Menu
حضارة

سياقات التطبيع: تحالف مع العدو

السلطان قابوس ونتنياهو

خاص بوابة الهدف

لا يمكن تفسير الاندفاع الخليجي نحو التطبيع بمؤامرة صهيونية دُبرت بليلٍ، أو سقوط وخيانة بعض الحكام الأفراد، بل إن هذا سياق شامل تنجرف له نظمٌ ونخبٌ حاكمة؛ فلم يجلس قابوس، مع محمد بن زايد، وتميم بن حمد، ليخططوا لاستقبال الوفود الصهيونية، والمضي قدماً في خطوات فتح أبواب الخليج المُشرَعة منذ سنوات أمام الاختراق الصهيوني. 

من يتابع حالَ نخب هذه النظم ومسارات عملها وما تكتبه صحافتُها ومراكز أبحاثها، يوقن أن هذه الشريحة وصلت لقناعاتٍ حقيقية بالتعاون مع الكيان الصهيوني والعداء لحقوق الشعوب العربية، على أساس تصنيفٍ موضوعي (طبقي) لمصالحها، قائمٌ على إدراكها لعدائها تجاه شعوبنا. أي ببساطة لقد أدرك هؤلاء أنهم أعداء لهذه الشعوب بممارستهم وطرق حكمهم الظالمة، وأساليب قمعهم الوحشي، وتبعيتهم للغرب الاستعماري، وخيانتهم لقضية العرب الأولى (القضية الفلسطينية)، وإن فرص بقائهم على كراسي عروشهم، كما حِفظِ رؤوسهم، مرتبطٌ بتحالفهم مع العدو الأساسي لهذه الأمة: العدو الأمريكي- الصهيوني. 

معظم المؤشرات تؤكد ذهاب النظم العربية نحو تشكيل تحالف كامل مع الكيان الصهيوني، بل والأسوأ من ذلك، أن هذا التحالف قد يكون له وجهٌ عسكري واضح، يتطوع فيه العرب لخوض الحروب دفاعاً عن الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما تبرعت الإدارة الأمريكية بالحديث عنه علانية وبوضوح كامل، بل والأغلب أن التنافس الأساسي بين الدول الخليجية المتحالفة والمتصارعة في المرحلة المقبلة، سيكون على نسج العلاقات مع الكيان الصهيوني وتوطيدها، فهذه البوابة المثالية للحصول على الرضى الأمريكي، لبقاء هؤلاء الحكام في قصورهم وعلى كراسيهم، وبقاء الشرائح والنخب المحيطة بهم في دوائر الرضى الأمريكي والصهيوني.

ولأن القيمة الأساسية لأي سرديةِ أو تفسيرِ تأتي مما يترتب عليها، لا بدّ لنا هنا من الانتباه لما يترتب على ما سبق، فقد خسرنا -نحن أبناء هذه المنطقة- شرائحَ ونخبَا قياديةً، تعلمت وتدربت وارتقت علمياً ومعرفياً وسياسياً بأموال ومقدرات هذه الأمة، والأنكى أن هذه الشرائح المُستنخبة، باتت تحتجز شعوبًا بأكملها في معسكر التطبيع والتعاون والتحالف مع الكيان الصهيوني، ولقد باتت مهماتنا التحررية الوطنية والقومية، أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى، ما يُلزمنا بالفعل لأن نذهب نحو استراتيجيات أكثر عمقاً وإدراكاً لواقع الحال، وضرورة التكامل في هذه المعركة المتشابكة مع معسكر الأعداء، الذي يوحد ويرص صفوفه في كل يوم، فيما نمضي نحو مزيد من الفرقة في ساحتنا الفلسطينية، وتبقى حدود التنسيق والعمل المشترك بين قوى المقاومة في هذه المنطقة محدودة وهشة بالفعل.

الأمانة التاريخية تقتضي اليوم اتخاذ كل الأسباب الضرورية لمواجهة هذه السياقات الخيانية، وضرب جذورها وقواعد تطورها، واستئصال أسبابها، في وقت نخوض فيه مواجهتنا مع العدو الصهيوني وشريكه الأمريكي، وهو ما يعني حتماً ضرورة إدراك أننا نخوض معركة شاملة وكاملة في هذه المنطقة لا مجال لفصل مساراتها، وعليه؛ إما أن تكون المقاومة شاملة أو لا تكون، فالتحدي قائم والمسؤولية تاريخية.