Menu
حضارة

الصين تتوسع اقتصادياً في الشرق الأوسط وأمريكا تتراجع

صنع في الصين

الهدف_الصين_وكالات:

مع الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الاقتصادية للعلاقات الدولية، والتي تتحكم بها المصالح المشتركة، تبرز أهمية "الاستثمار السياسي" بتحديد مواقف الدول من التطورات الاقليمية، في ضوء الصراعات القائمة وتحالفاتها.

يضاف إلى ذلك، تحديد أثمان تلك المواقف، التي تعكس تطوراً مهماً في تعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الدول المعنية.

وفي هذا السياق، يرى المراقبون أن التطورات في منطقة الشرق الاوسط تشهد تغييرين رئيسيين:

الأول، تراجع أهمية الموارد النفطية للمنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، مع ارتفاع إنتاج النفط الأميركي، بعد الاكتشافات الهائلة الجديدة للغاز الصخري، الذي تجاوز إنتاج روسيا والسعودية، وفق تقديرات شركة "بريتش بتروليوم".

يتزامن ذلك مع التحسن التدريجي المتوقع في العلاقات بين ايران والولايات المتحدة والدول الغربيه في أعقاب الاتفاق النووي المرتقب، والذي يساهم بدوره في التقليل من الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج العربية، في حسابات المصالح الاميركية، الأمر الذي قد يضطر معه صنّاع السياسة في واشنطن الى الاعتراف بأنهم لن يستطيعوا الإستمرار بالاعتماد على شركاء وحلفاء في منطقة متفجرة سياسياً وأمنياً.

أما التغيير الثاني فهو عكس الاول، ويبرز مع دخول الصين بقوة الى منطقة الشرق الاوسط التي تعتبرها أولوية استراتيجية في دعم استثماراتها الخارجية، ونمو اقتصادها، مع تصاعد نفوذها عالمياً، خصوصاً بعدما تمكنت الصين من تجاوز موقفها السياسي من الأزمة السورية ضد مقترحات جامعة الدول العربية، واستخدامها "الفيتو" مع روسيا ثلاث مرات في مجلس الأمن للحيلولة دون اتخاذ موقف ضد نظام بشار الاسد.

وفي هذا المجال، اعتبرت بكين أن موقفها تجاه الأزمة السورية اتسم بالثبات والموضوعية منذ البداية، مؤكدة ضرورة احترام رغبة الشعب السوري، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا.

ولأن الصين تسعى دائماً إلى ضمان حصتها من الطاقة، وهي تعتمد في ذلك على المنطقة العربية، فقد أعلنت مرارًا، عن تخوفها من الدخول في خلاف سياسي يتبعه خلاف اقتصادي مع دول الخليج، الغني بالنفط، مع التأكيد على أن جوهر السياسة الصينية، السعي إلى تحقيق التعاون في إدارة الشؤون الدولية، وأن موقفها يتلخص بضرورة التعاون والتفاوض لحل النزاعات.

وهكذا انطلقت الصين في استخدامها "الفيتو" في مجلس الأمن من استيائها المتزايد حيال ما تعتبره “سياسة أمريكية” تهدف حرمانها من الوصول إلى مصادر الطاقة في الشرق الأوسط.

ورغم أن "لفيتو الصيني" لم يكن فاعلاً، بل أنه جاء داعماً لـ "الفيتو الروسي" الذي كان يكفي وحده لتعطيل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأزمة السورية، غير أن معظم المسؤولين في الحكومات العربية وفي الإدارات والهيئات الاقتصادية، وصلتهم إيضاحات الموقف الصيني، من خلال زيارات بعض قياداتهم إلى بكين في 2013، ومن بينهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس اليمني عبد ربه منصور، والرئيس الفلسطيني محمود عباس ، والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، عندما كان ولياً للعهد، واخيراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ولكن مع ترحيب الجانب العربي بالجهود الصينية لتطوير التعاون بينهما، فإن معظم المسؤولين العرب وخصوصاً في دول خليجية، اعتبروا أن "لفيتو الصيني" مهما كانت أسبابه، فإنه موقف سياسي لا يرقى إلى مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، التي سجلت تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة.

مع بروز أزمة اليمن واحتدام الصراع السعودي الايراني، أصدر مجلس الأمن القرار 2216 الداعم لحملة "عاصفة الحزم"، بقيادة المملكة العربية السعودية، وتأكيد الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصورهادي، ضد الحوثيين وقوات المخلوع علي عبد الله صالح، وذلك بتأييد 15 صوتاً بينها الصين، وامتناع روسيا عن التصويت، وقد اتخذ القرار تحت البند السابع.

ولوحظ ان الموقف الصيني المؤيد والداعم للموقف السعودي، كان كافياً لدخول الصين من الباب الواسع الى منطقة الشرق الأوسط لتحقيق أهدافها الاستراتيجية ودعم نفوذها العالمي.

وفي مطلع يونيو الجاري، حصلت الصين على ترخيص بانشاء فرع مصرفي للبنك الصناعي والتجاري الصيني المحدود في الرياض، وهو آكبر مصرف في الصين، وسبق له ان افتتح فروعاً له في دبي وأبو ظبي والدوحة و الكويت .

ولم يلتفت الصينيون الى جملة الأحداث السياسية المضطربة، التي تعيشها دول الخليج والتمدد الإرهابي في كل من سوريا والعراق واليمن، بل أقدموا على خطواتهم المصرفية، مؤكدين (كما قال نائب رئيس البنك غوشو) ان السعودية هي الشريك الاكبر للصين في المنطقة العربية، ووجهة استثمارية مهمة، وسوقاً للتعاقد على المشاريع الكبرى، وأن فرع المصرف في الرياض سيسعى ليكون جسراً ورابطاً للتبادل الاقتصادي والتجاري، بين البلدين والمنطقتين.

وتبرز أهمية البنك الصناعي والتجاري الدولية، واستراتيجيته في التوسع العالمي، كونه يملك شبكة تشمل 41 بلداً ومنطقة في أنحاء العالم، ولديه 338 شركة تابعة، ويغطي خدمة عالمية تشمل بلدان آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينيه وأوروبا وأستراليا، تؤدي روابط استثمارية وتجارية مع الصين، وإضافة الى ذلك يولي البنك اهتماماً كبيراً لتوسيع نشاطه التجاري والاستثماري في منطقة الشرق الاوسط.

وتحرص الصين في خططها الاستراتيجية، على الاستفادة من الدخول في استثمار مشاريع عملاقة في المنطقة العربية، وهي تواكب باهتمام كبير نتائج الخسائر الاقتصادية للصراعات القائمة، والتي قدرت باكثر من 900 مليار دولار.

 واذا كانت المنطقة، تحتاج الى 450 مليار دولار لاستثمارها في البنيه التحتيه،  قبل الربيع العربي، فقد ارتفع هذا المبلغ الى اكثر من 700 مليار دولار، مع بنهاية 2014، وهو مرشح للارتفاع مع تطور الحروب الأهلية والقتال ضد الارهاب.

في اطار تعزيز التعاون المصرفي والاستثماري بين الصين ومنطقة الشرق الاوسط، تم الاتفاق بين اتحاد المصارف العربية وحكومة مقاطعة نينجا الشعبية الصينية، ممثلة بنائب حاكم المقاطعة، وانغ هيشان، على عقد مؤتمر مصرفي عربي صيني في سبتمبر 2016، في المقاطعة، بالتعاون مع البنك المركزي الصيني، وذلك لبحث تنسيق العلاقات المصرفية العربية الصينية، والتشريعات التي تحكمها، والتسهيلات القانونية المحفزة، لفتح فروع للمصارف العربية في الصين.

وتبرز أهمية الاستثمار المشترك بين العرب والصينيين، في الوقت الذي تواجه فيه الاستثمارات العربية مأزق ايجاد مناطق استثمارية واعدة، مع استمرار تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وركود اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء المانيا، واستمرار الاضطرابات الامنية والسياسية، في منطقة الشرق الاوسط، ويلاحظ أن بعض المصارف الخليجية ترى أن الصين تتفوق على أوروبا والولايات المتحدة كوجهة مفضله للعمل المصرفي.

ويبدو ان استراتيجية بنك أبو ظبي الوطني للتوسع، تعد آسيا موطن أكثر الاقتصادات النشطة والقوية، في العالم، ولذلك افتتح فروعاً في: هونغ كونغ، وهي بوابة آسيا التجارية، وماليزيا وهي أحد المراكز التجارية جنوب شرق آسيا، ومكتب تمثيلي في شنغهاي، ويعتزم البنك ايضاً افتتاح فرع في مومباي في الهند خلال العام الحالي.

وقد أسس الصينيون مصرفاً لتمويل البنى التحتية، في آسيا برأسمال 100 مليار دولار، دفع منه 50 ملياراً، وفتح المجال للاشتراك في المصرف لأطراف خارجيين، فأعلن البريطانيون نيتهم المشاركة، إضافة الى عدد من البلدان العربية.

واذا كان لدى الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث يبلغ دخلها القومي 10.4 تريليون دولار، بعد الولايات المتحدة التي يبلغ دخلها القومي 17.4 تريليون دولار، فلديها قدرة شرائية توازي أكثر من 15 تريليون دولار، ولديها ايضاً احتياطي عالمي من العملات والذهب يقدر بـ 3.7 تريليون دولار، منه نسبة الثلث موظفة في سندات الخزينة الأميركية، مع العلم اأنها تسعى الى تخفيف اعتمادها على الدولار، بعدما اصبحت العملة الصينية تغطي نحو 9 في المئة من حركة التجارة العالمية.

في مؤتمر لرجال الأعمال العرب والصينيين، عقد في 26 مايو 2015 في بيروت، أطلق الجانبان "بناء حزام اقتصادي لطريق الحرير"، بتنظيم من الاتحاد العام للغرف العربية والامانة العامة لجامعة الدول العربية، وقد تم الاتفاق على إقامة "ندوة الاستثمار للتعاون العربي الصيني" في الصين عام 2017.

وأكد المشاركون في المؤتمر وعددهم ناهز 700 مستثمر عربي وصيني، التزامهم بطريق الحرير الجديد الذي ينتظر أن تتطور معه العلاقات الاستراتيجية بين الصين والعالم العربي، الى مستويات تاريخية جديدة، ومن شأنها أن تؤدي الى زيادات غير مسبوقة في معدلات النمو، كما ستخلق إمكانيات لا متناهية من فرص العمل الجديدة.

وشددوا على بذل الجهود لتذليل الصعوبات والمعوقات التي تواجه التعاون التجاري والاستثماري، داعين الى تبادل التسهيلات اللازمة للقطاع الخاص في الدول العربية والصين.

كما أشادوا بالجهود الرسمية المشتركة التي نجحت في إنجاز مجموعة من الاتفاقيات بين الدول العربية والصين خلال العامين الماضيين، وكذلك بانضمام عدد من الدول العربية الى البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية.

واتفق الجانبان على ضرورة زيادة التعاون في المجالات التالية: لوجستيات النقل البري والسككي والبحري والجوي، والتجارة، والصناعة، والزراعة والأمن الغذائي، والمصارف، والسياحة، والطاقة والطاقة المتجددة، والبنى التحتية.

 وأكدوا على ضرورة الإسراع بالمفاوضات بشأن إقامة منطقة تجارة حرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، تمهيداً لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول العربية والصين، وذلك تسهيلاً لتنقل السلع وتوفير المزيد من الفرص التجارية للشركات لدى الجانبين.

ويركز الصينيون على تنفيذ الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، لما تمثله منطقة الشرق الاوسط استراتيجياً في الاقتصاد العالمي، فقد طرحت القيادة الصينيه فكرة إنشاء طريق حرير بري جديد يعبر قارتي آسيا واوروبا، وكذلك طريق حرير بحري يربط المحيط الهادئ بالمحيطين الهندي والأطلنطي، بحيث يلتقي الطريقان عند منطقة الشرق الاوسط، الأمر الذي يمنح الدول العربية أهمية خاصة بالنسبة لاستراتيجية الانفتاح والتنمية التي تنتهجها الصين.