Menu
حضارة

بعد التحرير!

خاص بوابة الهدف

قد يبدو الحديث عن شكل بلادنا بعد التحرير ضربٌ من الجنون في هذا الوقت، الذي تبدو فيه عوامل الإحباط أكثر بكثير من عوامل التفاؤل، ولكن قد يكون البحث عن أمل في مستقبل أفضل هو الدافع الأهم الذي يتحرك بوحيه البشر ويخوضون التحديات والصعاب، وأيضاً هذا كله يبقى كلاماً معنوياً والمقصد من السطور الموضوعة بين أيديكم مختلفٌ عن ذلك.

في الواقع، إنّ فرضيتك بشأن المستقبل الذي ترغب به هي التي تحدد مسار عملك الحالي، وخطواتك الاستراتيجية أو حتى التكتيكية البسيطة، لهذا يبدو من المهم اليوم أن لا نكتفي بالمناقشات الموضوعية حول ما سنفعله إزاء التحديات المباشرة والمهمات العاجلة، ولكن أن نُبقي أعيننا عند كل إجابةٍ نقدمها على أسئلة الصراع اليومي، على رؤيتنا للصراع بشكل كلي وتصورنا لنهايته، ومستقبلنا من بعده. إذا قُيّض لنا النصر على عدونا ذات يوم، هل سنعيد ارتكاب ذات المجازر التي ارتكبوها بحقنا؟ هل سنردّ لهم الصاع ونضعهم في السجون والمعازل؟

قد تبدو هذه الاسئلة الآن ترفًا كبيرًا، ولكنها بجانب أسئلة أخرى كثيرةٍ تحدد كيف يجب أن نخوضَ المعركة اليوم وبأيّة أدوات؟ وما هو المسموح لنا في خضم هذه المعركة وما هي المحظورات؟ وطنيًا لا نمتلك خيالًا حقيقيًا يصف فلسطين المحررة ونمط حياتنا فيها، باستثناء تلك الإشارات المحدودة والعامة في البرامج السياسية لبعض الفصائل، فهل سنسمّيها جمهورية؟ هل سيكون لدينا نظام ديموقراطي؟ ما هو نظامنا الاقتصادي؟ هل سنتسامح مع العنصرية أم ننحاز لإنسانيتنا؟ هل سنقبل لاجئين؟

في الواقع إن طرح هذه الأسئلة مجدداً ليس ترفًا، ولكن مجرد رسالة حول ضرورة إدراكنا لما نقاتل من أجله، حول ضرورة التبصر الجيد والعميق في حلمنا ومستقبلنا المشترك كفلسطينيين، كحافز ضروري للعقل والقلب والأمل، كي لا يبقى التحرير مجرد أفق بعيد لا نعرف ما يَخفى بعده، بل هو حلم مكتمل الأركان مكسوٌ بالتفاصيل الجميلة، وفوق هذه التفاصيل قيمٌ يجب أن تحكمنا منذ اليوم وتجيبنا على السؤال الأكبر، لماذا نقاتل هذا العدو؟

إن الاجابة التي تقترحها هذه السطور؛ أننا نقاتل هذا العدو لأننا سننشئ كيانًا أفضلَ، وسنكون أفضل لعالمنا، ولمحيطنا من شعوب المنطقة، وللبشرية جمعاء، لن نكون جزءًا من أيّة منظومة استغلال، ولن نطور أسلحة دمار شامل ومنظومات أمنية لإخضاع الشعوب، سنقيم فلسطيننا الجميلة المزدهرة التي يحميها أبناؤها لأنهم يحبونها، وليس لأنهم أُمروا بذلك، لن نعتدي ولن نجبُن عن ردّ أي اعتداءٍ، هكذا سنعيش قبل التحرير وخلاله وبعده، سنعيش لنكنُسَ الكيان الصهيوني ولنجعل العالم مكانًا أفضل للجميع.