Menu
حضارة

جوزيف مَسعد: صفقة القرن آخر مراحل اتفاقية أوسلو.. ولا بديل عن المقاومة

جوزيف مسعد.jpg

نقلا عن صحيفة المصري اليوم - القاهرة

صفقة القرن تكرس «استعمار أبدي لفلسطين».. والحل الوحيد للصراع دولة واحدة تعامل مواطنيها بالتساوي وتعيد لمن سُرقت أراضيهم وممتلكاتهم كل حقوقهم

«عرفات» استسلم في «أوسلو» لاشتراطات أمريكا وإسرائيل بسبب إفلاس منظمة التحرير.. والحركات العلمانية فشلت فشلًا ذريعًا.. وحماس والجهاد لا تحتكران النضال

اللاسامية اعتبرت اليهود ينتمون إلى شعب وقومية وثقافة ودين ليسوا من أوروبا.. و«البروتستانت الألفيين» أول من فكر في طردهم.. والصهاينة أيدوا التوصيفات المعادية للسامية لتأسيس دولة الاحتلال

طرد اليهود من مصر «بدعة صهيونية» يسوق لها زمرة ليبراليين.. وفلسطينيو مصر يعانون ولا أحد يتحدث عنهم.. ومحبو الكوزموبوليتانية يتجاهلون الجاليات العربية والأفريقية لأنها ليست «بيضاء أوروبية وأغلبها ليس مسيحيًا»

قال د. جوزيف مَسعد، أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا بنيويورك، إن صفقة القرن تستهدف التصفية الأخيرة للصراع العربي الإسرائيلي، مطالبا بالرد على الصفقة بعدم التفاوض، داعيا إلى «المقاومة بشتى أنواعها في كل المجالات المتاحة».

وأضاف «مَسعد»، في حوار خاص، أن الحل الوحيد للصراع يتمثل في دولة واحدة تزيل آثار «الاستعمار الصهيوني»، مشددا على أنه لا يمكن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود لأنها دولة عنصرية استيطانية، مثنيًا على المقاومة في القرن الماضي، معتبرا إياها «خلقت حركة تضامن عالمية مع الشعب الفلسطيني».

وأوضح الأكاديمي الفلسطيني صاحب كتب «ديمومة المسألة الفلسطينية»، «اشتهاء العرب»، «الإسلام في الليبرالية»، أن السلطة الفلسطينية تستخدم خيارها العسكري في قتل الشعب الفلسطيني وقمع مقاومته، مشددا في الوقت نفسه على أن القانون الدولي يمنح الفلسطينيين حق المقاومة العسكرية ضد الاحتلال.

وأكد أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا بنيويورك، أن «الصهاينة اليهود» بدأوا اضطهاد الفلسطينيين منذ أواخر القرن التاسع عشر قبل أكثر من ستة عقود من المحرقة النازية، مؤكدا أن الناجين من المحرقة ارتكبوا أبشع المذابح بحق الفلسطينيين أثناء حرب ١٩٤٨، فإلى نص الحوار.

كيف ومتى نشأت فكرة طرد اليهود من أوروبا إلى فلسطين؟

نشأت الفكرة من قلب حركة الإصلاح الديني المسيحي في القرن السادس عشر التي عرفت بالبروتستانتية والتي نادى بعض مفكريها، لا سيما ما أصبح يسمى بالبروتستانت الألفيين، بـ«إرجاع» يهود أوروبا إلى فلسطين واعتبارهم «أحفاد» العبرانيين.

كانت هذه الفكرة الصهيونية المسيحية تقوم على أساس أن «عودة» اليهود إلى فلسطين واعتناقهم المسيحية سيعجّل بالمجيء الثاني للمسيح بحسب العقيدة الألفية.

حارب معظم مفكري وحاخامات اليهود هذه الفكرة البروتستانتية واعتبروها معادية لليهود حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما اعتنقتها أقلية صغيرة وأسسوا على مبادئها الحركة الصهيونية اليهودية التي تحالفت مع الصهاينة البروتستانت، وإن استمر معظم اليهود في معاداة الصهيونية حتى الحرب العالمية الثانية.

تقول بأن الصهيونية تشترك مع اللاسامية في رؤيتها العنصرية ضد اليهود.. فسر للقارئ ماذا يعني هذا القول؟

تأسس الفكر اللاسامي على فكرة العرق البيولوجي التي سادت في منتصف القرن التاسع عشر مع الثورة في علم البيولوجيا واستخدامها لأسباب أيديولوجية لتبرير الاستعمار وفوقية العرق الأوروبي الآري على باقي شعوب الأرض، بمن فيهم يهود أوروبا.

وبينما كان معظم يهود أوروبا من الفقراء اعتبر الفكر اللاسامي أن كل اليهود من أصحاب البنوك والمرابين وبأنهم يعتاشون كطفيليين على حساب الشعب الآري. فكرة الطفيلية كانت تستخدم أيضًا لوصف شعوب أفريقيا والأمريكتين على أنهم يعتاشون من الأرض لكنهم لا يطورونها ولا يحسّنون فيها كما يفعل الأوروبيون بحسب هذا الزعم.

واستخدمت هذه الفكرة العنصرية من قبل اليهود الصهاينة أيضًا لوصف الشعب الفلسطيني بأنه عنصر طفيلي يعيش على أرض فلسطين ويعتاش منها دون أن يحسّنها أو يطورها، ما يبرر استعمارها.

قبِل اليهود الصهاينة بهذه التوصيفات لدرجة أن مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل وصف اليهود بـ«الشعب البرجوازي» وأيّد الفكرة اللاسامية القائلة بأنهم يعتاشون على حساب الأوروبيين المسيحيين، لكنه برر ذلك بأنه نتيجة وجودهم في الشتات، أما لو ذهبوا إلى فلسطين واستعمروها وطردوا العرب الفلسطينيين الذين حولوا «أرض الميعاد» إلى خراب بحسب طرحه العنصري، فسوف يتحول اليهود إلى شعب منتج ويطور فلسطين ويعيدها إلى بهائها المتخيل أيام العبرانيين القدماء.

كيف تفسر تحوّل اليهود من مُضَطهدين من الأوروبيين في الغرب تحت دعاوى المحرقة النازية إلى مضِطهدين للفلسطينيين منذ النكبة حتى الآن؟

تأسس التحالف بين الحركة الصهيونية والحركات اللاسامية والدول الاستعمارية على مبدأ العنصرية واللاسامية، أي أن الصهاينة، شأنهم شأن اللاساميين، اعتبروا أن وجود اليهود في المجتمعات المسيحية هو ما يتسبب بالمشاعر المعادية لهم وباللاسامية عمومًا، وليس العنصرية الأوروبية المسيحية، وبأن السبيل الوحيد لدحر اللاسامية عن طريق إزالة اليهود من داخل المجتمعات المسيحية ونقلهم إلى وطن قومي يعيشون فيه لوحدهم.

سيحول هذا المشروع، بحسب الحركة الصهيونية، «الشعب اليهودي» من حالته «اللاطبيعية» إلى حالة «طبيعية»، وهو ما سيحترمه مسيحيو أوروبا المؤمنين بالقومية حيث إن أحد الأسباب التي تشككهم باليهود هو «عدم ولائهم» لأوطانهم الأوروبية لأنهم، بحسب اللاسامية (والصهيونية)، ينتمون إلى شعب وقومية وثقافة ودين أصولها آسيوية من فلسطين (نسمع كلام مشابه اليوم من قبل عنصريي أوروبا عن مسلمي أوروبا).

بناءً عليه، استنتجت الحركة الصهيونية بأن اليهودي، مهما تأوْرَب، سيبقى دائمًا آسيويًا في أوروبا بينما يمكنه أن يصبح أوروبيًا فقط في آسيا. وهذا هو السبب في إصرار الصهيونية المؤمنة بالتفوق الأوروبي على أن تقوم دولة اليهود القومية الاستيطانية في فلسطين ولكن على أسس الثقافة الأوروبية المسيحية المعلمنة.

وهكذا، بينما بقي يهود أوروبا، بحسب هذه المزاعم، آسيويين يضطهدهم اللاساميون، في فلسطين أصبحوا أوروبيين وعنصريين يضطهدون الفلسطينيين الآسيويين بدورهم كما يفعل باقي الأوروبيين مع السكان الأصليين في المستعمرات.

يجب التنويه في هذا السياق إلى أن الصهاينة اليهود بدأوا باضطهاد الفلسطينيين منذ أواخر القرن التاسع عشر، أي قبل أكثر من ستة عقود من المحرقة النازية. وأغلبية اليهود الذين قتلهم النظام النازي لم يكونوا صهاينة، بل بقوا في أوروبا ورفضوا الصهيونية، أما من نجا منهم بعد الحرب فرفضت البلاد الأوروبية والولايات المتحدة استقبالهم، ما أدى إلى مجيئهم إلى فلسطين حيث استقبلهم الصهاينة ودربوهم على القتال ليخوضوا معهم حرب ١٩٤٨ وعلموهم اعتبار الفلسطينيين على أنهم أعداء اليهود لأنهم يهود (لا لأنهم يقومون باستعمار فلسطين)، شأنهم شأن النازيين. وقد قام الناجون من المحرقة بارتكاب أبشع المذابح بحق الفلسطينيين أثناء حرب ١٩٤٨.

توجد حالة حنين من قبل مثقفين عرب إلى اليهود العرب وينتقدون عبدالناصر مثلا بزعم تهجير اليهود المصريين.. بماذا ترد على هؤلاء؟

يعشق ليبراليو مصر (كما يعشق الكثير من الليبراليين العرب) المعادون لعبدالناصر الكوزموبوليتانية التي يدعون وجودها في مدن مثل الإسكندرية والقاهرة (وإن كانت الأولى تحظى باهتمام أكثر منهم) قبل اعتلاء عبدالناصر الحكم. فتراهم اليوم يحنون إلى الإيطاليين والأرمن واليونانيين واليهود، وبمقدار أقل بكثير، إلى الشوام المسيحيين، باعتبارهم أثروا الثقافة المدينية في هاتين المدينتين دون الالتفات إلى أي عنصر تاريخي أو تحليلي من منطلق سوسيولوجي أو اقتصادي لدور هذه الجاليات، ويلومون زورًا وبهتانًا عبدالناصر على «طردهم».

أولا ومن الزاوية التاريخية، لم يطرد نظام عبدالناصر إلا حَمَلَة الجنسيات البريطانية والفرنسية والبلجيكية من كل الديانات بمن فيهم اليهود إبان العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، وهو ما كان متعارف عليه بين الدول عندما تنشب الحرب بينها.

كان تعداد يهود مصر في الأربعينيات خمس وستين ألف شخص، يحمل أقل من نصفهم الجنسية المصرية. كثيرون من هؤلاء أتوا إلى مصر من تركيا و سوريا والعراق في أواخر فترة الحكم العثماني ومن أرجاء الامبراطورية الروسية إبان الحكم القيصري في أوائل القرن العشرين، ولم يكن أغلبهم يتكلم العربية باستثناء يهود العراق وسوريا. ما يعنيه هذا أنهم غادروا مصر بعد أقل من خمسة عقود على وجودهم فيها.

وكان الكثير من اليهود الأغنياء يحملون جنسيات أوروبية -بريطانية (كانت تحملها مثلاً عائلة شيكوريل المعروفة والتي كانت من أصول تركية سفاردية) وفرنسية وإيطالية وروسية وغيرها- كان بعض هؤلاء من الصهاينة وانضموا إلى الحركة الصهيونية مبكرًا وهاجروا إلى فلسطين قبل عام ١٩٤٨ وحاربوا في جيش العدو عام ١٩٤٨ وأسهموا في طرد الشعب الفلسطيني -كما هو الحال مع اليهودي المصري نداف صفران الذي اشتهر فيما بعد كأستاذ في جامعة هارفارد، وأقارب والدة المخرجة المصرية نادية كامل، مخرجة الفيلم التطبيعي «سلطة بلدي»، الذين يخبرونها في فيلمها الوثائقي بانتمائهم المبكر للعصابات الصهيونية وعن هجرتهم إلى فلسطين عام ١٩٤٦-.

بعد حرب ١٩٤٨، هاجر يهود مصريون خارج البلاد خوفًا من عواقب الحرب، لا سيما أن الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة نفذا تفجيرات استهدفت يهودًا مصريين في معابدهم ومحلاتهم. بعد العمليات الإرهابية لجواسيس إسرائيل في مصر عام ١٩٥٤ والتي عرفت بـ«فضيحة لافون»، والتي جندت إسرائيل فيها يهودًا مصريين لتنفيذ التفجيرات، وفي جو عصيب أثناء محاكمات الإرهابيين تعرض يهود مصر لمضايقات عدة، ورغم الجهد الواضح الذي بذلته الدولة حينها، لا سيما في خطابات عبدالناصر، للتمييز ما بين اليهود والصهاينة وعدم اختزالهما في بعضهما البعض كما تفعل الحركة الصهيونية.

في هذا السياق هاجر الكثير منهم -الأغنياء إلى فرنسا، الطبقة الوسطى إلى الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، والفقراء إلى إسرائيل- وفقراء اليهود كان معظمهم من اليهود المصريين الأقحاح، المعروفين بـ«القرّائين»، وليس من اليهود المهاجرين إلى مصر. بعد هذا وقبل العدوان الثلاثي على مصر، كانت هناك الغارة الإسرائيلية في عام ١٩٥٥ على القاعدة المصرية في غزة وراح ضحيتها ٣٨ جنديًا من الجيش المصري. ومن ثم أتى العدوان الثلاثي بمشاركة إسرائيل التي احتلت غزة وسيناء.

فمع تراكم الاعتداءات الإسرائيلية على مصر، هاجر معظم من تبقى من يهود مصر، لا سيما أن المضايقات التي تعرضوا لها في هذه الفترة نتيجة غضب الناس كانت مجتمعية. ولكن شاركت فيها أيضًا بعض مؤسسات الدولة، لا سيما في ختم جوازات سفر المغادرين بختم «بلا عودة»، وهو ختم استخدمته السلطات أيضا ضد مصريين مسلمين ومسيحيين شيوعيين على سبيل المثال بل إن هذه الأختام والإجراءات طالت في الغالب الأعم مصريين مسلمين ومسيحيين من المعارضين.

لكن لم يكن هنالك قرار بالطرد بتاتًا (من بين اليهود الذين غادروا إلى إسرائيل كان إيلي كوهين المولود في الإسكندرية، الذي أصبح فيما بعد جاسوس لإسرائيل في سوريا، وأعدِم في دمشق عام ١٩٦٥).

مسألة «طرد» اليهود من مصر بدعة صهيونية يسوق لها زمرة من المصريين الليبراليين الذين يعشقون ويتعاطفون مع يهود مصر الذين هاجر أغلبهم منذ ستين عامًا. يجب التنويه هنا أنه استجابة لطلب منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف السبعينيات، دعا نظام السادات (كما دعت أنظمة عربية أخرى) اليهود المصريين للعودة إلى مصر، لكنهم لم يلبوا الدعوة.

لو كان اهتمام هؤلاء المصريين الليبراليين بيهود مصر ينبع من زاوية إنسانية ولأنهم من المدافعين عن حقوق الإنسان كما يدعي بعضهم، فلماذا لم نسمع منهم أي كلمة أو بيان عن وضع فلسطينيي مصر؟ وتعدادهم تقريبًا خمسة وسبعين ألفًا، ولد أغلبهم في مصر، وكثير منهم ولدوا لأمهات مصريات، ومع ذلك يُحرمون من كل الحقوق القانونية التي حَرمهم منها أنور السادات في عام ١٩٧٨ بعد اغتيال يوسف السباعي (والذي اغتالته منظمة أبونضال المناهضة لمنظمة التحرير) عقابًا للفلسطينيين ولمنظمة التحرير على رفض معاهدة كامب ديفيد فيما بعد. فبينما كانت الحكومة المصرية منحت هؤلاء الفلسطينيين منذ عهد عبدالناصر حقوقًا كمقيمين في مصر دون منحهم الجنسية، عاملهم نظام السادات بعد عام ١٩٧٨ كأجانب وبدأت مؤسسات الدولة في عهد السادات ومبارك من بعده بمضايقتهم واضطهادهم.

لم نر لحد الآن لا روايات تتعاطف مع فلسطينيي مصر ولا أفلام يحتفي بها الليبراليون، بينما تفيض أسواق الكتب في مصر بروايات وكتب عن يهود مصر. يبدو أن عشق اليهود في بعض أوساط الليبراليين المصريين يخضع ربما لمعايير أخرى غير معايير حقوق الإنسان.

وهنا تجدر الملاحظة أن القاهرة اليوم مدينة كوزموبوليتانية بامتياز، لا سيما نتيجة وجود جاليات سورية، وعراقية، وسودانية، ويمنية، وجاليات من بلاد أفريقية أخرى غير عربية، ناهيك عن الفلسطينيين، ولكن لأن كل هذه الجاليات ليست من أصول بيضاء أوروبية وأغلبها ليس مسيحيًا، لا يعتبرها محبو الكوزموبوليتانية في مصر مصدرًا لإثراء ثقافة القاهرة.

كيف ترى إقرار قانون «القومية اليهودية» في دولة الاحتلال؟

هو أحدث القوانين العنصرية في إسرائيل التي تتعدى الخمسة وستين قانونًا حتى الآن والتي بدأ صدورها بعد إقامة المستعمرة الإسرائيلية على الفور. ويعزز القانون ما هو قائم بالفعل ولا يضيف عليه بالضرورة إي جديد من الناحية الجوهرية.

لكنه يكشف أن إسرائيل لم تعد تعير الفكرة الدعائية بأنها دولة «يهودية وديمقراطية» اهتمامًا، لا سيما مع ارتفاع نسبة الفلسطينيين وانخفاض نسبة اليهود في الأراضي التي تحتلها، ما نتج عنه الحاجة إلى القانون الجديد الذي يكرس العنصرية اليهودية بغض النظر عن عدد السكان اليهود ونسبتهم في إسرائيل. أي أن القانون اعتمد تحضيرًا لحل «الدولة الواحدة» كما هو قائم الآن مع بعض التعديلات، والتي سيبقى فيها اليهود أقلية ذات امتيازات عرقية.

كانت الدعاية الإسرائيلية عن ديمقراطية إسرائيل المزعومة تدعي دائمًا إن عدم منحها حقوق لفلسطينيي الضفة وغزة مبني على عدم استقرار وضعهم حتى يجري التوصل إلى «حلّ دائم». بما أن إسرائيل اليوم ترفض رسميًا السماح للسلطة الفلسطينية بإقامة دولة في الضفة وغزة وتكرس الوضع القائم كحل دائم، قررت إسرائيل بأنها ستبقى قائمة، مع الأراضي المحتلة تحت سيطرتها الدائمة، كدولة واحدة تضم كل الفلسطينيين في كل هذه المناطق دون حقوق كما هو الحال منذ خمس عقود، ما استدعى اعتماد القانون العنصري الجديد.

ما تقييمك لما يسمى صفقة القرن.. وما البدائل المطروحة أمام الشعب الفلسطيني حال رفض الصفقة؟

صفقة القرن التصفية الأخيرة للقضية الفلسطينية عبر القضاء على حق العودة أو حتى على تصنيف اللاجئين كلاجئين، والقضاء على استرجاع القدس أو أي جزء منها والاعتراف بها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، والقضاء على الأمل بالمساواة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل عبر قانون القومية الأخير بالإضافة إلى الاستمرار في الاستيطان وسحب أي التزام واضح أو مبهم بإقامة دويلة فلسطينية في الضفة الغربية.

تجدر الملاحظة بأن المفارقة هنا أن الصهيونية قائمة على مبدأ حق من تعتبرهم باللاجئين اليهود في أوروبا -باعتبارهم أحفاد العبرانيين زعمًا- بالـ«عودة» إلى فلسطين بعد ألفي عام وتنكر ذلك الحق على الفلسطينيين بعد ٧٠ عامًا فقط!.

تسعى صفقة القرن إلى القضاء على أمل مواطني إسرائيل من الفلسطينيين بإنهاء استعمارهم والتمييز العنصري ضدهم، ما سوغه قانون القومية اليهودي الأخير، والاستمرار باستيطان الضفة ومحاصرة غزة وإغلاق ملف القدس نهائيًا.

والصفقة تنص على أن كل هذه التدابير ستنهي ما يسمى بالصراع عبر تطبيعها للاستعمار الصهيوني كاستعمار أبدي يجب أن يكافأ بالتحالف والصداقة مع سائر الدول العربية. والبديل أمام الشعب الفلسطيني هو عدم الامتثال للصفقة وعدم التفاوض، والمقاومة بشتى أنواعها.

هل سلطة الرئيس عباس قادرة على إجهاض مخطط تصفية القضية الفلسطينية؟

سلطة الرئيس عباس أو من سبقه أو من يليه عنصر أساسي من مشروع تصفية القضية الفلسطينية. فقد بنيت اتفاقية أوسلو على هذا الأساس.

لقد قامت الجامعة العربية أصلًا بتمويل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس أن مهمة المنظمة هي تحرير فلسطين. وبعد حرب ١٩٧٠ في الأردن، في أوائل السبعينيات عندما كانت المنظمة تتضامن مع حركات التحرير العربية التي كانت تحارب الأنظمة العربية القائمة والتي كانت بدورها متضامنة مع المنظمة، بدأ التمويل الخليجي يزداد واشترط على المنظمة بأنها يجب أن تصوّب بنادقها تجاه إسرائيل وألا تصوبها تجاه الأنظمة العربية وأن توقف تضامنها مع الحركات الثورية في العالم العربي.

لكن هذا الترتيب انتهى بعد غزو صدام للكويت وموقف ياسر عرفات من الغزو. توقف التمويل الخليجي وغدت المنظمة مفلسة ماليًا حيث خسرت تمويل الأنظمة الخليجية والتمويل العراقي بعدما أصبح العراق تحت الحصار. حدث هذا بالتزامن مع سقوط الاتحاد السوفييتي وخسارة المنظمة حلفاء الكتلة الاشتراكية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني.

وفي ظل هذه التغيرات، استسلم عرفات لإسرائيل والولايات المتحدة ووقع اتفاقية أوسلو التي بموجبها جرى تمويل المنظمة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذين اشترطا على المنظمة ألا تصوب بنادقها لا اتجاه الأنظمة العربية ولا اتجاه إسرائيل، بل ضرورة تصويبها ضد الشعب الفلسطيني المقاوم.

وهذا هو الترتيب الذي ما زال قائمًا حتى اليوم مضافًا إليه التنسيق الأمني الذي تقوم به السلطة الفلسطينية مع جيش الاحتلال والذي قال عنه محمود عباس بأنه «مقدس». هذا ما يوضح بأن صفقة القرن في حقيقة الأمر ليست إلا المرحلة الأخيرة من اتفاقية أوسلو.

برأيك ما البدائل المتاحة أمام القيادة الفلسطينية غير طاولة التفاوض؟

البديل عن الخيانة هو عدم الخيانة والاستمرار في المقاومة! إن كانت المفاوضات المتاحة تفرض عليك التعاون مع العدو وأن تقمع مقاومة شعبك لصالح الاحتلال -تعاون كهذا يعتبر خيانة بالمفهوم القانوني في كل الدول، وليس فقط بالمفهوم الأيديولوجي- فعدم التفاوض هو بديل بحد ذاته.

طبعًا هنالك بدائل رئيسية مثل المقاومة السلمية والإضرابات والتظاهرات والاعتصامات أمام الحواجز الأمنية وأمام المستوطنات، إلخ.

لقد خلقت المقاومة الفلسطينية، العنفية والسلمية منها، في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حركة تضامن عالمية مع الشعب الفلسطيني امتدت من اليابان إلى الصين في شرق آسيا وإلى أفريقيا وأوروبا وإلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. فهنا مثلًا البديل عن المفاوضات مع العدو كان الحوار والتضامن مع حركات التحرر حول العالم.

هنالك أيضًا حركة المقاطعة الحالية التضامنية والعالمية التي أنجزت انتصارات مهمة في لفت نظر قطاعات شعبية مهمة -طلاب وأساتذة مدارس وجامعات وكنائس ونقابات عمالية- في أوروبا والولايات المتحدة وكندا لمقاطعة إسرائيل نتيجة جرائمها المستمرة.

بالطبع هنالك تاريخ مهم للمقاطعة منذ القرن التاسع عشر، في الولايات المتحدة ضد العبودية أو الفصل العنصري أو في إيرلندا ضد اضطهاد الفلاحين، أو في أوروبا ضد ألمانيا النازية وقوانينها العنصرية أو في جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، والتي كان لها صدىً كبيرًا ودورًا مهمًا في دحر النظام هناك.

يمنح القانون الدولي بالطبع الشعب الفلسطيني أيضًا الحق في المقاومة العسكرية للاحتلال العسكري وهو خيار يستخدمه الجناح العسكري لحماس لردع إسرائيل، بينما تقوم السلطة الفلسطينية باستخدام الخيار العسكري لا لمقاومة الاحتلال بل لتعزيزه ولقتل الشعب الفلسطيني وقمع مقاومته.

كيف ترى تديين الصراع وانحسار دور حركات العلمانية وتصدر الحركات الدينية للمشهد المقاوم؟ وهل تحتكر الحركات الدينية النضال الفلسطيني الآن؟

التديين هو صهيوني أصلًا حيث خلطت الحركة الصهيونية الدين بمشروعها الاستعماري منذ لحظة ولادتها.

الحركات العلمانية الفلسطينية للأسف فشلت فشلًا ذريعا وتعاونت أهمها، أي حركة فتح، كظهير للاحتلال.

الحركات الدينية الفلسطينية وطنية أيضًا واتخذت منذ بداياتها في الثمانينيات مواقفًا رافضًا للتعاون مع الاحتلال وبالاستمرار في المقاومة. لكنها لا تحتكر المشهد المقاوم. فحركة المقاطعة الفلسطينية والتي تأسست في الضفة الغربية من كل الأطياف السياسية في المجتمع الفلسطيني غير دينية الأسس وإن كانت وسائل مقاومتها مختلفة.

وصفت حل الدولتين بـ«المدمر على الشعب الفلسطيني» عام 2009. وفى ندوة بالقاهرة في 2016 قلت إن الحل يتمثل في دولة فلسطينية مستقلة وأخرى إسرائيلية غير عنصرية.. ما تفسيرك لهذا التراجع وما موقفك الآن من تلك المسألة؟

يبدو أنك أسأت فهمي. أنا لم أقل بتاتًا أن الحل يتمثل في دولتين. فأنا من مؤيدي الدولة الواحدة دون أي محيد. في بعض الأحيان يطرح بعض الصهاينة والليبراليون العرب أسئلة تزعم أن قيام دولة فلسطينية سيكون كاف لـ«حل الصراع» ومن بعدها يجب أن نقبل بوجود إسرائيل.

ردي على هذه الحجة أنه حتى لو أقامت إسرائيل دولة للفلسطينيين فلا يمكن الاعتراف بحقها في الوجود تحت أي ظرف من الظروف حيث أن أساسها واستمرارها كدولة استعمارية استيطانية عنصرية لا يتغير نتيجة إقامة دولة فلسطينية بجانبها، وبالتالي يجب تقويض كل قوانينها وهياكلها العنصرية التي تمنع عودة اللاجئين وتميز ضد مواطنيها العرب وتشرعن مشروعها الاستعماري، ما سيحولها على الفور إلى دولة ذات أكثرية فلسطينية، وهو ما سيؤدي إلى وجود دولتين فلسطينيتين –إحداها في الضفة وغزة والثانية على الأراضي التي احتلت عام ١٩٤٨. وفي حالة كهذه، لن يكون هناك داع لوجود دولتين بتاتًا.

 

ما أقصده في ردي هذا هو إغلاق الطريق على الحجة الصهيونية والليبرالية التي تطالبنا بالاعتراف بهذه الدولة الاستعمارية العنصرية إن أقامت دولة فلسطينية في الضفة وغزة. فإن كان من يرفض حجة ضرورة الدولة الواحدة يعتقد أن وجود دولتين هو الحل الأمثل، فجوابي يؤكد أنه في حالة كهذه لن تكون أي من الدولتين دولة يهودية استعمارية عنصرية، بل دولتين ديمقراطيتين ذواتي أكثرية فلسطينية. ما أقصده بالطبع إن حل الدولتين من هذا المنظور يصبح في آخر المطاف حل الدولة الواحدة.

وفي هذا الصدد، أجيب أيضًا على منظمة التحرير والمثقفين الفلسطينيين الليبراليين في الضفة الغربية الذين يطالبون بدولة لهم مقابل تخليهم عن حق فلسطينيي الشتات وفلسطينيي إسرائيل بإنهاء استعمارهم ومنفاهم (كأن هذا من حقهم!)، وبأنهم على استعداد للاعتراف بإسرائيل إن منحتهم دولة كهذه، بل أنهم في حقيقة الأمر اعترفوا بحق إسرائيل في الوجود منذ أواخر الثمانينيات دون أي مقابل.

دعني أكرر وأشدد على أن الحل الوحيد هو دولة واحدة مستقلة لا يمتلك المواطنون فيها امتيازات استعمارية وعرقية، بل دولة تقوم على إزالة آثار الاستعمار الصهيوني القانونية والمؤسساتية وتعامل جميع مواطنيها بالتساوي بعد أن تعيد لمن سرقت أراضيهم وممتلكاتهم حقوقهم.

هل النظام العربي الراهن يستطيع تأدية دوره في الصراع العربي الإسرائيلي؟

الدور المناط بالأنظمة العربية اليوم هو استعداء الشعب الفلسطيني ومحاباة إسرائيل. هذا الوضع تطور ليشمل بعض دول الخليج على عجالة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لا سيما مع العداء الذي تصاعد ضد النظام السعودي وأنظمة الخليج الأخرى في الإعلام الأمريكي وفي أروقة الكونجرس. أدى ذلك إلى لجوء بعض الأنظمة الخليجية إلى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كي تعبر عن محبتها لإسرائيل مقابل تدخل اللوبي لصالحها في الكونجرس وفي الإعلام الأمريكي كي يوقف حملته. وكان لها ما أرادت.

ومن هنا أصبحت بعض هذه الأنظمة المدخل الرئيس لصفقة القرن. بالطبع هذا لا يعني أنه قبل الفترة الراهنة لم تتعاون بعض الأنظمة مع إسرائيل، بل يعود التعاون إلى الستينيات في حرب اليمن عندما تعاونت إسرائيل مع أنظمة رجعية كي تهزم جمال عبدالناصر ومده الثوري ومعه الشعب اليمني. كما موّلت هذه الأنظمة أيضًا في السبعينيات الميليشيات اليمينية المسيحية اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل آنذاك.

الفارق اليوم أو منذ ٢٠٠١، هو أن هذه الأنظمة أصبحت أسيرة تحالفها مع إسرائيل كشرط مسبق لاستمرار تحالفها مع الولايات المتحدة وهو ما لم يكن عليه الوضع من قبل.

كيف ترى قضايا مثل التطبيع والمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل؟

المقاطعة الأكاديمية حركة تضامنية مهمة في أوروبا والولايات المتحدة، ناهيك عن العالم العربي والإسلامي، لا سيما أن الجامعات كانت من أهم المؤسسات التي كان يسيطر عليها الفكر الصهيوني ويحتكرها. أنهت حركة المقاطعة هذا الاحتكار.

المؤسسة الثانية التي يحتكرها الصهاينة هي وسائل الإعلام الغربية والتي يستمرون في احتكارها إلا أنهم فشلوا في احتكار وسائل التواصل الاجتماعي عبر العالم، وهذا إنجاز كبير لحركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وإن كان هنالك ليبراليون عرب متصهينون يحاولون احتكار هذه الوسائل في العالم العربي وإن لم يفلحوا في ذلك.

أخيرا.. هل هناك ثمة «حل ليبرالي» -لو جاز لنا التوصيف- للقضية الفلسطينية؟

الحل الليبرالي كان دائمًا حل الدولتين، وقد كلف هذا الحل منذ تبني قرار التقسيم في عام ١٩٤٧ وحتى اليوم مليارات الدولارات وآلاف القتلى وتعزيز الاستيطان.

وبعد أكثر من سبعة عقود على اقتراحه، فشل فشلًا ذريعًا ولم يتربح منه إلا الاستعمار الصهيوني والليبراليون العرب والفلسطينيون الذين لعبوا الدور الرئيس في قبوله -والأخيرون تربحوا ماليًا إضافة إلى تربعهم على السلطة في الضفة- بينما الأنظمة العربية التي قبلت به تمت مكافأتها بصداقة متينة مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تساعداها في قمع شعوبها.

إذًا، أدى حل الدولتين المقترح إلى تحويل حركة التحرير الفلسطينية إلى سلطة متعاونة مع المستعمر والمحتل وإلى تحويل فدائييها إلى جنود مرتزقة لإسرائيل يقومون بقمع شعبهم نيابةً عنها دون الحصول لا على دولة ولا حتى دويلة.

الحل العادل والوحيد هو إنهاء الاستعمار والعنصرية، أي أن على يهود إسرائيل أن يقبلوا أن الحل يكمن في سحب امتيازاتهم الاستعمارية والعرقية التي تكفلها لهم قوانين إسرائيل وفي تحويلهم إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع المواطنين غير اليهود، وهذا لن يحدث إلا عبر استمرار المقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني في كل المجالات المتاحة.