Menu
حضارة

بابلو نيرودا.. كتب وروى العالم حُبّاً وثورة

بوابة الهدف - وكالات

يُقال اننا ولدنا للسبب. ويُقال اننا نخلق سبب وجودنا. يُقال انه لا قيمة لوجودنا دون هدف. ويُقال ان هدفنا محددٌ مسبقاً بقدرات ماورائية لا حيلة لنا فيها. بين القيل والقال، ولد بابلو نيرودا في بارال في تشيلي، وعاش حيوات مختلفة، كعاشق وسياسي وثوري وشاعر وديبلوماسي، واوصى ان يعود ليدفن في ايسلا نغرا. على بعد قارات، كتب شعراً غمر فيه العالم، وحصد جائزة نوبل للآداب عن مجمل اعماله عام 1971. كتب لماتيلد، فعشقته نساء في ارجاء المعمورة، كل واحدة منهن لبست ثوب ماتيلدا. ولما لا، "فالشّعر ملك لمن يحتاجه" وفق ما جاء في فيلم "ساعي البريد". هناك نيرودا واحد، وملايين من النساء، فبات شعره ملكهن جميعاً. كتب كثيراً عن الحب، وأحبَّ كثيراً ايضاً، إلا ان ماتليدا كانت ملهمته الأساس، هي التي ادركت أن ما بحث عنه طوال حياته هو شيئٌ من الحبِّ والقليل من الاهتمام، فكتب لها "مئة قصيدة حب". 

جاء في هذه القصائد: لا احبكِ كما لو انكِ وردة من ملح/ او حجر ياقوت، او سهم من قرنفلات تشيع النار/ احبكِ مثلما تحب بعض الأمور الغامضة/ سراً، بين الظل والروح/ احبكِ مثل النبتة التي تزهر/ وتخبىء في داخلها ضوء تلك الزهور/ وبفضل حبكِ يعيش معتماً في جسدي/ العطر المكثف الطالع من الارض/ احبكِ بلا مواربة، بلا عُقد وبلا غرور/ هكذا احبكِ لأني لا اعرف طريقة اخرى/ غير هذه، دون ان اكون او تكوني/ قريبة حتي ان يدكِ على صدري يدي/ قريبة حتى اغفو حين تغمضين عينيكِ.

طغى على اشعاره شفافية وصدق جعلها قريبة من القارىء، فاستعان بالرموز النمطية للجمال (القرنفل، والياقوت)، في محاولة لاشراك القارىء بمراحل الكتابة، ليضع امامنا قوة مشاعره وضعفه في ايجاد التعبير المناسبة عنها. في النهاية، يستسلم نيرودا لعدم ايجاده الطريقة المناسبة لمقارنة حبه لها، لذلك بدلاً يستسلم ويقول الشيء الأكثر صدقًا: أحبك بطرق لا أفهمها حتى، لكني سأحب الطريقة الوحيدة التي أعرفها.

من الحب الى السياسية، غدت اشعاره المقاومة ملك كل حركة ثورية ومقاومة في العالم، حتى بات الشاعر الشيوعي الأكثر شهرة وحباً بين رفاقه. هذه الرغبة بالاستحواذ التي لطالما تشبث بها الشيوعيين، لعلها سِمة أو آفة، إلا انها واقع، تؤطر الأفراد وانتاجهم ليوافق احتياجاتها الضيقة احياناً، فيختزل نيرودا بقصيدة "الشيوعيون"، لكنه كتب ايضاً "عشرون قصيدة حب واغنية يائسة" (1924).

هو المتطرف في السياسية كما في الحب، قاده فكره من تشيلي الى الارجنتين ومنها الى المكسيك، فاسبانيا، وفرنسا كقنصل لبلاده، ومنها هارباً الى ايطاليا، وبعدها عاد الى تشيلي عام 1953 فبرز الى جانب صديقه الرئيس السابق سيلفادور الليندي، بعد ان تنازل لأجله عن ترشحه للرئاسة، وكتب "السير، السير الى الامام/ مثلما يتقدم النهار/ فالرئيس هو سلفادور الليندي/ كل انتصار هو قشعريرة عظمى/ اذ حين ينتصر الشعب/ فذلك يعني عمود الماء الذي يكسر/ قمة الشهوة." وبقي الى جانبه الى حين قيام الجنرال بينوشيه بانقلابه الشهير، فكانت محطته الأخيرة في المكسيك، حيث توفي بعد عدة ايام بمرض السرطان، وفق ما قيل حينها. 

لم يستطع سلخ نفسه عن الأحداث الضخمة التي عايشها، منذ شبابه نشط وكتب في الحركة الطلابية الثورية في تشيلي، تحدياً للارستقراطية الحاكمة. خلال الحرب الباردة في تشيلي في عام 1947، انقلب غابرييل غونزاليس فيديلا، رئيس البلاد ضد نيرودا والآخرين الذين ساهموا في انتخابه. فسنَّ إجراءات قمعية ضد العمال واليسار، وأغلق الصحف الشيوعية وسجن ثلاثمائة من عمال مناجم الفحم المضربين في جزيرة باتاغونيا، وأرسل قادة عماليين وغيرهم من "المخربين" إلى معسكر اعتقال عبر كابتن في الجيش يدعى أوغستو بينوشيه. وندد نيرودا، وهو كان عضو في مجلس الشيوخ في ذلك الوقت بالوضع، من خلال كتاباته وأفعاله. ورفع صوته في قاعة مجلس الشيوخ قائلاً: "حتى الكونغرس يخضع للرقابة. لا يمكننا التحدث الآن... لقد وقعت جرائم قتل في منطقة استخراج الفحم!". لم يسمع غونزاليز فيديلا أكثر من ذلك. واتهم نيرودا بالخيانة وأمر باعتقاله، مما دفعه إلى الانتقال الى الارجنتين. 

في مدريد، شكل مع اصدقائه تحالف المثقفين المناهضين للفاشية وكانوا مصممين على ممارسة فكرهم وإبداعهم دعماً للجمهورية. أحضروا المسرح الشعبي إلى الناس، من مسرحيات سرفانتس إلى لوركا، حيث تبنى الناس أيديولوجيتهم، فنشطت الثقافة في وقت محبط. كما نشر التحالف مجلة صغيرة، كتبت في المقام الأول للجنود الجمهوريين. كان أحد أعضاء الوحدة يقرأها بصوت مرتفع لأولئك الذين كانوا أميين. كانت قائمة المساهمين استثنائية، بما في ذلك أنطونيو ماتشادو ورافائيل ألبيرتي.

المقاومة شكلت المحرك الاساس لحركات الشيوعية في العالم في اربعينيات القرن الماضي، فكان نيرودا ابرز من عبّر عنها، خاصة بعد مقتل صديقه الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا على يد عصابات تابعة لفرانكو. الأخبار هزُت نيرودا في القلب. فبالإضافة للرّعب بعد اغتيال أحد أصدقائه، كان موت لوركا يمثل شيئًا أكثر من ذلك: كان لوركا تجسيدًا للشعر. كان الأمر كما لو أن الفاشيين اغتالوا الشعر نفسه. لقد وصل نيرودا إلى لحظة لم يعُد فيها أي مكان للتراجع. كان شعره يتحول علناً. كان عليه أن يتصرف. الكلمات الجريئة المتكررة والصور الواضحة والحيوية تخدم الآن هدفه: أن ينقل قلبه المنهمر، وأن ينقل الحقائق التي كان يختبرها بطريقة يمكن أن يفهمها جمهور واسع على الفور. فكتب 21 قصيدة كرد فعل في كتابه "اسبانيا في القلب". وكتب للوركا في "نشيد لفيدريكو غارسيا لوركا": "لأجلك صبغوا المستشفيات بزرقةٍ/ والمدارس، والسواحل البحرية تنمو/ والملائكة تحشو جراحها ريشاً/ وبتول السمك يتغطى بحراشفه/ والقنافذ البحرية تحلق نحو السماء/ لأجلك محلات الخياطة بأقمشتها السوداء الرقيقة/ سوف تمتلىء ملاعق، تمتلىء دماءً/ ولسوف يبتلعون شرائطهم الحمراء الممزقة/ ويقتلون أنفسهم بالقبل/ ويتشحون بعد ذلك بالبياض".

من مدريد انتقل الى فرنسا، حيث ساهم بانشاء تجمع ضخم للكتاب للتعبير عن التضامن مع "الجمهورية". وكان من بين المشاركين إرنست همنغواي ولانغستون هيوز. حينها قال وزير خارجية شيلي إنه "لا يوافق" على أنشطة نيرودا الحزبية في فرنسا، فأعطي اليه الأمر للبقاء في المنزل.

سخّر نيرودا شعره للثورة على الفاشية والظلم والطغيان، لكن هل يمكن ان يكون الشعر اليوم سلاحاً فعالاً ضد اشكال القتل البربري والبطالة والفقر واللاعدالة المنتشرة في العالم؟ لعلَّ ابرز وصف لهذا الواقع ما كتبه نيرودا في قصيدة "انني اشرح بعض الامور"، فقال " ستسألون لماذا لا تحدثنا اشعاره/ عن حلم الاوراق/ عن البراكين العظيمة في موطن ميلاده؟/ تعالوا وانظروا الدم في الشوارع". الحقيقة القاسية هي أن قصيدة واحدة وحدها لا يمكن أن تحمي الحالمين من الترحال والهروب من قساوة الحروب أو كبح جماح رئيس ظالم. إلا انه يمكن العودة لقناعة نيرودا انه يمكن الانتصار عبر جهد تراكمي جماعي. 

ترحاله المتعدد في حياته، خيم ايضاً بعد مماته، حيث انتقلت رفاته بين اربع قبور، فاول مرة دفن في سانتياغو عام 1973، بعد عام نقل الى مكان آخر في المقبرة نفسها تحت طلب شقيقاته، وفي عام 1992 نقلت رفاته ورفات زوجته ماتيلد اوروتيا الى ايسلا نيغرا، فيما اعيد دفنه عام 2016 بعدما نبشت رفاته عام 2013 للتأكد من اسباب موته، فبعدما اشيع اثر موته انه كان مصاباً بسرطان البروستات، أكد سائقه في تلك الفترة مانويل ارايا ان نيرودا توفي جراء حقنة عشية سفره الى المكسيك.

في وداعه الأول، بحسب ما جاء في كتاب البيرتو توكونتي،"امام ضريح عائلة ديتبوران، ران صمت، بدد قليلاً ازيز آلات التصوير السينمائية. وبقي نفس الصمت سائداً عندما ألقى ثلاثة كُتّاب وامرأة خطبهم بلا مكبر للصوت. ووقف طالب شاحب يحمل ورقة منتزعة من دفتر مدرسي، ترتجف بين يديه، قرأ قصيدة الوداع لنيرودا، لقد كتب القصيدة في ذلك الصباح، كانت قصيدة رائعة. عند ادخال التابوت موضعه وسط وابل من الأزهار انفجرت الصرخة لنيرودا من جديد. وفجأة، صاح آخر بشكل غير متوقع: - ايها الرفيق سلفادور الليندي. كانت تلك هي المرة الأولى التي يصرخ فيها باسم الليندي في سنتياغو بعد موته. واجابت جوقة واسعة: - نعم".

المصدر: غادة حداد - النداء اللبنانية