Menu
حضارة

المساجلة الأميركية الكبرى

عبد الله السّناوي

نقلاً عن الاخبار اللبنانية

حدث ما كان متوقعاً في الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس الأميركي. بدا الأمر كله كما لو أنه استفتاء على دونالد ترامب وسياساته وخياراته بعد عامين من رئاسته، وما إذا كان ممكناً أن يبقى على مقعده في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020.

بالحصاد الانتخابي سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب وحافظ الجمهوريون على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ.

وبالحصاد السياسي تعرّض ترامب لهزيمة سياسية في الغرفة الأولى تربك أجندته وخططه التشريعية وتقوّض فرصه في إعادة انتخابه، وقد تعرّضه للمساءلة واحتمالات العزل على خلفية التحقيقات في التدخّل الروسي بالانتخابات الرئاسية التي صعدت به إلى البيت الأبيض، غير أن الهزيمة لم تكن كاملة بالنظر إلى نتائج الغرفة الثانية. في أحوال أنصاف وثلاثة أرباع الهزائم تتباين القراءات والاستنتاجات وفق المواقع المختلفة.
بنظر الديمقراطيين فـ«إنها صفحة جديدة في التاريخ الأميركي، حسب تعبير نانسي بيلوسي، أقوى المرشحين لرئاسة مجلس النواب. هذه إشارة مبكرة لحجم القيود المتوقعة التي سوف تفرض على إدارة ترامب تشريعاً ومساءلة نيابية. وبنظر الجمهوريين، فإنها «نجاح هائل»، حسب تدوينة لترامب نفسه. ربما اعتبر أن الإفلات من «موجة زرقاء» (نسبة إلى لون الحزب الديمقراطي)، تكتسح المجلسين معاً، بذاته انتصار هائل. ما حدث بحجمه وأثره يتجاوز مثل هذه الاستنتاجات المباشرة. لم تكن مصادفة نسبة الإقبال العالية على صناديق الاقتراع، خاصة من النساء والشباب والأقليات، ولا مدى الاهتمام الدولي بما تسفر عنه من نتائج تؤثر على موازين القوى في رسم السياسة الأميركية، ولا دخول الرئيس بنفسه لأول مرة في التاريخ الأميركي طرفاً مباشراً في انتخابات التجديد النصفي، ولا دخول سلفه باراك أوباما طرفاً مواجهاً في الحشد والتعبئة. تلك مظاهر تشير إلى ما تمثله الانتخابات النصفية من أهمية في تقرير المستقبل السياسي الأميركي، غير أنها تكشف في الوقت نفسه ما تحت السطح السياسي من تفاعلات أعمق وصدامات أوسع.

بترجمة أخرى، فإنها تعكس مساجلة كبرى تتفاعل حقائقها وتتمدد بالضرورة إلى ما بعد الانتخابات حول نظرة أميركا لنفسها ودورها ومستقبلها، والصورة التي تود أن تبدو عليها. نحن أمام مجتمع منقسم تتنازعه أزماته، لا يعرف إلى أين يتجه ولديه مشكلة في تعريف نفسه. هناك أزمة التمييز العنصري ضد الأقليات السوداء واللاتينية والمسلمة، تجلت في تعبيرات رئاسية وأزمة في النظر إلى اللاجئين، رغم أن طبيعة نشأة المجتمع الأميركي تأسّست على فكرة اللجوء إلى أرض الفرص، أخذت مداها في تهديد ترامب بإطلاق الرصاص الحي على قافلة مهاجرين قادمة من المكسيك، وأزمات أخرى زادت حدتها في السجال السياسي الداخلي، مثل إباحة شراء السلاح بلا قيود والرعاية الصحية وإدارة الاقتصاد.

تسود تقليدياً القضايا الداخلية أيّ انتخابات أميركية، غير أنه ـــ هذه المرة ـــ ألقت السياسة الخارجية بظلال كثيفة على المشهد المنقسم حول الطريقة التي تنظر بها أميركا إلى دورها في عالمها ومدى احترامها لنفسها.

هناك صدامات استراتيجية واقتصادية متكررة مع الحلفاء الأوروبيين في ملفات عديدة، وصلت ذروة تداعياتها بدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن استراتيجية دفاعية جديدة بعيداً عن الولايات المتحدة، وحروب تجارية مفتوحة مع الصين ودول آسيوية حليفة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى كندا، من دون تقيّد بأيّ اتفاقيات موقّعة.

من العدو؟ ومن الحليف؟

غابت أيّ إجابة، لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي انقسم العالم بعدها إلى معسكرين كبيرين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة والآخر يقوده الاتحاد السوفياتي، وكان الانقسام شاملاً استراتيجياً وأيديولوجياً واقتصادياً وعسكرياً.

فرضت الولايات المتحدة قيادتها على المعسكر الغربي بالدور الجوهري الذي لعبته في حسم النتائج العسكرية للحرب العالمية الثانية وبقدرتها الاقتصادية الفائقة التي ساعدت في إعادة إعمار أوروبا المهدمة والصورة التي صنعتها ومضات الكاميرات في هوليوود.

الحقيقة الكامنة في التفاعلات الأميركية، التي صاحبت انتخابات التجديد النصفية، أن النظام الدولي الذي تولد بعد الحرب العالمية الثانية يلفظ أنفاسه الأخيرة، من دون أن تتضح صورة النظام الجديد. في المسافة بين قديم تهدّم وجديد لم يعلن عن نفسه، تأخذ المساجلة الأميركية الجارية قيمتها التي تتجاوز ترامب ومستقبله.

في ذروة الصعود بعد الحرب العالمية الثانية، بدا الرئيس هاري ترومان مأخوذاً بحجم ما يملكه من قوة غير مسبوقة في التاريخ: «لم أكن أتصور أن الرئيس الأميركي لديه من السلطة أكثر مما كان للإسكندر الأكبر ولقيصر وجنكيز خان ونابليون ولويس الرابع عشر مجتمعين» (كما كتب في يومياته).

كانت تلك مبالغة استندت إلى شيء حقيقي استدعى الإقرار الغربي بالزعامة الأميركية في سنوات الحرب الباردة. عند سقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، انفردت الولايات المتحدة بحسابات القوة، وشاعت أفكار «نهاية التاريخ» كأنه استقر على شاطئ أخير. كانت تلك مرحلة مضطربة لم يتأسّس فيها نظام دولي جديد، غير أن الحقائق أكدت في النهاية أنه يستحيل أن تنفرد قوة واحدة بمصائر الدنيا، أو أن تكون للتاريخ نهاية. اتسع ذلك الاضطراب بتدهور الطبقة السياسية الأميركية وارتفاع منسوب الشعبوية في المجتمع نفسه. كان ترامب بخلفيته وتكوينه أحد تعبيرات الاضطراب السياسي الأميركي الطويل في عالم ما بعد الحرب الباردة. لم ينشأ من فراغ ولا اكتسب شعبيته في الأوساط البيضاء المتطرفة بمصادفة. مثّلت شخصيته مادة صدام شبه يومية مع «الميديا» في بلاده والديمقراطيين وأطياف سياسية واجتماعية عديدة، فهو يفتقد مقومات الشخصية الرئاسية، عشوائي في تصريحاته ومتناقض مع ما هو مستقر من قيم حديثة.

تنص تدوينة كتبها في أعقاب إعلان نتائج الانتخابات النصفية: «كنت أتمنى أن تكون لغتي أقل حدة في العامين الماضيين». كان ذلك اعترافاً بمدى عشوائيته، لكنه لم يكن محض اختيار. العشوائية من طبائع الشعبوية.

مشكلة أميركا أن نخبها الإعلامية والأكاديمية والثقافية والفنية تجد نفسها الآن أمام المرآة قبيحة وسوقية ولا تقدر على احترام نفسها. من الملفت أن سنتي ترامب في البيت الأبيض شهدتا تحسّناً كبيراً في المؤشرات الاقتصادية (ارتفاع في معدل النمو وفرص العمل وانخفاض في نسب البطالة والتضخم)، وكان ذلك سنده الرئيسي في الحملات الانتخابية التي جرت، غير أنه لم يكن كافياً لطمأنة قطاعات واسعة من الأميركيين بأنهم على الطريق الصحيح، أو أن بلداً في حجم أميركا يليق به أن يحكمه رجل بمواصفات ترامب. فقدت القوة الأميركية هيبتها واستحالت إلى ابتزاز صريح للحلفاء، فللحماية أثمانها المدفوعة. كان ذلك مباشراً وفجّاً في أحاديث ترامب المتواترة عن حماية السعودية، وسوف ترتفع نبرة ابتزازه ثمناً مضافاً على فاتورة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. الهزيمة الانتخابية لترامب رغم مكابرته لا تعني أن دفة الحوادث في الشرق الأوسط سوف تأخذ اتجاهاً آخر في أي مدى منظور. الأغلب أن يبحث عن مهرب ما من أزماته الداخلية المرشحة للتفاقم، وأنه سوف يكون هنا عندنا.

«صفقة القرن» عنوان أول، وتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل مجاناً عنوان ثان، والسعي إلى بناء تحالف استراتيجي عربي يضم إسرائيل ضد «العدو الإيراني المشترك» عنوان ثالث. العناوين الماثلة تنطوي على رهان أن الحزب الديمقراطي لن يمانع فيها، حتى لو دعا خطابه الرسمي إلى حل الدولتين واحترام الاتفاقيات الدولية، أو خطأ إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من طرف واحد. إذا لم ندرك حقائق القوة في المساجلة الأميركية الكبرى التي انعكست في الانتخابات النصفية فسوف نكون من ضحاياها.
* كاتب وصحافي مصري