Menu
حضارة

العقوبات الاقتصادية الجديدة

حاتم اسطنبولي

دونالد ترامب يبرر العقوبات الاقتصادية على إيران بأنها لا تستهدف الشعب الإيراني وإنما النظام الإيراني، وهدفها ليس إسقاطه بل تغيير سلوكه.

من المعروف أن أول دولة خضعت للعقوبات الاقتصادية الأمريكية والحصار بعد انتصار ثورتها عام 1959 هي كوبا، التي تبعد عشرات الكيلومترات عن حدودها. والسؤال: هل سقط النظام الكوبي؟ وإذا عمّمنا السؤال: هل أيًّا من الدول التي خضعت للعقوبات الأمريكية سقط نظامها تلقائيًا نتيجة العقوبات؟! في الحالتين الجواب لا، وبالأحرى لا كبيرة!

أولًا، علينا أن نؤكد أن العقوبات الأمريكية أو أية عقوبات من خارج القرارات الدولية هي عقوبات غير شرعية. السؤال المهم الذي يُطرح: هل العقوبات الجديدة على إيران ستنجح؟ هذه العقوبات هي الأكثر ضعفًا، رغم أنها تشمل قطاعات عديدة، لكنها لا تحظى بإجماعٍ دولي أو حتى إجماعًا داخليّ أمريكيّ.

ما هي أسباب العقوبات؟

العقوبات هي بسبب خروج أمريكا من الاتفاق النووي، أي أن الإدارة الأمريكية هي التي نقضت الاتفاق وهي التي تفرض العقوبات نتيجة ذلك والسبب أن إدارة سلفه أوباما هي إدارة ضعيفة خضعت للشروط الإيرانية، وهنا يحضُر سؤال: أليس من الأجدى معاقبة إدارة أوباما لضعفها؟ من الواضح أن قرار نقض الاتفاق النووي من قبل إدارة ترامب هو أبرز تعبير عن مدى خضوع وهيمنة اللوبي الصهيوني داخل إدارته.

الاتفاق النووي كان يحظى بإجماعٍ دولي، والوحيد الذي كان يقف ضده دولتان، هما: إسرائيل والسعودية. وهما من ابتزّ إدارة أوباما السابقة ووعد بمعاقبتها، وكان أن استخدم المال السعودي والنفوذ الإسرائيلي لتقويض سياسة الديمقراطيين وإسقاطهم في الانتخابات، وكل ما يتم الحديث حوله عن تدخل روسي فيها هو من باب التغطية على التدخل الفعلي للمال السعودي والتأثير الصهيوني. النتائج، والسلوك الذي انتهجته إدارة ترامب، يؤكدان هذه المؤشرات؛ فصعود نجم كوشنير وقرار نقل السفارة إلى القدس ونقض الاتفاق النووي والتهديد بضرب سوريا والضغط على الأردن من خلال تقنين المساعدات، جميعها بالجوهر تعبر عن المصالح الإسرائيلية المباشرة، ولا علاقة للأمن القومي الأمريكي بها.

السؤال الآخر، ما الذي فعلته إيران لدول المنطقة؟ الحديث يدور عن الخطر الإيراني أحيانًا كثيرة يربط بالخطر (الشيعي)، للعلم إيران شيعيّة منذ مئات السنين، وهي كانت كذلك في زمن الشاه، الذي كان الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة، وهي دولة كانت موجودة ما قبل الدولة الإسلامية، وقبل جميع دول المنطقة، وقبل إسلامها هي من كانت تشن الحروب. بعد إسلامها لم تشن أيّة حروب على جيرانها. إذا كان الصراع مع إيران على أساس المذهب فما هي مصلحة أمريكا وإسرائيل بذلك؟

الحقيقة أن أهداف الحرب على إيران هي سياسية، ترتبط بموقفها من القضية الفلسطينية، كما هي الحرب على سورية و فلسطين ولبنان، ويتخذ الصراع المذهبي للتحشيد الشعبي وإعطاء غطاء محلي لهذا الصراع. العقوبات الأمريكية على إيران قائمة منذ أربعين عامًا، ولم تنجح في إخضاعها أو تغيير سلوكها، بل زادت من تأثيرها الإقليمي والدولي، ناهيك عن تقدمها العلمي والعسكري.

فما الجديد في هذه العقوبات التي تراجعت عن بعض بنودها قبل دخولها حيز التنفيذ، وما هي حظوظ استمرارها إذا ما نجح الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس؟

كل العقوبات الأمريكية هي بالجوهر لأسبابٍ سياسية تستهدف الشعوب، لأنها هي من تعاني من نتائجها وكوارثها، والمثل كان العراق وكوبا وكوريا وإيران وفلسطين (غزة)، وفنزويلا والسلفادور و ليبيا وسورية واليمن والصين وروسيا.

العقوبات الاقتصادية هي الشكل الجديد للحروب الرأسمالية على الدول وشعوبها لإخضاعها سياسيًا واقتصاديًا. من مصلحة دول المنطقة أن تفتح صفحة جديدة من الحوار البناء والتعاون الاقتصادي للتغلب على الصعوبات التي تعاني منها الدول متفرقةً. ما الذي يمنعها من التعاون، بالطبع المصلحة الأمريكية والغربية التي تريد أن تُبقِي مصانع أدوات دمار وقتل الشعوب تعمل. الهدف هو تفريغ المنطقة واستنزاف خيراتها وبقائها في دوامة من الصراع الداخلي، وإعادة إنتاجه بعناوين مختلفة دينية ومذهبية وقومية وعرقية.