Menu
حضارة

عن الإعلام والمقاومة

الجماهير هي الحاضنة الطبيعية للأجسام المقاومة من فصائل وأحزاب وتشكيلات، كما أنها مادة الاشتباك مع العدو المحتل، وفي حالتنا العربية عمل العدو على خلق شرخ بين هذه الجماهير والمقاومة، ووظف في ذلك منظومة دعائية هائلة، وانضمت له مجموعة من المنظومات الاعلامية العربية الممولة من دول وأنظمة متحالفة مع العدو، لتغرق الساحة العربية الإعلامية بخطاب خَطِر، وتدمر فرص نهوض إعلام عربي تحرري.

وعينا جيدًا سيرة النظم البترولية في شراء الأقلام العربية، واستخدامها في المنافحة عن هذه النظم، والهجوم على الثورات والتجارب التحررية، ولكننا اليوم أمام سياق أكثر خطورة، باتت فيه هذه النظم توظف موازنات ومنظومات بأكملها لابتياع الأقلام العربية، وإغلاق حيز الكتابة أمام أي كاتب أو نص أو موقع لا يتماثل مع دعايتها، هذه المنظومة شككت بالمقاومة وجدواها، وحرضت لأجل الاقتتال الطائفي، وزيفت الحقائق، ونشرت الأكاذيب، بل وباتت اليوم تمد تأثيرها لمجال الإعلام الافتراضي الذي يفترض أنه حر نسبيًا، فضخت الأموال لشراء النشطاء والمدونين وتجنيدهم في جيوشها الإعلامية، وفي هذه المنظومة لا يهم ما هي قناعاتك السابقة، أو ميولك الفكرية، فما عليك إلا أن تطيع الأوامر وتردد حسبما تأمرك المنظومة.

اليوم نرى مشهد إعلامي عربي لم تعد فيه إلا مساحات ضيقة ومواقع وصفحات محدودة تقبل من كتَّابها أن يعبروا عن وجهة نظرهم، ولم تعد القضية هي الدفاع عن المقاومة فحسب، ولكن الدفاع عن حقك في قول كلمتك ولو على هامش بسيط، فإمَّا أن يهتف الصحفي مع منظومة البترودولار بشقيها المتحالفين / الشريكين مع الكيان الصهيوني أو أن يقاطع وينبذ، ومن يرفض هذه المعادلة هم بالفعل قلة قليلة.

بالمقابل إذا تحدثنا عن الإعلام المقاوم فنحن نتحدث عن منظومات مجزئة وغارقة بالضعف، تفتقد لأدوات الاستقطاب للأقلام الجيدة، وتعاني الأمرّين لمُواكبة أدوات العصر الحديث في المجال الإعلامي. هذه المساحة الإعلامية المقاومة الموزعة حزبيًا لا زالت في معظمها تعجز عن مقاربة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للأزمة السياسية العربية، وإن استطاعت تقديم شيء فمعظمه يبقى أضعف من مقارعة الآلة الإعلامية المُعادية.

ما نستطيع اليوم فعله في مواجهة وحش إعلامي يسلّط مخالبه على مقاومتنا ووجودنا، هو اتخاذ خيار بالمواجهة على كامل الساحة العربية، دون ارتباك أو مُهادنة، وهو ما يتطلب نقاش جدي حول وظيفة وأدوار الاعلام المقاوم وبناه وهيكلياته وعلاقته بالجماهير، فإعلامنا المقاوم أو التقدمي لا زال بعيد عن أن يكون إعلام المواطن من حيث الأدوات أو طرق العمل، وبالمُعادلة الحالية فإن حركة التحرر تخسر في جبهة مهمة أمام أعداءها، هذه دعوة ونداء للاجتماع والتحاور والبحث والتقرير في أساليب وأدوات المواجهة الضرورية، فمحظور أن نقبل بهزيمة الانسان أمام النفط والدولار.