Menu
حضارة

خاصمن 2014 إلى 2018: غزة بين تهدئتين

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

لا يبدو أن الهدوء (إذا كان يمكن فعلا تسميته هدوءا مع عشرات الجرحى الفلسطينيين) في الجمعة الأخيرة كان مفاجئا للطرفين الصهيوني وحماس، إذ أصبحت الوقائع تبدو أكثر فأكثر كلعبة الكراسي، يتبادل فيها اللاعبون الأدوار ويتكاملون معا، وكل منهما بحاجة للآخر لكي تكون اللعبة ذات معنى.

هل هي الضغوط المصرية التي أدت بالطرفين إلى هذه النتيجة التي يريد كل منهما أن يدعي أنها نصر له وتحقيق لمآربه، أو على الأقل الإدعاء بالتعادل؟ أم أنه إحساس الطرفين أن هذا الوضع قد استنفد ولم يعد من المجدي الاستمرار فيه؟

وهل تمكن المصريون من نقل الأحداث في الاتجاه الصحيح ؟ ومن الذي يحدد الاتجاه الصحيح الذي يبدو أن له معاني مختلفة تماما عند الأطراف وخصوصا لدى رام الله؟ وهل حصل وفد المخابرات المصرية على مايريده من غزة، وإذا كان الأمر كذلك فهل سيحصل أيضا على المقابل من الكيان الصهيوني؟

يبدو أن هذا لن يكون واضحا مباشرة، خلال الأيام القليلة القادمة، خصوصا وأن ما نشرته الأخبار، اللبنانية، عن مسودة اتفاق، وما نشرته يديعوت نقلا عن الأخبار أيضا، يفتقد إلى التطابق، وكما هو واضح، فإن تقرير الأخبار يستند إلى مصادر فلسطينية، بينما استند تقرير يديعوت إلى الخبر في الصحيفة اللبنانية، ولكن جرى تنقيحه عبر مصادر إسرائيلية، كما يبدو من صياغته.

وفي الوقت الذي ستواجه هذه الاتفاقية بغضب من رام الله، ما زالت القوى الفلسطينية تلتزم الصمت تجاه محدداتها، وليس من الواضح فعلا إذا ما كان الجميع شركاء في هذا الاتفاق، أم أنه مسعى منفرد من حماس، حتى لو تغطت بلقاءات وطنية لم تقدّم فيها نصوص الاتفاق، وفي هذه الحالة لايمكن التغافل عن مخاطره سواء لجهة استمرار "إسرائيل" بالتفرد بغزة، كون كل "البيض" قد وضع في سلتها إن صح التعبير، أو تجاه الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومخاطر أن يقود سياق اقتصادي، سياسي، لا يحظى بالإجماع إلى انفصال فعلي بين غزة والضفة، هو ما تنذر به فعليا الوقائع التي يتحمل مسؤوليتها طرفا الانقسام.

من 2014 إلى 2018: ما الذي تغير فعلاً:

قبل الاستطراد، في الحديث عن ما تم تسريبه فلنتذكر معا ما جرى بعد العدوان الصهيوني على قطاع غزة عام 2014، وهو عدوان تجمع الآراء الصهيونية إلى أنه انتهى إلى لا شيء، رغم أن المستوى السياسي الصهيوني يتحدث عن نصر، وكذلك المقاومة الفلسطينية، وهو ما يمكن أن نقول إنه كان نصرا فعلا في حدود إفشال الخطط الصهيونية وعجز الكيان عن تحقيق أهداف الحرب.

وللتذكير فقط تم توقيع التهدئة حينها أو اتفاق وقف النار بوساطة مصرية أيضا يوم 26آب /أغسطس وقد نص الاتفاق يومها على مجموعة من النقاط عمل عليها المفاوضون الفلسطينيون والصهاينة خلال محادثات غير مباشرة جرت في القاهرة على مدى أسابيع، وشملت موافقة الفصائل على وقف إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون مقابل أن يوقف الكيان كل العمليات العسكرية بما في ذلك الضربات الجوية والعمليات البرية. في ذلك الاتفاق وافق الكيان أيضا على فتح المزيد من معابره الحدودية مع غزة للسماح بتدفق أيسر للبضائع بما في ذلك المعونة الإنسانية ومعدات إعادة الإعمار إلى القطاع، كما كان هناك اتفاق منفصل وافقت مصر بموجبه على فتح معبر رفح على حدودها مع غزة. وفي ذلك الوقت كان هناك توقع ضمني أن تتسلم السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس المسؤولية عن إدارة حدود غزة من حماس، وأن تتولى السلطة قيادة تنسيق جهود إعادة الإعمار في غزة مع المانحين الدوليين بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

بالعودة إلى الوضع الراهن مع إبقاء اتفاق 2014 ماثلا أمامنا، يمكن عموما إجمال المسودة الخاضعة للتدقيق من الأطراف المختلفة في عشرة بنود، متكاملة، بحيث أنها تشترط بعضها البعض. في البند الأول تحدثت الأخبار عن "الانضباط على الحدود، ومحاسبة كل مخالف للتعليمات، بينما جاء في النص العبري أن حماس "ستقوم بقمع أعمال الشغب على طول السياج الحدودي لغزة ومعاقبة المتظاهرين الذين ينتهكون أوامر المنظمة الإرهابية".

ستكون غزة مطالبة أيضا بوقف المسيرة البحرية الأسبوعية كل يوم اثنين باتجاه كيبوتس زيكيم، فيما تستمر المسيرات "اللاعنفية" في شكلها الجديد حتى نهاية العام.

وفي الوقت الذي يفترض أن الكثير من البنود تحقق على ما يبدو غايات حماس من المسيرات، فليس من الواضح في هذه الحالة سبب استمرارها حتى نهاية العام، في ضوء تحقيق الشروط والبنود اللاحقة.

على العموم يبقى هذا نصا أوليا يتم التفاوض عليه كما هم معلن في هذه التسريبات، التي تحدد أيضا أنه وحتى نهاية مسيرات العودة ستقوم مصر بتخفيف 70% من درجة الحصار المفروض على قطاع غزة، وهو أمر يتنافى أصلا مع تكرار إعلان مصر عدم مسؤوليتها عن الحصار وأنها ليست شريكة فيه.

بموجب المسودة ستوافق "إسرائيل" على توسيع منطقة الصيد إلى 14 ميلا بحريا، كما سيتم فتح المعابر بشكل دائم مع تقديم 5000 تصريح عمل لمن هم دون سن (40) للعمل داخل الكيان الصهيوني، ولكن منح تصاريح العمل سيكون مشروطا بتنفيذ دفع السلطة الفلسطينية 80% من مرتبات موظفي قطاع غزة وهو الأمر الذي يبدو أن مصر تضغط به على الرئيس عباس، خلال زيارته الأخيرة واجتماع شرم الشيخ مع الرئيس السيسي، والشرط الآخر، الذي جاء في الأخبار اللبنانية بصيغة موافقة "إسرائيلية" بينما قدمته يديعوت كشرط هو تنفيذ قطر لوعد المنحة الخاصة بالرواتب لمدة ستة أشهر ولكن يتضح من معلومات اليوم أن هذا كان أحد شروط حماس، وقد قالت التسريبات من اجتماع شرم الشيخ أن أبو مازن والسيسي كلاهما لايريدان أن يدخل المال القطري إلى غزة، بعيدا عن سيطرة السلطة على الأقل.

هذه البنود في حال تنفيذها يفترض أن تثبت "هدنة" لا تقل عن ثلاث سنوات في غزة تحت إشراف الأمم المتحدة وروسيا، وطبعا من المفترض أن تتكامل البنود السابقة مع فتح دائم لمعبر رفح وتحديد معابر إضافية "لم يذكر إن كان مع مصر أم مع الكيان" لنقل البضائع إلى غزة من أجل محطة الطاقة والبنى التحتية في القطاع. وسيتم أيضا إطلاق مشاريع داخلية في غزة تهدف إلى توفير 30 ألف فرصة عمل للخريجين. وأخيرا، وبينما تحدد المسودة أن هذه الاتفاقية لا تناقش تبادل الأسرى إلا أنها تضيف بندا مرتبطا ومكملا هو أن تقوم مصر بالعمل على تنفيذ صفقة التبادل.

إن الاختلاف الأساسي والأكبر بين تهدئتي 2014 وما يعد له الآن كما يبرز في تسريبات الاتفاق الجديد هو غياب دور السلطة الفلسطينية تماما، سواء في ترتيبات المعابر أو ترتيبات متابعة بنود الاتفاق وغيرها وهو أمر "يقاومه" الرئيس محمود عباس بقوة كما ذكرنا أعلاه من التسربيات حول اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

مصلحة في إنقاذ غزة ولكن..

مما لا شك فيه أن الترتيب الذي يتم الحديث عنه فيه مصلحة حياتية وإنسانية لأهل غزة، بمعزل عن الحديث عن الأسباب الحقيقية المعلنة لمسيرات العودة في النسخة الأصلية التي صدرت نهاية آذار/ مارس الماضي، والتي جرى تنقيحها بشكل مستمر تماشيا مع الاتصال السياسي الذي جرى من وقتها، فتحسين الاقتصاد وتحقيق انفراجة إنسانية حياتية، وتخفيف الحصار عن مليوني فلسطيني، هو مصلحة ومطلب محق، ولكن يبقى السؤال: عن الثمن السياسي الاستراتيجي، ويمكن لنا القول بحذر أن احتفالا بنصر تكتيكي، لايمكن أن يبرر التغطية على خسارة استراتيجية ستتضح معالمها لاحقا ذات طابع وطني عام .

ومن غير المنطقي القبول بأن "إسرائيل" تواصل ضبط النفس، والامتناع عن تحرك عسكري وعدوان جديد ضد غزة بدون تلقي ثمن يتطلبه الوضع السياسي الداخلي في الكيان الصهيوني.

على العموم، يشير الدور المصري المتصاعد في الأوضاع والذي بلغ ذروته بوصول وفد المخابرات المصرية إلى سياج غزة، إلى تطور حثيث في الاتصالات جرت تسريبات له، لا بد من التأكد من صحتها وخصوصا أن الطرفين يزعمان أنها ليست مكتوبة، وإنه يجري التداول بشأنها، بعيدا عن هذا الزعم فإن الدور المصري المذكور يشي بالكثير في هذا الصدد.

ومن المعروف أن الفصائل اجتمعت اليوم في غزة، لكن دون أن تضع حماس أمامها أي شيء مكتوب وهذا يطرح سؤالا إضافيا حول مدى ضلوع هذه الفصائل في هذا الاتفاق، ومدى الضغوط التي ستفرضها حماس لتمريره، في وقت يبدو أن الجهاد لن تعارض الاتفاق على ضوء التفاهمات الأخيرة مع حماس، فقد نقل تقرير صهيوني أن الجهة الوحيدة التي تعارض علنًا أي صفقة مع "إسرائيل" حتى لو كانت غير مباشرة هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

عمومًا تفاصيل الاتفاق المنشور لا يمكن النظر لها الآن كمعطى نهائي، والكابينت الصهيوني سيجتمع اليوم لمناقشة الوضع على ما يبدو، ولايمكن القول أن البنود المنشورة لن تكون على طاولة النقاش، في وقت لم يصدر أي تصريح رسمي صهيوني حتى الآن، ولكن الكيان يريد كما هو واضح هدنة لا تقل عن ثلاث سنوات ستقابل بتحسين اقتصاد غزة وتخفيف الحصار وغيرها من بنود كما قلنا فيها مصلحة لأهالي غزة، ولكنها تنبؤ أيضا بخطر استراتيجي يمكن تلخيصه بمسعى سيطرة دولية على إدارة غزة، مع إشراك أطراف عربية بدورٍ أكبر تجاه مصير غزة .

خلاصة الأمر، فإن قدرة حماس إن صحت الأخبار على الالتزام بهذا الاتفاق وتنفيذه، يعني أن الحركة تسعى إلى تحسين موقفها ليس فقط التفاوضي التكتيكي، لكن دورها الاستراتيجي أيضا الذي تتوقع أن يؤدي إلى اعتراف مصر والأمم المتحدة والمجتمع الدولي بأكمله بها كشريك شرعي، بدلاً من المطالبة بأن يتم فعل أي شيء في غزة عبر السلطة الفلسطينية، فيما يعني لو تحقق ذلك ترسيخا للانقسام وإشعارا خطيرا بتوسيع الشقاق الفلسطيني، وهو أمر له - بمعزل عن نوايا حركة حماس - مخاطر استراتيجية على وحدة الشعب الفلسطيني، وسلامة قضيته الوطنية.