Menu
حضارة

(1994 - 2017)

الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (ج4)

غازي الصوراني

فلاحون - تعبيرية

خاص بوابة الهدف

 

4-2 الفلاحون :  

إذا كنا نتفق على أنه ليس بالإمكان الحديث عن طبقات قائمة بذاتها أو متبلورة، في المجتمع الفلسطيني، بسبب استمرار هذا التداخل والتقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل، مع الأشكال القديمة المتوارثة –كما أشرنا من قبل- فإن الحديث عن "طبقة الفلاحين" في بلادنا لا يبتعد عن هذا التوصيف، أي غياب وعي الفلاحين الفلسطينيين لوجودهم كطبقة لذاتها، وفي هذا السياق يقول ماركس[1] "طالما تعيش ملايين العائلات في ظروف اقتصادية تميز نمط حياتها ومصالحها ومستوى تعليمها وتضعها في مواجهة نمط حياة ومصالح ومستوى تعليم الطبقات الأخرى –فهي تشكل طبقة، وطالما لا توجد بين الفلاحين غير رابطة محلية، وطالما لا يخلق تجانس مصالحهم أية وحدة فيما بينهم وأية علاقة قومية ولا أي تنظيم سياسي –فهم لا يشكلون طبقة" رغم انتشارهم الكمي عبر أكثر من ألف قرية على الأرض الفلسطينية، إلا أن هذا التحليل لا ينفي الدور النضالي التاريخي للفلاحين الفلسطينيين بصورة عفوية كما جرى في انتفاضة البراق 1929 على أثر بيع أكثر من 200 ألف دونم في شمال فلسطين، للوكالة اليهودية وطرد الفلاحين منها، إلى جانب حرص كبار الملاك أو ما يسمى بـ"القيادة الوطنية" آنذاك على امتصاص نقمة الفلاحين وثورتهم، عبر التلويح بحرمانهم من مصدر رزقهم. فالزراعة –تاريخيا- احتلت المكانة الأولى في الاقتصاد الفلسطيني الذي كان - قبل 1948 - ككل اقتصاد زراعي –في بدايته بصورة أساسية- اقتصادا طبيعيا حيث تعيش كل قرية داخل اقتصاد شبه مغلق داخل الرابطة المحلية للقرية، يقابله انفتاح في العلاقات الاجتماعية مع القرى المجاورة، ففي مرحلة ما قبل نكبة 48 بلغ عدد العاملين في الزراعة من الفلاحين والأجراء، حوالي 550 ألف يمثلون 55% من مجموع السكان، كان 29% منهم لا يمتلك أرضا . وفي حين أن مجموع ملكية 71% من هؤلاء الفلاحين (حوالي 55 ألف أسرة) لم تتجاوز (3) مليون دونم موزعة عبر ملكيات/حيازات صغيرة من خمس دونمات – 55 دونم، فإن 250 مالك فقط، استحوذوا – بطرق ووسائل غير مشروعة - على حوالي أربعة ملايين ومائة وخمسون ألف دونم، أي ما يزيد عن كل ما امتلكه الفلاحون الفلسطينيون آنذاك، وفي هذا الجانب، يكفي أن نشير إلى أن "28 مالكا في قضاء بئر السبع وغزة كانوا يمتلكون حوالي (2) مليون دونم، وكانت ملكية (11) شخصا منهم تزيد عن (100) ألف دونم لكل فرد"[2]، وفي القدس والخليل كان 26 مالكا، يملكون 240 ألف دونم، وفي نابلس-طولكرم خمسة ملاكين، كانوا يملكون 121 ألف دونم، وفي منطقة جنين ستة ملاك، امتلكوا 114 ألف دونم . وفي هذا السياق تقول تمار غوجانسكي[3] "كان تطور القرية العربية زمن الانتداب تعبيراً عن تفاقم التقاطب الاجتماعي: خراب الفلاحين من ناحية، وإثراء ملاكي الأراضي وأصحاب الأموال من ناحية أخرى، حيث ارتكز تراكم الأموال (بصورته التمويلية أو على شكل وسائل إنتاج وأرض وممتلكات) في القرية العربية، على استمرار الاستغلال التقليدي بواسطة رسوم الإيجار وجباية الضرائب والربا الفاحش وفرض الأسعار". وإلى جانب هذا، ظهرت مصادر أخرى بما فيها المدخولات من بيع الأراضي لمؤسسات صهيونية ولشركات مالية ومن استغلال العمل المأجور، وكانت الشريحة الاجتماعية التي ركزت في أيديها معظم الأموال المتراكمة من المصادر المذكورة أعلاه- في ظروف فلسطين الانتدابية – شريحة ملاكي الأرض الكبار، التي شملت أيضاً تجاراً ومتمولين أثرياء يسكنون المدن أو البلدان المجاورة . لقد كان الأمر الخاص في تطور علاقات الإنتاج في القرية العربية الفلسطينية -كما يقول غوجانسكي- هو أن الطبقة المسيطرة القديمة التي تبلورت في ظروف أسلوب الإنتاج التقليدي حافظت أيضاً على العلاقات الزراعية القديمة (حيثما كان ذلك ممكناً) واندمجت أيضاً في العلاقات الرأسمالية بإقامة مزارع (بساتين وما أشبه) قائمة على العمل المأجور، إذ أن التناقض الطبقي الأساسي في القرية العربية أيام الانتداب كان لا يزال هو التناقض بين الشريحة المسيطرة القديمة التي كانت مؤلفة من ملاكي الأراضي (الساكنين في المدينة) ومن التجار والمرابين، وبين جماهير الفلاحين ذوي المزارع الصغيرة سواء المزارعين أو الحراثين، وقد كان لهذا الوضع أبعاد كثيرة في المجالين الاجتماعي والسياسي. وبالتالي فإن استمرار بقاء التناقض الطبقي الأساسي القديم مثل تخلف القرية العربية الاقتصادي – الاجتماعي بالنسبة للمدن وللزراعة اليهودية القائمة على الإنتاج الكبير باستعمال الآلات و الأساليب العصرية، هذا التخلف أدى إلى أن تظل القيادة السياسية- الشعبية في وسط المواطنين العرب بأيدي الأسر المتميزة ذوات الأراضي والأموال . ويفسر هذا البناء الاجتماعي أيضاً لماذا أثار شراء الأراضي من قبل المؤسسات الصهيونية وشركات الاستثمار الخاصة والعامة غضباً عارماً في أوساط الفلاحين العرب، ولماذا كان هؤلاء الفلاحون على استعداد للكفاح ضد بيع الملاكين للأراضي .

والمعروف أن عائلات كبار الملاك عبر هيمنتها على الاقتصاد تمكنت من قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قبل 1948، وفق رؤى وبرامج وآليات سياسية مهادنة أو رخوة، في حين أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا وقودا للثورة قبل عام 1948 ، ولم يكن غريبا أن ينجب الريف الفلسطيني خيرة المقاتلين والمناضلين الذين كانوا بحق هم المحرك اليومي والفعلي والمباشر للعمل الثوري ضد الانتداب والحركة الصهيونية، في حين لم يكن كبار الملاك (الأفندية) سوى واجهة هشَّه تصدرت قيادة الحركة الوطنية ضمن آفاق محددة لم تكن تلتقي مع آفاق وتطلعات الجماهير الثورية العفوية، وكان دورها – على الأغلب – هو امتصاص وتهدئة الحالة الثورية لدى فقراء بلادنا، وكان هذا الدور منسجما مع وضعها الطبقي ومصالحها وعلاقاتها مع القوى الرجعية العربية وغيرها، فهل نحن اليوم أمام مشهد "جديد" يعيد إنتاج المعادلة ذاتها رغم اختلاف شكل المصالح الاقتصادية والطبقية وسبل الحصول على الثروة ؟ الجواب نعم، ولكن بصورة رثة، أو ممسوخة، عبر رموز واداوت "طبقية" أقرب إلى الصيغة الطفيلية في تطورها، لكنها في الجوهر لديها – أو لمعظم أطرافها- الاستعداد للتراجع عن الثوابت والمهادنة لحساب ضمان مصالحها الجديدة على حساب مصالح وتطلبات وتضحيات الأغلبية الساحقة من أبناء الشرائح والطبقات الفقيرة الذين يعيشون اليوم حالة غير مسبوقة من الإحباط واليأس بسبب هذا الحصار المر لمسار طويل من النضال الوطني الذي تفرع بدوره إلى مسارين بعد الانقسام في حزيران2007، الأمر الذي فاقم من مشاعر الإحباط والسخط في ظل انسداد الأفق أو المآزق الراهن، مقابل حصر الثروات والمغانم الشخصية لدى الفئات المهيمنة – وإن بدرجات متفاوتة – في الضفة والقطاع .

إن تراكم العوامل التاريخية ( الانقسام الجغرافي والسياسي والمجتمعي بعد النكبة)، التي كرسها الاحتلال فيما بعد وحرص على إدامتها، إلى جانب العوامل والممارسات السلبية الداخلية الفلسطينية في سلطة الحكم الذاتي وصولاً إلى حالة الفوضى والفلتان والصراع الدموي بين فتح وحماس ومن ثم الانقسام إلى حكومتين، كل ذلك عمق التباين في العلاقات الاجتماعية السائدة بين الضفة والقطاع دون إغفال عوامل التباين الموضوعي بينهما التي تتبدى اليوم في عدد من المظاهر، سواء من حيث الكثافة السكانية (في الضفة 444 فرد في الكيلو متر المربع الواحد، ترتفع هذه الكثافة في قطاع غزة إلى 4206 فرد/كم2) أو من حيث توزيع السكان المدنيين الذين يعيشون في المدن منتصف 2016، ونسبة هؤلاء في قطاع غزة تصل إلى 90% (1.689 مليون نسمة)، تنخفض في الضفة إلى 80% (حوالي 2.354 مليون نسمة) من سكان مدن ومخيمات الضفة في مقابل 20% (حوالي 588 ألف نسمة) سكان الريف، إذ يوجد في الضفة حوالي 430 قرية، في حين أن القرى الفلاحية في قطاع غزة لا تتجاوز (12) قرية صغيرة، وهذه المظاهر، وان كانت تؤكد على الطابع الريفي للضفة، والطابع المديني لقطاع غزة، إلا أن هناك مفارقة لا بد من الإشارة إليها في هذه الدراسة، فبالرغم من وجود هذا العدد الكبير من القرى في ريف الضفة الغربية، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيها يغلب عليها الطابع المديني المتطور والأكثر تقدما بالمعنى النسبي من قطاع غزة، الذي – وان كنا نقر – بأن 90% من سكانه يقيمون في المدن، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيه هي علاقات " مدنية " متخلفه ومهمشه ورثه بصورة عامة، نلحظ هذه المفارقة عبر هذا التباين الواضح في كثير من الجوانب الحياتية بينهما، أهمها تلك المرتبطة بالتطور الاجتماعي والحضاري والثقافي العام، إلى جانب التمايز في الأوضاع الريفية – الزراعية – الفلاحية، علاوة على أن استمرار الانقسام السياسي بين حكومتي رام الله وغزة، سيولد موشرات الانقسام الاجتماعي بينهما، بحيث يمكن الحديث عن مجتمع في الضفة ومجتمع أخر مختلف في غزة!!؟

إن الحديث عن طبقة الفلاحين في الضفة و القطاع، هو حديث يتناول قطاع هام وواسع من المجتمع الفلسطيني يتجاوز النسب المئوية – المشار إليها (20% - من سكان الريف – في الضفة،10% في القطاع)- ويحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل والرؤية الموضوعية، ذلك لأن طبيعة المسار التطوري الاجتماعي – الاقتصادي الراهن، هي طبيعة غير مستقرة أو مؤطرة، بحكم هذا التداخل في الأنماط التقليدية القديمة والحديثة والمعاصرة، الذي لا تتحدد حركته بفعل عوامل فلسطينية داخلية، تراثية أو تقليدية أو حديثة، وإنما أيضاً بفعل عوامل خارجية مهيمنة، الاحتلال والمخطط العدواني الصهيوني الذي يستهدف تعميق كل مظاهر التخلف القديمة بدعم صريح أمريكي وأوربي، عبر استمرار هذه التبعية والهيمنة على الاقتصاد والبنية الاجتماعية معاً، المسألة الثانية في هذا الجانب، تتعلق باستمرار – بل و ثبات – العلاقات الفلاحية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين الذين ينحدر 70% منهم على الأقل من أصول فلاحية، وقد كفوا عن كونهم فلاحين، لكنهم يتميزون حتى اللحظة بتمسكهم بالإنتماء للقرية بكل المعاني السياسية والروابط الاجتماعية حتى اللحظة، وفي هذا السياق فليس من المبالغة في شيء أن نقول أن المجتمع الفلسطيني عموماً هو مجتمع تختلط فيه العلاقات الاجتماعية والفلاحية القديمة والتقليدية والرأسمالية الرثة، رغم تزايد عدد المدن ونسبة التطور المديني الكمي الذي لم يؤثر بصورة ملموسة بعد في جوهر العلاقات المجتمعية – الفلاحية التي تشكل جزءاً هاماً من مكونات البنية المجتمعية الفلسطينية في المرحلة الراهنة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقات الاجتماعية الريفية في أوساط الفلاحين الفلسطينيين، لم تعد محكومة – كما كانت في السابق – بقوة الملكيات الكبيرة أو أشباه الإقطاعيين التي لم يعد لها دوراً مسيطراً على هذه العلاقات من جهة، إلى جانب تفتت الأراضي الزراعية إلى قطع صغيرة (أقل من 50 دونم) بحيث تقدر نسبة الحيازات الصغيرة ( من 1-10 دونم ) بما يزيد عن 50% من إجمالي الملكيات في الأراضي الزراعية، ومن 10-20 دونم في حدود 20% ، ومن 20-50 دونم 20% ، ومن 50-100 دونم 7% ومن 100 – فما فوق 3% من مجموع الأراضي الزراعية البالغ 1,85 مليون دونم، منها 1,67 مليون دونم في الضفة، و (170) ألف دونم في قطاع غزة – حسب الإحصاءات الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وبالتالي يمكن الاجتهاد في تحديد مكونات البنية الطبقية في الريف كما يلي :

(أ) أغنياء الفلاحين والرأسمالية الزراعية (كبار الملاك 50 دونم فأكثر) وموقفهم صريح في العداء للثورة والإصلاح أو العمل التعاوني أو العدالة الاجتماعية.

(ب) متوسطو الفلاحين –أقل من 50 دونم– .

(ج) الشرائح الوسطى من الإداريين والفنيين .

 ( د) صغار الحائزين – اقل من 20 دونم – .

(هـ) العمال الاجراء : لا يملكون سوى بيع قوة عملهم للغير ويخضعون لشروط سوق العمل الزراعي.

(و) فقراء الفلاحين .

لقد أدى تطور العلاقات الرأسمالية المشوهة – في سياق الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي إلى نمو العلاقات الرأسمالية – أو العلاقات السلعية والنقدية – في الزراعة والريف الفلسطيني التي ترافقت مع التراجع التدريجي – بحكم عوامل الوراثة وعوامل أخرى – في حجم الملكيات الكبيرة، بحيث تراجع دور طبقة كبار الملاك بوصفها الشكل الرئيسي للاستغلال في أوساط الفلاحين، ليحل مكانها استغلال العمل المأجور في إطار العلاقات الرأسمالية المشوهة في الريف التي تقوم على تخصيص القسم الأكبر من الإنتاج الزراعي من اجل السوق، وفي هذه الظروف تزايدت نسبة التمايز الطبقي بين الفلاحين الذين يشكلون حتى اللحظة وجودا طبقيا موضوعيا وقاعدة اجتماعية – فلاحية في الضفة بشكل خاص، وتزايد تسارع نمو الفئات الفقيرة والمعدمة، " البروليتاريا " " والبروليتاريا الرثة " في القرية أو في أوساط العمال الزراعيين الأجراء في المخيمات والمناطق الفقيرة الأخرى، دون أن يعني ذلك تبلور حالة من التمايز الطبقي  البورجوازي الكلاسيكي الذي يمكن أن يحقق تراكماً رأسمالياً ملموساً يؤثر في تطوير أو تنمية العلاقات الرأسمالية في الريف الفلسطيني، إذ أن العلاقات الرأسمالية الجديدة القائمة على استغلال العمل المأجور، هي علاقة مشوهة وكومبرادورية في نفس الوقت وبالتالي فقد بقي المصدر الأساسي للتراكم، هو ما تحصل عليه فئة الكومبرادور من أرباح، وهو أشبه من حيث طبيعته بعلاقة الريع أو الربح الذي كانت تستحوذ عليه طبقة أشباه الإقطاعيين في مراحل سابقة .

إذ إنه في ظل استمرار سيطرة سياسة السوق أو الاقتصاد الحر في إطار التبعية والبحث عن المصالح الخاصة عبر سيطرة العلاقات الرأسمالية الطفيلية والمشوهة في السلطة، لم يكن من الممكن تطبيق سياسات زراعية لتطوير قطاع الزراعة في الضفة والقطاع. بحيث نلاحظ تراجع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي من حوالي 40% قبل أوسلو إلى أقل من 5% عام 2015، ويعود السبب في ذلك إلى إهمال السلطة لهذا القطاع، إلى جانب زيادة التفتت في مساحة الأراضي الزراعية، خاصة في قطاع غزة، وغياب دور البنوك في تشجيع وتطوير المشاريع الزراعية، إلى جانب غياب أي شكل من أشكال الجمعيات التعاونية وارتفاع القيمة الاجارية للأراضي الزراعية، وكلها عوامل ادت إلى المزيد من التراجع والتهمش لبنية هذه الطبقة من ناحية ولانتاجتها من ناحية ثانية.

إن هذه الأوضاع التي تعيشها جماهير الفلاحين الفلسطينيين بما يمثلونه من كتله اجتماعية / إنتاجية فقيرة لها مصلحة في النضال الوطني والطبقي، تدفع قوى اليسار الفلسطيني، إلى مزيد من الاهتمام بقضاياهم ووعي تفاصيل أوضاعهم الحياتية عبر تنظيمهم ومعايشتهم، بهدف مواجهة كل أشكال المعاناة التي يتعرضون لها من الاحتلال والمستوطنين من جهة، أو أشكال الاستغلال الطبقي الداخلي من جهة أخرى، وهذا يفرض على هذه القوى، القيام بالمبادرات المدروسة، لتشجيع قيام التعاونيات لدعم الفلاحين الأجراء، والعمل على رفع مستوى الملكيات الزراعية – المفتتة – إلى مستوى معين من الملكيات التعاونية، والمطالبة بإيجاد قطاع حكومي في الزراعة، في أراضي الضفة بصورة خاصة، إلى جانب ذلك فان المطالبة بتقديم مختلف التسهيلات للفلاحين والمزارع الصغيرة، كالقروض والأسمدة والأدوية والإرشاد والتخطيط أو التنميط الزراعي، والاهتمام بالمنتوجات من حيث التسويق وحماية الأسعار، أمور لا بد من العمل على تفعيلها، تعميقا للعلاقة بين هذه القوى، وبين جماهيرنا الشعبية في الريف الفلسطيني من الفلاحين الذين تصدروا دوما حركة النضال الوطني والتضحية والنهوض الثوري منذ فجر تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية .

إن هذه الدراسة من شأنها أن تثير التساؤلات لدى كافة المعنيين حول التغيير الاجتماعي / السياسي / الاقتصادي المستقبلي من ناحية وحول سيناريوهات البديل المحتمل للأوضاع الراهنة من ناحية ثانية، ونقصد بذلك سيناريو (الإمارة) الإسلامية في غزة، والحكم الذاتي الموسع في الضفة أو سيناريو "حل الدولتين" أو الدولة الشكلية في إطار التبعية الإسرائيلية عبر توافق فتح وحماس أو سيناريو النضال من أجل فلسطين الديمقراطية في إطار الدولة العربية والمجتمع العربي الاشتراكي.

وبناء عليه فإننا، ندرك بكل موضوعية ووعي، أن استمرار تطور العلاقات الاجتماعية في بلادنا على صورتها المشوهه الراهنة، هو أمر بقدر ما يتعارض مع قوانين الحياة ومتغيراتها وتراكماتها الدافعة صوب الارتقاء والتقدم، يتعارض أيضا مع نضال شعبنا وتضحياته الغالية في صراعه الطويل مع العدو الصهيوني، من أجل تحقيق أهدافه في التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، الأمر الذي يستوجب استنهاض قوى اليسار الفلسطيني والعربي، كضرورة موضوعية ملحة، حتى لا يصبح المستقبل كأنه " قدر محتوم " نساق إليه من نظام العولمة الأمريكي الصهيوني الذي نجح إلى حد كبير في السيطرة على مقدرات شعوبنا، وما العراق وفلسطين سوى مؤشر صارخ على تلك الهيمنة التي ستتسع لتشمل كل مساحة النظام العربي، لذلك فإن عملية استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل ستظل رهاننا الدائم والمستمر، للإسهام في تعبئة طاقات مجتمعنا بارتباطه العضوي مع محيطه العربي في ظل عالم يموج بالمتغيرات لا مكان للضعفاء فيه .

فبالرغم من المتغيرات التي أصابت البنية الاقتصادية الاجتماعية الفلسطينية طوال الفترة الممتدة منذ عام 1967 حتى اليوم، إلا أن هذه التحولات لم تستطع تجاوز أو إلغاء علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية وشبه الرأسمالية القائمة بل عززتها وأبقت عليها، بفعل عوامل خارجية تتمثل في السياسات الإسرائيلية تجاه الاقتصاد الفلسطيني من ناحية وعوامل داخلية فلسطينية تتمثل في مجموعات المصالح الطبقية التقليدية والمستحدثة الطفيلية الحريصة على إبقاء العلاقات القديمة وعدم تجاوزها (في المنشآت الصناعية شبه العائلية عموماً، والإنتاج العائلي في الزراعة ونمط الإنتاج السلعي الصغير المنتشر بكثرة في الضفة والقطاع عموماً وفي المناطق الريفية خصوصاً ... الخ) وبالتالي فإن النمط السائد غالباً هو نمط رأسمالي تابع ومشوه تتداخل فيه الأنماط القديمة ضمن صيغة من التعايش والتعاون والصراع، وفي هذا الجانب نشير إلى أن تعدد أنماط الإنتاج قد يتجسد في بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من غيرها، وفي هذا السياق يمكن أن يوصف النمط السائد عندنا بأنه نمط محكوم بآليات "رأسمالية المحاسيب" ارتباطاً بالتحالف بين الصفوة السياسية والبيروقراطية ورجال الأعمال والمال والكومبرادور في الضفة والقطاع، وفي ضوء هذا التحليل يمكن أن نطلق على هذا النمط انه نمط رأسمالي طفيلي، لكنه في كل الأحوال ومهما كانت التسمية، فهو نمط تابع ومتخلف، ما يعني بقاء التطور الاقتصادي والاجتماعي/الطبقي محتجزاً بسبب هذه العوامل الخارجية والداخلية ذات المصلحة المشتركة في إبقاء حالة التطور المحتجز في بلادنا ودور هذا التحالف الطبقي في تفكيك المجتمع السياسي الفلسطيني وإعاقة توليد آليات المجتمع المدني الديمقراطي، الأمر الذي يقتضي العمل على كسر هذا التحالف وإزاحة كل هذه العوامل ورموزها وشخوصها صوب إعادة الوحدة السياسية المجتمعية بين الضفة والقطاع وفق الأسس والثوابت الوطنية والديمقراطية، وفق أسس اقتصادية تنموية تستهدف تحقيق مقدمات الصمود الوطني والمقاومة والنضال بكل أشكاله على طريق التحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية.

 

[1]  الكسي ليفكوفسكي – البرجوازية الصغيرة وخصائصها – دار التقدم – فرع طشقند – 1979.

[2]   د.عادل غنيم-القوى الاجتماعية في فلسطين-ص30 (سنة الطبع ، ودار النشر غير واضحة) .

[3]   تمار غوجانسكي-تطور الرأسمالية في فلسطين-ترجمة حنا ابراهيم-اصدار دائرة الثقافة في م.ت.ف-ط2-1987-ص188/191 .