Menu
حضارة

ملتقى فلسطين.. علامات على الطريق

محمد السعيد إدريس

في الوقت الذي وصل فيه الاحتلال الصهيوني إلى ذروة استعلائه، اعتماداً على فجوة القوة الهائلة بينه وبين الشعب الفلسطيني وكافة قواه وفصائله، واعتماداً على دعم وانحياز أمريكي مطلق وغير مسبوق، يعتنق المشروع الصهيوني ويؤمن به ويقاتل من أجله في ظل إدارة دونالد ترامب، ورهاناً على تفكك الرابطة العربية، وانحسار الدعم العربي للقضية الفلسطينية، وفي الوقت الذي انحدرت فيه الرابطة الوطنية والنضالية بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من ناحية وبين السلطة الفلسطينية، ومعها حركة «فتح»، وبين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» من ناحية أخرى، كانت التوقعات والرهانات كلّها متمركزة في الشعب الفلسطيني، باعتباره الملاذ الأخير، هل سيرضى بهذا الهوان ويقبل بالاستسلام، أم سيكون في مقدوره أن يرفض وأن يقول لا، وأن يستنهض إرادة مقاومة لأمر واقع مُذل ومُهين ومرفوض، وأن يختطف لحظة بريق قدرية ليؤسس لمشروع انبعاث جديد لحركة وطنية فلسطينية جديدة، قادرة على كسب الرهان أمام المشروع الصهيوني الذي تصوّر أنه في مراحل إكمال انتصاراته، أو في ذروتها وآن له أن يفرض خيار «دولة واحدة لشعب واحد هو الشعب اليهودي على كل أرض فلسطين بعاصمة موحدة هي القدس ».

وسط هذا الطموح أو التوقّع، وإذا ببريق الأمل يلوح في الأفق، بريق حملته مقررات أو بالأحرى مضامين نص «الإعلان السياسي» الصادر عن ورشة «ملتقى فلسطين»، والموجّه إلى الشعب الفلسطيني بأسره، وهو إعلان مفتوح للتوقيع عليه واعتماده من قبل كل من يوافق عليه من أبناء الشعب الفلسطيني، هدفه، كما يقول: «إطلاق حوار خلاّق حول ملامح الرؤية المستقبلية للمشروع الوطني الفلسطيني ويؤسس لبلورتها».

عقدت ورشة «ملتقى فلسطين» في إسطنبول (21-9 و22-9-2018) تكملة لورش وحوارات سبقتها عقدت في حيفا و القدس ورام الله، شارك في هذه الورشة فلسطينيون يمثّلون ذواتهم، وليس فصائل أو تكوينات، من كل فلسطين التاريخية من الأرض التي احتلت عام 1948 والأرض التي احتلت عام 1967، إضافة إلى مشاركين من بلدان اللجوء والشتات، استهدفوا أن يكون هذا الملتقى باسم «ملتقى فلسطين» منبراً للحوار وتبادل الرؤى ووجهات النظر، وأن يكون ورشة تفكير دائمة، يعبِّر عن مواقف الأفراد المشتركين فيه في الجوانب المتعلّقة بالشعب الفلسطيني وقضيته وحركته الوطنية، دون أن يعني ذلك تشكيل كيان سياسي أو ادعاء البديل أو التمثيل أو الوصاية على أحد أو على جهة.

هذا الملتقى تم إعلانه عشية الدورة الأخيرة التي عقدها المجلس الوطني الفلسطيني (إبريل 2018) كصرخة تحدّ للأطر الفلسطينية الفاشلة أو العاجزة، ورفض الواقع الأليم الذي تريد «إسرائيل» أن تفرضه في لحظة تراها تاريخية، لفرض الشروط وتصفية القضية الفلسطينية، وفرض خيار «إسرائيل الكبرى» من النهر إلى البحر، لذلك حرص الملتقى على أن يضم شخصيات من كل «المجتمعات الفلسطينية» (في فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات) ترسيخاً لقاعدة «وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة القضية»، شرط عدم العضوية في أي من الفصائل، في محاولة لدمج فئات كانت قد أقصيت أو ابتعدت عن العمل السياسي المباشر (أكاديميون ومثقفون وكتّاب وفنانون وإعلاميون ونشطاء سياسيون).

هذا الملتقى يقدّم علامات مضيئة على طريق استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية، من خلال تركيزه على المراجعة النقدية للتجربة الوطنية الفلسطينية، واستيعاب وإدراك مخرجات البيئة العربية والإقليمية والدولية بكل تفاعلاتها وتداعياتها على القضية الفلسطينية، في محاولة للتأسيس لمشروع وطني شامل يستوعب كل الشعب الفلسطيني ويحدد معالم مستقبله. ومبادئ العمل التي طرحتها الورشة الأخيرة لهذا الملتقى،أبرزها ثلاثة :

أولا، وحدانية شعب فلسطين، والتمسك بحقوقه الوطنية المشروعة، وثانيها، أن استعادة أي من تلك الحقوق لهذا المجتمع أو ذاك من مجتمعات فلسطين، لا يجب أن يخلّ بأي حقوق أخرى، ولا بحقوق أي مجتمع آخر، ولا أن يكون بديلاً عنها، وضمن ذلك عدم وضع حق الدولة كبديل عن حق اللاجئين في العودة، ولا خيار الدولة في الضفة والقطاع في مواجهة خيار الدولة الواحدة الديمقراطية في فلسطين التاريخية، وأن أي تكيّف اضطراري مع ضغوط الواقع ينبغي ألا يكون على حساب شرعية وديمومة الحلم الفلسطيني الذي يبقى حقاً مشروعاً للفلسطينيين مهما كانت المرارات والإخفاقات. أما المبدأ الثالث فهو أن الكيانات السياسية الفلسطينية القائمة في حاجة إلى إعادة بناء على أسس نضالية ومؤسسية وديمقراطية وتمثيلية.

معالم تستحق الاعتبار، بقدر ما تستحق التفاؤل بأن فلسطين لن تضيع في صراعات السلطة وحماس، ففلسطين أكبر من كل الكيانات وأبقى من كل الزعامات، وهذه هي أهم معالم المستقبل المأمول، وهذه هي أهم خصائص الشعب الفلسطيني القادر على استيعاب كل النكبات، وأن يفرض نفسه مجدداً قادراً على الفعل والتجدد والإبهار.