Menu
حضارة

حرب الرهانات بين خامنئي وترامب

د. محمد السعيد إدريس

سؤال مهم لم يُثر اهتمامات المراقبين لتطورات الأزمة الأمريكية - الإيرانية حول الاتفاق النووي الموقّع بين إيران و«مجموعة دول 5+1» في يوليو 2015، والذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده منه في الثامن من مايو الماضي، والسؤال هو: لماذا اختار الرئيس الأمريكي يوم الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني موعداً لبدء تنفيذ حزمة العقوبات المشددة ضد إيران، والتي تشمل قطاعات الملاحة والمالية والطاقة في إيران، وتشمل هذه العقوبات الجديدة أيضاً الدول والشركات التي ستواصل التعاون مع إيران ومؤسساتها المدرجة ضمن القائمة السوداء والتي تضم 700 شخصية ومؤسسة إيرانية جديدة، إضافة إلى أسماء أشخاص ومؤسسات مشمولة مسبقاً بقرارات عقابية أمريكية؟

الأمر المؤكد أن موعد إطلاق تنفيذ هذه العقوبات لم يكن موعداً اعتباطياً، ربما تكون له حساباته المالية الدقيقة، لكن هذا الموعد يكتسب مذاقاً خاصاً عند الإدارة الأمريكية، تضع في اعتبارها رغبة أكيدة في «إذلال» إيران، تنطلق من استراتيجية أمريكية تستهدف «إسقاط النظام الحاكم في طهران من خلال تحقيق انهيار اقتصادي كلي». إذا كان هذا هو الهدف من فرض العقوبات الجديدة، وفي مقدمتها بالطبع حظر النفط، والوصول إلى ما يؤكده كبار المسؤولين الأمريكيين ب «التصفير النفطي»، أي الوصول بالصادرات النفطية الإيرانية إلى مستوى صفر، في مسعى لإحكام الضغوط على إيران وتحفيز الشعب الإيراني للقيام بمهمة إسقاط النظام، فإن الموعد الذي جرى تحديده مسبقاً للبدء في تنفيذ تلك العقوبات، حتماً له علاقة بهذه المهمة، وجاء ليخدم هذا المسعى، ومن هنا يأتي الربط بين موعد ترامب لتنفيذ عقوباته ويوم الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني. ففي هذا اليوم من عام 1979 جرى احتلال السفارة الأمريكية في طهران على أيدي مجموعة من «الطلاب الثوريين» واعتقال البعثة الدبلوماسية الأمريكية، انتقاماً من العداوة التي أظهرتها الولايات المتحدة للثورة الإيرانية التي تفجّرت في التاسع من فبراير/ شباط عام 1979، وأسقطت نظام الشاه محمد رضا بهلوي، أهم حلفاء واشنطن في الخليج، ولم يتم الإفراج عن هؤلاء الرهائن الأمريكيين إلا بعد مرور 444 يوماً من تاريخ اعتقالهم.

كانت، عملية محاصرة السفارة الأمريكية في طهران في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1979، إيذاناً بسقوط الهيبة الأمريكية داخل إيران وإعلاناً بنجاح الثورة، فهل أراد الرئيس الأمريكي أن ينتقم من هذا التاريخ الأسود، وأن يجعل من يوم الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018 موعداً لإعلان العد التنازلي لسقوط النظام في إيران؟

إذا كان هذا الافتراض صحيحاً، فحتماً سيكون لدى الرئيس الأمريكي ما يراهن عليه، وأهم ما يراهن عليه هو الأجيال الجديدة من الشباب الإيراني التي لم يعد يربطها بالثورة غير البؤس والانهيار الاقتصادي والعداء المفرط من جانب العالم، وخاصة دول الجوار الإقليمي. هذا الجيل يختلف جذرياً عن جيل الثورة، فإذا كان شباب وطلاب محاصرة السفارة الأمريكية أبناء شرعيين للثورة الإسلامية وأهدافها المعادية لواشنطن، وكانوا أهم الأعمدة التي ارتكزت وتأسست عليها الجمهورية الإسلامية ونظام ولاية الفقيه، فإن الجيل الجديد من الشباب والطلاب الإيرانيين، الذين تراهن عليهم أمريكا، هم أبناء شرعيون لثورة المعلومات ولثورة الاتصالات العالمية، هم أقرب إلى «فكر العولمة» منهم إلى فكر «ولاية الفقيه»، وهم أبناء فشل وبؤس نظام الجمهورية الإسلامية، وهم من يتطلعون إلى نظام بديل أكثر عدلاً وديمقراطية وأكثر انخراطاً في علاقات سلام وود مع دول الجيران الإقليمي. الرئيس الأمريكي يراهن على هذا الجيل الجديد الذي يعتقد أنه سوف يثور لإسقاط النظام في إيران، اعتقاداً بأن النظام هو سبب كل الكوارث، وهو المتسبب في العقوبات الأمريكية.

إيران، وبالتحديد المرشد علي خامنئي، يرفض بالمطلق شروط واشنطن، ويؤكد مسبقاً فشل رهانات ترامب التي تضع إيران بين خيارين شديدي المرارة: إما القبول بالتغيير وبالمطالب التي تريدها واشنطن وإما السقوط الكامل. خامنئي يؤكد أن إيران لن تقبل بالشروط الأمريكية، ولن ترضخ ولديه رهاناته، أولها تفكك تماسك الموقف الغربي مع واشنطن في ظل تمسك دول الاتحاد الأوروبي بالاتفاق النووي مع إيران، ونجاح دول كثيرة في إجبار واشنطن على استثنائها من شروط المقاطعة. كما يراهن خامنئي على حتمية حدوث أزمة كبيرة في سوق النفط وارتفاع الأسعار بعد منع تصدير النفط الإيراني، كما يراهن على عدم جدية أية التزامات لتغطية العجز في السوق النفطي، كما يراهن على رحيل بات مؤكداً، من وجهة نظره، لترامب وإدارته بعد عامين من الآن ومجيء إدارة جديدة يمكن التفاهم معها على «قاعدة التكافؤ». هي إذاً حرب رهانات بدأت بين ترامب وخامنئي، وبدأت معها مرحلة جديدة من السياسة الأمريكية عنوانها، العداء لإيران.