Menu
حضارة

التغيرات في النظام الدولي

عبد الإله بلقزيز

هل انتهت الحرب الباردة، حقاً، وخلت العلاقات الدولية من الأسباب الموجبة لها، وتولى عهد الاستقطاب والتوتر، وتولت معه الحروب بالوكالة في الجنوب، وتولد من ذلك سلم واستقرار في العالم ، وتكرست قواعد الحوار والتفاهم بين الدول وفي المؤسسات الدولية الجامعة؟

لو طُرح السؤال هذا في مطالع التسعينات من القرن الماضي، لما كان له من معنى أو من مشروعية؛ لأنه يَبْتَدِهُ المبتَدَهُ، وإنْ كان في استفهامه يُضمر شكاً في ما هو في حكم اليقين عند العالم كافة. فالناس في ذلك الإبان، ما كانت تصدق أن تقع تطورات مفاجئة في العالم تنتهي بوقف التنازع المديد بين دولتين عظمييْن احتكرتا الحرب والسياسة لنصف قرن، وما كانت لتصدق أن المخافة الكبرى من نشوب حرب نووية تدمر العالم، أصبحت ذكرى من الماضي. كيف كانت لتصدّق إذن أن الحرب لم تنتهِ، وأن السؤال عنها مشروع، أو هو ما يزال كذلك؟

هل السؤال مشروع اليوم وبأيّ معنى؟

لنعد إلى البدايات فنفكر في ما إذا كانت الحرب الباردة قد انتهت فعلاً، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال المعسكر الاشتراكي.

مبنى الحرب الباردة عند القائلين بها على أركان ثلاثة: أولها التفاهم على تجنب حرب مباشرة بين العظمييْن، وتحييد السلاح النووي، من دون منع تصريف النزاعات في حروب محلية تجري خارج ساحة أوروبا (العالم الثالث أساساً)، بين حلفاء المعسكرين. وثانيها: التفاهم على مناطق نفوذ العظمييْن وعدم التنازع عليها إلا في الحدود التي لا تفضي إلى صدام بينهما. وثالثها: تثبيتُ نظام الثنائية القطبية، القائم على التوازن في القوة، والراعي للتسويات ولفض المنازعات بالطرق السلمية عبر مجلس الأمن. لم يقع اتفاق مكتوب على هذه المبادئ/‏القواعد، ولكن تُفوهِمَ عليها بين العظمييْن، وقام عليها النظام الدولي الذي أداراه معاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ما الذي جرى لهذا النظام وقواعده إذن بعد زوال المعسكر الاشتراكي، وانهيار الاتحاد السوفييتي؟

تغيّر قطعاً، ولكن لا إلى الأحسن، كما كان التأميل، بل إلى الأسوأ؛ بل قُل إن أحسن ما في ذلك النظام، هو الذي تغيّر إلى الأسوأ.

أول المتغيّرات التوازن في القوة، الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية؛ انتهى انقسامُ العالم إلى معسكريْن، ولكن العالم لم يتوحد في معسكر واحد ولا تولى الانقسام، وإنما استمر في أشكال أخرى تغيّر فيها العداء (من العدو الشيوعي إلى العدو الإسلامي والروسي والصيني.. إلخ)، وقام على تغيرهم تمحور جديد.

وانتهت الثنائية القطبية (الأمريكية السوفييتية)، ولكن خلفَتها أوحديّة قطبية (أمريكية) احتكرت القوة والحق الحصري في استخدامها، واحتكرت السلطة والقرار الدولي بالسيطرة المطلقة على مؤسساته. وحُل «حلف وارسو»، ولكن «حلف شمال الأطلسي» بقي من دون حل؛ بل توسع فشمل مناطق الأول ووصل إلى تخوم روسيا.

وبكلمة، كان انهيار التوازن الدولي أول نتائج ذلك التغيّر الذي أعقب انفراط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.

وثاني المتغيّرات، وهو شديد الصلة بالأول، أن التوازن الدولي السابق، الذي كان يضمن نسبياً التفاهُم على تسويات وحلول سلمية للمنازعات، في إطار مجلس الأمن، قاد انهيارُه (التوازن) إلى انفراد أمريكي بإدارة السياسة الدولية وشؤون العالم، وفرْض تأويلها للقانون الدولي. وهكذا شهدنا على استخدامات متكررة للفصل السابع من «الميثاق» قصد استخدام القوة العسكرية لشن حروب جائرة باسم الأمن والسّلم في العالم!

وبدلاً من أن تكون الأمم المتحدة، ومجلس الأمن أطراً دولية لإنتاج السلام والاستقرار ومنع الحروب، تحوّلا إلى مصنع لهما وللفوضى في النظام الدولي!

أما ثالث المتغيّرات فهو أن الحرب التي كانت باردة تحولت إلى حروب ساخنة، في مناطق مختلفة من العالم، بدءاً بأوروبا نفسها (يوغوسلافيا، وصربيا، وألبانيا)، امتداداً إلى الصومال وأفغانستان والعراق ثم عبر الوكالة الإرهابية إلى الجزائر والعراق وسوريا و ليبيا .. هكذا انتهت الحرب الباردة إلى حال مديدة من انعدام السلم والاستقرار، ومن نشر الفوضى في كل مكان؛ بل وتبجيلها كسياسة إلى حد اعتبارها «فوضى خلاّقة» لتتبخر بذلك وعود «النظام الدولي الجديد» الذي بشّر به الرئيس بوش، وتتبخّر معها أحلام السلام والاستقرار والتقدم.

وهكذا لم يتغيّر نظام العالم، بعد انصرام حقبة الحرب الباردة، إلا إلى الأسوإ. ويكفينا نحن العرب ما تعرضت له حقوقنا، كأمة في فلسطين، وحقوق شعبها فيها، لنعرف إلى أيّ حد ألقى ذلك التغيير بنتائجه السلبية على شعوب العالم، خاصة المستضعفة منها. ومع ذلك، هل انتهت الحرب الباردة فعلاً مثلما يدّعون؟!