Menu
حضارة

قانون الضمان الاجتماعي: عن أوهام السلطة

بوابة الهدف

تظاهرات احتجاجية بعد إعلان بدء سريان قانون الضمان - رام الله - وكالات

خاص بوابة الهدف

لعل النقطة الأكثر عرضة للتغييب في النقاش الدائر حول قانون الضمان الاجتماعي هي العامل الزمني، فالسلطة الفلسطينية تأسست منذ حوالي ٢٥ عامًا، وطيلة هذه الفترة تركت السلطة العمال الفلسطينيين دون أدنى حماية من الإستغلال، وتعاملت معهم كما لو أنهم قطعة زائدة في المجتمع الفلسطيني.

هذه الاشارة ضرورية لفهم مصدر القصور في هذا القانون المتأخر، فإن كان سن القانون بحد ذاته يعتبر خطوة ايجابية نسبيا تجاه مجموعة من الشرائح المهمشة والمتروكة للسحق، فإن منظومة وآلية عمل القانون تؤكد بقاء ذات المنطق السيء الذي يحكم سلوك السلطة في القطاع الاقتصادي، فلقد عمد القانون لترك فئات وشرائح عدة خارج مظلته ودون حماية تذكر، هذه الشرائح تشمل الأسرى وأهالي الشهداء، وقطاع من المقدسيين الفلسطينيين، ورغم وعود الوزارة بايجاد معالجات لهذه الشرائح، فإن العلة ذاتها وهي الاستعداد لترك الفلسطيني لمصيره قد وقعت بالفعل.

العامل الآخر الإشكالي في هذا القانون هو قيامه على مبدأ مساهمة العامل بجانب صاحب العمل في نسبة التأمين المذكورة، دون اعتماد مبدأ مسؤولية السلطة الفلسطينية عن ضمان معيشة كريمة لهؤلاء العمال في كبرهم أو في حالة تعطلهم عن العمل، القانون هنا لا يعمل وفق منطق التأمين الوطني الملزم للحكومة بتوفير فرص العمل للمواطن أو اعانته بما يكفل له حياة كريمة في حال بطالته، بل يعمل القانون كأداة نظم لصندوق تأمين يشبه إلى حد كبير الكثير من صناديق التأمين الخاصة، أنت تدفع شهريًا مبلغ يستثمره الصندوق لتحصل مستقبلًا على معاش تقاعدي، وإن كانت هناك نقطة ايجابية فهي إلزام اصحاب العمل بالمساهمة بنسبة شهرية من قسط الضمان.

الإشكال الأسوأ الذي يقدمه القانون هو فتحه لباب للتهرب من مستحقات نهاية الخدمة التي يجب أن تدفعها الشركات للعامل، فبدل أن يحفظ القانون حق العامل في هذه المستحقات فإنه يلجأ الى اعتبار الضمان الاجتماعي بديلًا عنها، وهو بذلك يرتكب مخالفتين أولاها وهي التعارض مع قانون العمل، والثانية وهي التعارض مع الحق الطبيعي للعامل والمنصوص عليه في كل الاتفاقيات الموقعة.

هذا ليس جردًا لعيوب القانون بل قراءة لنظرة السلطة لمواطنيها، هذه النظرة التي تنتج مثل هذا القصور في القوانين، وبالأساس يبقى هناك إشكال جوهري لا يمكن التغلب عليه بأي من التعديلات لنصوص القانون، الإشكالية المتمثلة في تنصل السلطة الفلسطينية من التزامها بحقوق المواطنين، على غرار ما تفعله عقوبات السلطة تجاه قطاع غزة، فهنا لا تكتفي السلطة بما هو مسلوب من حقوق المواطنين، أو بما يلحقه الاحتلال بهم من أذى، بل تعمد إلى حرمانهم من حقوق أساسية كالحق في الراتب والأمان المعيشي للموظف الحكومي، أو حق الناس في توفر العلاج والدواء لهم، أو حتى الحق في التوظيف والتنمية الذي تشطب غزة من جداوله منذ سنوات بحجة الانقسام.

العامل المشترك في هذه المعضلات هو استعدادية السلطة للتخلي عنا اذا ما واجهت صعوبات أو أعباء بخصوص حقوقنا، أو تخيلها المغلوط لموقع العلاقة بين المواطن والحكومة.

الى أن يكون لنا وطن بالمعنى الحقيقي للكلمة، والى أن تسقط قلاع الفساد والارتهان للاحتلال، ستأتي الكثير من القوانين، قد يكون بعضها جيد نصيًا، ولكن التطبيق دوما يبقى رهن لمزاج الحاكم ومزاج المحتل، وفي هذه المنظومة تبقى الحقوق ضائعة.