Menu
حضارة

الاستيطانُ يقتلنا.. عجزُنا يقتلنا

بوابة الهدف

مستوطنون مسلّحون - أرشيف

غزة_ بوابة الهدف

لم تكن عائشة الرابي أول شهيدة أو شهيد برصاص المستوطنين، ولكن الهجوم الإرهابي الذي شنه المستوطنون الصهاينة وأدى لاستشهادها له دلالات عدة خطيرة حول وجودنا كشعب على هذه الأرض. فرغم أنّ المشروع الصهيوني قام منذ بدايته على هذا المنطق الاستيطاني الإجرامي المُسلّح، إلا أن الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية منذ بدايته عاش على حماية جيش الاحتلال وأجهزة أمنه؛ وفعلياً نجح الشعب الفلسطيني بفضل كفاحه في ردع المستوطنين وطردهم من بعض المناطق، والأهم أن المستوطن لم يشعر بالأمن يوماً في الضفة الغربية المحتلة. 

في السنوات الأخيرة، تحول المستوطن للعب دور عسكري ميلشياوي، ونقلَ حيزَ نشاطه الإجرامي ليدخل البلدات الفلسطينية، ويهاجم أهلها ويحرق أطفالهم ويقتل كبارهم، مستفيداً من تراجع المقاومة في ساحة الضفة؛ في ظل سياسات التنسيق الأمني التي تضع حماية جنود الاحتلال ومستوطنيه كهدف أساسي. لكنْ هنا لا يمكن تعليق كل هذا التراجع على التنسيق الأمني وحده، ليس تبرئةً لهذه السياسة الكارثية والخطيرة على شعبنا، ولكن بحثاً عن العوامل الموضوعية الحقيقية وراء هذا الانحسار الكبير في قدرة الفلسطيني على المقاومة في ساحة الضفة.

العلّة الأساسية هنا في آلية ومصدر ولادة التنسيق الأمني كممارسة وسياسة، فما أنتجته اتفاقية أوسلو لم يكن ممارسة أمنية فلسطينية في خدمة الاحتلال وحسب؛ إنّما منظومة عمل متعددة الجوانب تسعى لتقويض قدرة الفلسطينيين على الصمود والمقاومة. فمن جانب سياسي يجري تجريم المقاومة من قبل السلطة الرسمية الفلسطينية، فيما يتم العمل تفصيلاً على إزالة القيم الثورية الخاصة بمكافحة الاحتلال من وعي مجتمعنا، ويجري تكريس نموذج اقتصادي استهلاكي يعتاش على التبعية للاحتلال والارتباط به وباقتصاده. باختصار، فإن هذه السياسات ترمي لخلق بيئة معادية للمقاومة.

حال الّلاجئ الفلسطيني في خيمة اللجوء حين حمل السلاح منتصف القرن الماضي، لم يكن أفضل بكثير من حالنا القائم، ولكن كان هناك طليعة ثورية اختارت الالتحام بشعبها والتضحية لأجل اطلاق ثورته في وجه الاحتلال، بينما اليوم ببساطة قد ابتاع المانحون معظم "نخبنا" وحوّلوهم لمسوخ معزولة عن شعبها، وتمادت فصائلنا في العبث السياسي بدءًا من دورها في الانقسام، وصولًا إلى حالات الارتزاق والاستزلام في البيئة الفصائلية، وهو ما أقعد الفصائل عن القيام بدورها كطليعة ثورية، وحول بعضها لجزء لا يتجزأ من أمراض المجتمع. 

لقد قاتلنا هذا الاحتلال في وجود الانتداب البريطاني المعادي لشعبنا وتعاونه معه، وقاتلناه في وجود الإدارة العربية للضفة والقطاع، وحتى في وجود منظومة التنسيق الأمني الحالية والمعادية لمقاومة شعبنا، وهو ما يعني وجود خلل ذاتي في بنية وأداء وأدوات المقاومة ومنظومة تفكيرها، بجانب العوامل الموضوعية سابقة الذكر، هذه حقيقة يجب ذكرها مهما بدت قاسية. 

في مواجهة معضلة من هذا النوع لا تكفي المطالبة بالوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، فإنهاء الانقسام لن يوقف التنسيق الأمني، ولن يحل مشاكل الارتزاق والاستزلام والوهن، لذا فإن هذه الوحدة يجب أن تكون أولًا على قاعدة برنامج نهوض وطني، يقوم على استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال، وهذا البرنامج وهذه الإستراتيجية بحاجة لرافعة تنظيمية تحملها كمشروع، وتعمل على فرضها في المشهد الفلسطيني، نحن بحاجة لتبني كل فصيل أو حزب فلسطيني لهدف الوحدة الفلسطينية وبناء استراتيجية المقاومة الوطنية بالمعنى الجاد لحمل المهمات الوطنية والاجتماعية باقتدار وكفاءة، وخوض ما يلزم من نضال داخلي لتحقيقها، دون ذلك سيبقى أهلُنا مشاعًا أمام رصاص المستوطن الحاقد والجندي الغادر، وأرضُنا غنيمةً مستباحةً لهذا المشروع الصهيوني، هذا إن لم نخسر وجودنا كشعب على هذه الأرض، ونهدر كل التضحيات التي قدمها شعبنا بتاريخه النضالي الطويل.