البروليتاريا)، أسوا من حالة البروليتاريا من كل النواحي تقريبا، وهذا الفرق كبير بشكل خاص في البلدان النامية"[4].

"إن التشتت الاقتصادي والمزاحمة المتشابكة وغير المنتظمة، تسببان كذلك في ظهور الكثير من الآراء والتيارات والتنظيمات البرجوازية الصغيرة المتضاربة، والطبقة بأكملها لا تتمكن بأي حال من التكاتف لوحدها، إذ يجري فيها باستمرار مخاض، وتحرك غير منظم لفصائله المنفردة وتنوعها وتناقضها (وطنية، قومية، يسارية، دينية مستنيرة، دينية أصولية...الخ). حيث تتميز الشروط الاقتصادية لوجود البرجوازي الصغير بمنتهى عدم الاستقرار والتقلب، ولذلك يتنامى أيضا في الحياة السياسية لهذه الطبقة عدم الاستقرار وعدم القدرة على النضال الجماهيري المنتظم الدائب والراسخ والمتكاتف، هذه الأسباب الموضوعية، تولد في المحيط البرجوازي الصغير حتماً –تتابع الجزر والمد- تارة مزاج اللامبالاة وانهيار القوى وتارة تدفقاً هائلاً للعزائم واستعداداً لشتى الأعمال، وتُولِّد أيضاً روحية ما فوق الثورية (أو العدمية) والجنوح إلى القفز متجاوزة حدود طاقاتها، وبشكل عام فوق الواقع"[5].

ويكاد يستحيل فصل أو عزل أيديولوجية البرجوازية الصغيرة عن الدين أو التدين، فالبرجوازي الصغير في كل بلد هو إما مسلم أو بوذي أو هندوسي أو مسيحي، وهو إضافة لذلك، العمود الفقري الأساسي للهرطقات والأشياع الدينية التي لا تحصى، وكل هذه الفوضى الدينية ظاهرياً تتفق تماماً مع جوهر البرجوازية الصغيرة الموحد والمتشتت في أوجه متعددة.

"أما بالنسبة لفئة المثقفين التي هي عموماً برجوازية صغيرة حسب مكانتها، فهي تتميز بانقسامها، ومشاركتها في حركات سياسية من مختلف الأطياف والألوان، وكثيراً ما ينتقل ممثلوها من معسكر إلى آخر، وهذه الفئة تتمتع في هذه البلدان باستقلال اكبر بكثير مما تتمتع به في البلدان المتطورة رأسمالياً، وهي تؤلف في الواقع النواة القيادية لكل الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية المماثلة (من اليمين والوسط واليسار...الخ)"[6].

لذلك فإن قضية البرجوازية الصغيرة، هي قضية تتناسب أو ترتبط بالملكية الصغيرة، فالبرجوازي الصغير، صاحب ملكية (حرفة أو ورشة أو منشاة مزرعة صغيرة) لكنه يعمل بنفسه، وهو موجود في بلادنا بشكل رئيسي في مجال الخدمات والتجارة والزراعة، وبالتالي فهو مالك وشغيل، رب عمل، وعامل، مهني صغير، موظف، أو ضابط، أو طبيب أو محامي أو مهندس، طالب جامعي أو مثقف… الخ، ولذلك فإن التردد، أو الموقف التوفيقي والحلول الوسط والتقلب وعدم الاستقرار، والتذبذب، والانتهازية والتطرف أو الاندفاع السريع، والهبوط أو التراجع السريع أيضا، والتسويات والمواقف اللامبدئية، من اهم مواصفات البرجوازي الصغير، حسب الظرف الزماني وحسب المكان والعلاقات المحيطة به، فهو مسلم متعصب في ظروف معينة، وهو يساري متطرف في ظرف آخر، أو هو توفيقي وسطي انتهازي أو سريع الاستسلام والهروب من الواقع، في ظروف الانقسام الراهن، حيث أن عدداً كبيراً من هؤلاء لم يتحمل قسوة أو مرارة هذه الظروف وانسداد الآفاق السياسية وتفاقم الأوضاع الاجتماعية مما جعلهم يشعرون بحالة من الإغتراب، ظهرت بصورة واضحة في السنوات الخمس الأخيرة –قبل وبعد الانقسام- وتعززت في أوساطهم قيم اللامبالاة واليأس أو النفاق وتمجيد المصالح الشخصية والبحث عن أي مصدر للكسب السريع، مما دفع بالعديد منهم إلى ترك أحزابهم والذهاب إلى تحقيق المصالح الخاصة عبر العلاقة مع سلطة رام الله، أو حكومة غزة أو عبر منظمات NGO'S أو مغادرة بعضهم إلى الهجرة للخارج هروباً من الواقع الذي لم يعد قادراً على احتماله! والأمر لا يتوقف –على هذه الشاكلة- عند غير المنتمين لأحزاب ديمقراطية أو يسارية فحسب، بل إننا يمكن أن نلاحظ هذه الظاهرة المتناقضة داخل أحزاب أو فصائل يسارية لها تاريخ نضالي، حينما تتراجع الهوية الفكرية لهذه الفصائل، أو لا تتوافر الأسس التنظيمية والفكرية والسياسية المُوَحِّدة للعلاقات الداخلية والتجانس والتوافق الموضوعي في العلاقات الداخلية بين اعضائها، إذ أن غياب هذا التوحد التنظيمي والسياسي والفكري الداخلي يوفر كل الفرص لتوليد روح الشللية والمغامرة والتكتل وما تشكله هذه المظاهر من مخاطر جدية على حياة ومستقبل الحزب، باعتبارها مظاهر أو تجليات لروحية وممارسات البرجوازية الصغيرة في أبشع صورها، لأنها تفسد الوعي والانتماء الطبقي للكادحين والفقراء والجماهير الشعبية، وتجعل الحزب غير قادر على اتخاذ موقف متماسك في مواجهة التناقضات والصراعات الداخلية والخارجية، نقول ذلك، لأن التغلب على هذه المظاهر الضارة –للممارسات البرجوازية الصغيرة لا يقل أهمية- وضرورة عن مواجهة الخلل والفساد الداخلي[7] الذي نتحدث عن مواجهته في مجتمعنا .

فقد تعرضت هذه الطبقة لمتغيرات طرأت على نموها الكمي والنوعي خلال هذه المرحلة حيث وَجَد العديد من ابنائها فرصته- بطرق مشروعة وغير مشروعة – في الوظيفة الحكومية التي شكلت مدخلاً لدى العديد من هؤلاء لتحقيق مصالحه الخاصة بوسائل انتهازية عبر تحولهم إلى أداة طيعة ورخيصة في يد البيروقراطية الحاكمة وأجهزتها في السلطة، على حساب انتماءهم السياسي أو التنظيمي.

أما الحرفيون من أصحاب الورش وصغار التجار، فقد استفادوا من الوضع الاقتصادي السائد، خاصة خلال السنوات الأولى للسلطة، ولوحظ زيادة دخول بعضهم وارتفاع اجورهم، ولكن مع تفاقم الأوضاع السياسية، وتزايد حالات الحصار والاغلاق الإسرائيلي منذ عام2001 وما تلاه من أزمات داخلية، عبر الفلتان الامني والاقتصادي، وصولاً إلى الصراع الدموي والانقسام في حزيران2007، تعرض العديد من هؤلاء إلى الافقار والافلاس والانهيار خاصة في قطاع غزة، طوال سنوات الحصار والانقسام، واصبح البعض منهم على حافة الانحدار إلى صفوف الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل.

إن قضية البرجوازية الصغيرة إذن، هي قضية الحرفيين، وصغار المنتجين وصغار الموظفين والفلاحين والمهنيين بمختلف أنواعهم، والطلاب الجامعيين، والمثقفين عموما، وكل هذا الكم الواسع من الناس يشكلون هذه الطبقة، أكثر الطبقات عددا وأوسعها نفوذا وأثرا، فمنها –على الأغلب الأعم - تتشكل بنية جميع الأحزاب في بلادنا، اليمينية الدينية السلفية الرجعية، والمستنيرة، والأحزاب الوطنية الوسطية المهادنة للسلطة أو النظام، والأحزاب الوطنية/القومية الديمقراطية، والأحزاب والحركات اليسارية، وليس معنى ذلك أن هذا الوجود والانتشار الواسع لهذا الحزب اليميني الديني أو الوسطي السلطوي يعود إلى وعي البورجوازية الصغيرة وقرارها الالتحاق بهذا التيار الديني أو ذاك، المسألة ليست كذلك، إذ أن الظروف الموضوعية، ظروف الهزيمة والأزمات المتلاحقة الوطنية والداخلية الاجتماعية بكل مظاهرها الرجعية والدينية الغيبية، والتراجع الملحوظ في بنية ودور فصائل واحزاب اليسار، في ظروف أو مناخات تزايدت فيها مساحات القلق أو الافق المسدود أو اليأس، إلى جانب الهيمنة والسيطرة غير المسبوقتين للتحالف الصهيوني الإمبريالي، وتعمق تبعية سلطة الحكم الذاتي والنظام العربي عموماً وارتهانه للمصالح الإمبريالية إلى درجة الاحتواء، كل هذه العوامل كانت المقدمات والأسباب التي انتجت وعمقت عوامل الاحباط واليأس التي تعيشها أمتنا اليوم عموماً وشعبنا الفلسطيني خصوصاً.

ففي هذا المناخ توفرت كل مقومات وعوامل وأدوات "بناء" الأحزاب والحركات اليمينية الدينية الأصولية، التي نجحت في استخدام التجربة الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ومن ثم تفاقم الصراع مع قوى اليمين السياسي، الذي أدى إلى الانقسام بحيث يبدو أن الديمقراطية بدلاً من ان تكون مهداً للوحدة الوطنية والتحرر والتقدم باتت لحداً لكل هذه الأهداف بعد ان بات الصراع على السلطة هو الهدف الرئيسي.

إننا إذ نعي هذه الحقائق، ندرك صعوبة وتعقيدات الواقع الراهن، وحجم العبء  الثقيل الملقى على عاتق القوى الوطنية الديمقراطية عموماً وقوى اليسار خصوصاً، لكننا ندرك –وبعمق أكثر- أن تفعيل وجود هذه القوى هو الشرط الاول في عملية تغيير هذا الواقع، إذ أن هذا الوجود هو وجود تغييري لهذا الواقع، وجود يجسد التعبير الحقيقي عن المستقبل الذي تتطلع اليه الجماهير الشعبية، وهذا يعني إعادة بناء قوى اليسار من قلب هذه الجماهير الفقيرة بعيدا عن برامج وسياسات البرجوازية الصغيرة، التي تتأرجح دوما بين موقفين متناقضين، بين التقدم والتراجع، وبين التغيير الديمقراطي والجمود، بين الثورة والاستسلام، وبالتالي فإن موقفها تحسمه دائما الظروف التي تحدد تلك المواقف سلبا أو إيجابا، وذلك يعتمد - إلى حد كبير- على الدور الراهن والمستقبلي لقوى اليسار الفلسطيني، ودورها المنتظر أو المأمول في التغيير التدرجي لهذه الأوضاع، بصورة نوعية، لكي تصبح هذه القوى في  واقعها ومكوناتها التنظيمية والفكرية الداخلية وفي ممارساتها اطارا معبرا بثبات ووضوح وحزم عن مصالح الجماهير الشعبية الكادحة وكل الفقراء والمضطهدين في بلادنا.

ثانياً: الشرائح البورجوازية الصغيرة في المجتمع الفلسطيني

تشكل هذه الشرائح، المساحة الأوسع، والحجم الأكبر، في مجتمعنا الفلسطيني، فهي تتكون – كما سبق أن أوضحنا – من جموع صغار الحرفيين والموظفين المدنيين والعسكريين، وصغار التجار والمهنيين بكل انواعهم...الخ في الضفة والقطاع، مع مراعاة الخصائص والسمات التي ترتبط بهذه الطبقة في مجتمعنا، ونقصد بذلك المستوى المتدني من التطور الرأسمالي من جهة، والمستوى المتدني لحياة أو مستوى معيشة الغالبية العظمى لشرائحها، بما يؤثر في التركيب الاجتماعي عموما، وفي تركيب هذه الطبقة بصورة خاصة من جهة ثانية، لان طبيعة تكوينها وتشكلها، تتميز بضعف إنتاجيتها الناجم عن عدم امتلاك البورجوازية الصغيرة عموما، قاعدة اقتصادية منتجة، إذ أن هذه الطبقة – رغم ضخامة حجمها واتساعها، لا تسهم بأي دور مركزي أو مؤثر في إطار الطبقة أو السلطة المسيطرة، رغم انصياع القطاع الأكبر منها، للدفاع عن سياسات السلطة وحكومتيها(في رام الله أو غزة) والمجموعات المسيطرة فيها، وتفسير هذا الموقف يعود إلى أن السلطة هي رب العمل – المباشر وغير المباشر - للبورجوازية الصغيرة، بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق المحلي بجانبيه العام والخاص، وبحكم الحرمان المادي والاضطهاد الاقتصادي والسياسي الواقع عليها، والناتج عن ضعفها وعدم تماسكها الداخلي وتذبذبها .

وإذا اخذنا بعين الاعتبار ان القطاع الحكومي سواء في حكومة السلطة / رام الله أو في حكومة حماس/غزة، يشكل 20% من مجموع القوة العاملة بالفعل، يبين لنا التأثير السلبي الذي يحدثه هذا الواقع على دور ونشاط البورجوازية الصغيرة بسبب القيود القانونية والإدارية من ناحية والطبيعة المتذبذبة لهذه الطبقة وحرصها على مصالحها الخاصة من ناحية ثانية، بما يؤدي إلى شل وتعطيل القسم الاكبر من هذه الطبقة، من العاملين في الجهاز الحكومي، عن ممارسة دور سياسي رئيسي خارج إطار الحزبين الرئيسيين ارتباطاً بحكومة كل منهما، وهنا تكمن انتهازية العديد من أفراد هذه الطبقة أو خوفها أو لامبالاتها، أو غير ذلك من المواقف السالبة التي تحكم ممارساتها السياسية في هذه المرحلة بالذات، لما تثيره من نوازع القلق والخوف والتردد والانتهازية في نفوس ووعي هذه الطبقة، إلى جانب حرص حكومتي رام الله وغزة على تأمين رواتب موظفيها لضمان ولائها السياسي، ادراكاً من الحكومتين أو من القطبين الرئيسيين "فتح وحماس" (في اطار الصراع والانقسام الراهن) ان امتصاص هذا القدر من افراد البورجوازية الصغيرة، هدف ضروري، لتعزيز مكانة أي منهما السياسة، نظراً لوعي القطبيين بأهمية دور هذه الطبقة التي تشكل غالبية السكان في الضفة والقطاع، إلى جانب اضعاف امكانات هؤلاء البورجوازيين الصغار في ممارسة دورهم في النضال الوطني والديمقراطي عموماً واضعاف وتهميش دورهم في صفوف القوى اليسارية بشكل خاص حيث يبدو ان هذا الهدف يشكل احد اهم جوانب "الاتفاق " بين فتح وحماس.

بالطبع إن إيقاظ الوعي الوطني والطبقي لدى البورجوازية الصغيرة في مدننا وقرانا ومخيماتنا أمر بالغ الأهمية بحد ذاته، لأن قطاعات كبيرة منها يمكن أن تظل عبر جدلية الاضطهاد والمصالح الحياتية، مرتهنة وخاضعة عموماً للقطبين المتصارعين حسب النفوذ الجيوسياسي لكل منها في الضفة أو قطاع غزة، وهو ما يدفعنا إلى الاهتمام بقضايا هذه الطبقة، وتفعيل دورها خاصةً وأنها تتجاوز بحجمها الواسع نسبة 60% من مجموع السكان في الضفة والقطاع أو حوالي 2.89 مليون نسمة يتوزعون على حوالي ( 482 ) ألف أسرة بواقع 6 أفراد (كمعدل متوسط) للأسرة الواحدة، وهو إطار أو تجمع غير متجانس من حيث الدخل أو مستوى المعيشة و ينقسم إلى ثلاثة شرائح أو فئات :

الفئة الأولى أو العليا من هذه الطبقة التي تملك دخلاً شهرياً يبدأ من 2500 دولار شهرياً ولا يتجاوز 5000 دولار، ولا تتجاوز نسبتها أكثر من 2,5 % من أصل المجموع التقديري للطبقة البورجوازية الصغيرة، وهذه النسبة تشمل المعيلين من الفئات العليا من أساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين والصيادلة والأطباء ومسئولو ومدراء المراكز ومؤسسات المنظمات غير الحكومية ونواب المجلس التشريعي والتجار وأصحاب المشاغل المتوسطة وكبار الموظفين ( المدنيين مدير عام فما فوق، والعسكريين، عقيد وما فوق) والفلاحين الذين يملكون 20-50 دونم، وهذه الفئة منقسمة في ولائها بين حكومة رام الله أو حكومة غزة حسب ظروف وطبيعة العمل أو الانتماء السياسي أو ألمصلحي الانتهازي.

الفئة الثانية أو المتوسطة، التي تملك دخلا شهريا يبدأ من 1000 $ ولا يتجاوز 2500$ وتمثل تقريبا حوالي 5% من مجموع التعداد التقريبي للبورجوازية الصغيرة، وبالتالي فإن مجموع هذه الشريحة المتوسطة يبلغ 117 ألف نسمة، وتشمل المعيلين أو أصحاب الدخل من الفئات الوسطى من المهنيين والأكاديميين وأساتذة الجامعات والعاملين في المنظمات غير الحكومية وصغار التجار وأصحاب المشاغل الصغيرة والفلاحين المالكين من 5 – 20 دونم، والموظفين المدنيين من درجة مدير إلى مدير عام، والعسكريين من رتبة مقدم إلى رتبة العقيد، وهي فئة يمكن أن تجد في المعارضة الديمقراطية ملاذاً لها .

الفئة الثالثة، أو الشريحة المتدنية / الفقيرة، من أسر البورجوازية الصغيرة، التي تملك دخلاً يبدأ من خط الفقر الوطني البالغ 2375 شيكل ( 580 دولار )[8] شهريا للأسرة ولا يتجاوز ألف دولار وتمثل هذه الشريحة 92,5 % من أفراد طبقة البورجوازية الصغيرة ( حوالي (2.67) مليون نسمة ) من مجموع هذه الطبقة، وهي شريحة أقرب –من ناحية موضوعية- إلى المعارضة اليسارية الديمقراطية، ومن الممكن أن تشكل وعاءا هاما لها إلى جانب "الطبقة" العاملة والفلاحين الفقراء، لكن عجز وضعف احزاب اليسار عزز مساحة الفراغ السياسي من ناحية وأسهم في تكريس يأس الجماهير الفقيرة ولجوئها إلى قوى التيار الديني والإسلام السياسي من ناحية ثانية.

وفي هذا السياق، من المفيد أن نشير هنا إلى أنه "إذا كانت الأرقام الخاصة بفروقات معدل الدخل للفئات الاجتماعية المختلفة، تساعد على اثبات واقع وجود مجموعات ذات مصالح متشابهة فيما بين الواحدة منها، ومختلفة مع مصالح مجموعات أخرى بدرجات متفاوتة، وتتواجد على مستويات مختلفة من حيث علاقتها بالنظام الاجتماعي الاقتصادي وحصتها من توزيع الدخل، فإن هذا وحده لا يكفي لتلمس الدور الاجتماعي الذي تضطلع به كل فئة أو طبقة منها، والسياسة التي تدعو لها، والظروف والعوامل العائدة لطبيعة تركيبها ونشاتها، والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تسهم في نهاية المطاف بمقادير متفاوتة الاهمية في تحديد السمات ومعالم التركيب الطبقي للمجتمع والمواقف العامة لمختلف الفئات والطبقات[9]".

 

 

 

[1] د.محمود عبد الفضيل – التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت– ط1– 1988-ص143.

[2]  المصدر السابق – ص 149.

[3]  رغم أن مجموع الموظفين الذين يتقاضون راتباً شهرياً من حكومتي فتح وحماس الذي يبلغ حوالي (200) ألف موظف يعيلون ما لا يقل عن 1.2 مليون نسمة (منهم 51% فوق سن 18سنة)، ما يعادل (612) ألف نسمة ، إلا أن ذلك لا يعني ضمان ولاءهم الكامل في ظل الظروف الراهنة لحكومة رام الله أو حكومة حماس ، إلى جانب حوالي 1.4 مليون نسمة فوق سن 18 ، ممن لا يتقاضون راتباً من الحكومتين، ويتعرض أكثر من 80% منهم للعديد من مظاهر المعاناة والحرمان علاوة على تزايد انتشار القلق والإحباط واليأس في صفوف أغلبية هذه الشريحة، الأمر الذي يشير إلى تشتت ولاءهم – بنسب ليست قليلة- بعيداً عن حركتي فتح وحماس، حيث ستتوزع أصواتهم  فيما لو جرت الانتخابات التشريعية أو غيرها ، لحساب ما يسمى بـ " التيار الثالث" أو تيار البورجوازية البيروقراطية في السلطة ، إلى جانب تيار البرجوازية الكومبرادورية التي بدأت في تأسيس أحزابها مستغلة تراجع كل من فتح وحماس من ناحية وغياب فاعلية وانتشار الأحزاب والقوى اليسارية من ناحية ثانية، نستنتج من كل ذلك إن كل من حركتي فتح وحماس لن تحصلا على نفس الأصوات التي حصلتا  عليها في انتخابات يناير 2006 حيث شكلت تلك الانتخابات آنذاك ذروة ما يمكن أن تحصل عليه كل منهما خاصة حركة حماس، لكن الإشكالية الكبرى أن أصوات الناخبين ستتجه وفق طبيعة الظرف الراهن إلى البدائل البيروقراطية والأمنية والكومبرادوية  في إطار سياسة الهبوط بالأهداف الوطنية باسم " التيار الثالث " أو "المنتدى الديمقراطي" أو غير ذلك من الأسماء ، طالما ظلت قوى اليسار على حالها الراهن من الضعف والتراجع.

[4] الكسي ليفكوفسكي – البرجوازية الصغيرة وخصائصها– دار التقدم – فرع طشقند – 1997.

[5] المصدر السابق .

[6] المصدر السابق.

[7] الفساد ظاهرة تتعلق بتحول الشأن العام للجماعة الى شأن خاص لفرد او افراد او لجماعة صغرى ، انه اغتصاب السلطة العامة لتحقيق مصلحة خاصة.

في العقدين الأخيرين بات المشهد العام و كأننا في ( عصر الفساد ) ، فقد تراجع الفساد الصغير من حيث أهميته النسبية .. وتقدم الفساد الكبير .. لم يعد اللافت للأنظار الفساد على سفح الهرم حيث الرشاوى الصغيرة ، لكن اللافت للنظر ، بات فساد القمة و اختلاط السياسة بالاقتصاد . خلال السنوات الأخيرة أيضا انتقل الفساد من قضية ذات طابع أخلاقي و محلي .. إلى قضية ذات طابع مجتمعي و دولي . الفساد إذن ، وعلى ضوء ما جرى في السنوات الأخيرة ، ليس قضية موظف صغير ينحرف ، أو قضية مجتمع يغلق على نفسه الأبواب .. الفساد بات له شكل آخر يخرج من دائرة علم الأخلاق لدائرة علم الاقتصاد  و من دائرة علم الاقتصاد إلى دائرة الاقتصاد السياسي والعلاقات الدوليــة. والفساد في كل الاحوال يعتمد على سلوك غير قانوني أو مشروع .. سلوك يضحي بالصالح العام و الواجبات العامة من أجل أشخاص أو عائلات أو مجموعات . و يذهب أحد التعريفات إلى أن الفساد هو ( أن تبيع ما تملكه الحكومة في المزاد … من أجل صالح خاص .. و البائع موظف رسمي ) .. و الصفقة هنا قد تعني مالا أو خدمة .. وربما قانونا أو قرارا تصدره الحكومة لصالح أشخاص أو مجموعات بعينهم ! و لكن تبقى _ بالنسبة للحالة الفلسطينية والعربية _ حقيقة أننا أمام نظم مالية و سياسية تغيب فيها الشفافية وتغيب رقابة الرأي العام ، و تغيب فيها المحاسبة في كثير من الأحيان … و يسيطر على القرار فيها مجموعة أفراد . لا نتوقف هنا عند فساد الذمم .. لكننا نتوقف عند فساد القرارات . الكل يرقص و الاقتصاد الأسود او الفساد تزيد نسبته  في بلادنا العربية دون استثنـاء . هل يكون الحل إقتصاديا كما تقول المنظمات الدولية أم يكون سياسيا .. هل يأتي من خلال ضغط الخارج أم من خلال ضغط الداخل .. صاحب المصلحة الأول ؟..

- آليتين رئيسيتين من آليات الفساد :

1-آلية دفع " الرشوة " و " العمولة " على الموظفين والمسئولين (الفساد الصغير) .

2-الرشوة المقنعة أو "العينية " في شكل وضع اليد على  " المال العام " والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي (الفساد الكبير) .

استجد خلال الثمانينات والتسعينات نوع جديد من ممارسات الفساد في الوطن العربي، لاسيما من خلال العمليات الاستشارية، التي ترسيها هيئات المعونة الأجنبية، على مكاتب استشارية محلية بهدف تكوين " طبقـة " أو " نخبـة " جديدة من المهنيين ورجال الأعمـال، " نخبـة معولمـة" : ترتبط مصالحها بالترويج لبرنامج المؤسسات الدولية وهيئات المعونة الاجنبية في مجالات محددة مثل : الخصخصة، وتحرير التجارة ودمج الاقتصاد العربي ببنية الاقتصاد العالمي وشبكة المعاملات المالية الدولية،

والسؤال .. هل تكون البداية : إصلاحا للإدارة وضبطا للنظم .. أم تكون الديمقراطية و تداول السلطة فلا يبقى البعض في موقعه ردحا من الزمان مهمته الرسمية: ممارسة الحكم أو الإدارة .. بينما تكون مهمته الحقيقية : حراسة أخطائه .. وحراسة أمواله .

الفساد قضية خطيرة، انه النزيف الذي نطلق عليه ألفاظا عصرية مثل : عمولات-غسيل أموال-مقابل شطارة ... والشطـار من أصحاب المصالح الشخصية،  الفسدة .. كثيـرون .. لكنهم في كل الاحوال قلّة متحكمة لا تتوازى ابدا في حجمها مع من يريدون تحقيق أهداف وأماني شعبنا ، وهؤلاء يبدو انهم غائبون حتى اللحظة .

[8]  قد يبدو هذا المبلغ مرتفعا قياسا ببعض الدول العربية ، ودول العالم الثالث ، ولكن عند مقارنة أسعار المواد الأساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بمثيلها من المواد في البلدان العربية المجاورة نلاحظ ارتفاع الأسعار بنسبة تزيد عن 200% في بعض السلع مثل الغاز المنزلي الذي تبلغ ثمن الاسطوانة الواحدة منه 15 دولار تقريبا ، أما اللحوم البلدية فتتراوح أسعارها بين 14-18 دولار للكيلو ، فيما يبلغ سعر السمك في غزة كمعدل متوسط أكثر من 10 دولار ، أما كيلو الخبز فيصل إلى  دولار في حين ارتفع سعر الأرز إلى 2.5 دولار وكذلك الأمر بالنسبة للزيوت والمواد الغذائية الأساسية علاوة على كل أنواع الملابس والأدوات المنزلية والمدرسية التي ارتفعت بنسبة تزيد عن 100% بسبب استمرار الحصار من ناحية وجشع تجار السوق السوداء والانفاق من ناحية ثانية .

[9] المصدر: بعض قضايا الصراع الاجتماعي في الاردن – من منشورات الحزب الشيوعي الأردني – اصدار دار الاتحاد – حيفا – 1972 – ص65.