Menu
حضارة

هزيمة التطبيع وتيار اليأس المستسلم ممكنة ولكن..

نتنياهو بصبحة السلطان قابوس في عُمان- ارشيف

ليس لدينا شك أن حملة التطبيع المتصاعدة، أو بالأصح الارتماء في أحضان العدو مرتبطة جوهريًا بالوضع العام الذي تمر به القضية الفلسطينية، وهو وضعُ تراجعٍ ودفاعٍ عن النفس في جوهره، مرتبطٌ أيضًا بنزوعٍ للاستسلام واليأس من إمكانية إحداث تغيير في الواقع الراهن.

ومن المعروف أيضًا أن هذا اليأس الذي يتجلى إمّا في الانسحاب من المجال العام، أو الانخراط سلبيًا فيه (الانحياز للعدو)، هو في جانبٍ منه دلالةً على ضعف البنى السياسية والاجتماعية وانهيار البنى الأخلاقية لهذه الفئة، التي يمتدّ قوسها من أشخاص عاديين، يجدون في الانحياز ضد الشعب الفلسطيني ومعاداته فرصة للظهور وتعويض الهزيمة الداخلية، أو من النخب السياسية والثقافية التي لا يختلف سببها جوهريًا، وإن كانت تعبر عن حالة مغايرة من الانحطاط السياسي والقيمي، وصولاً للحديث عن النخب الاقتصادية التي هي متجوهرة أصلًا حول المصالح المادية المباشرة، وتركيم الأرباح، ولم تكن معنية يومًا بهمٍّ وطني أو قيم مجتمعية.

في أوقات الأزمة تنقسم دوائر المجتمع بشكل جذريّ، وتطفو على سطح هذه الدوائر حالات متطرفة، في جميع الطبقات، هذه الحالات هي التي تصنع الثورة أو الفاشية أو الخيانة، ويكون الاتجاه في كل منها مرتبطًا بصلابة البنى الاجتماعية وتجذّر الحوامل الاجتماعية للسياسة فيها، وكذلك بقوة الحالة الثورية الرافضة وتجذّرها ووضوح برامجها وصلابة حواملها الاجتماعية.

في أوقات الهزيمة وتصاعد القمع الداخلي وفي غياب الحوامل الثورية المتجذّرة للمقاومة والرفض، يجد الأفراد أنفسهم عاجزين، في مجتمعٍ وبيئة متشيّئة، لا يجدون فيها إلا خواء القيم والأرواح، فيسعى هؤلاء دفاعًا عن النفس وفي محاولة للنجاة، والتحايل على هذا الخواء الشامل إلى الانخراط في نسق السلطة القامعة، ليس كقامعين بل كأدوات تُبرّر للسلطة وتحميها، وتبحث عن نوافذ في ظلامها الدامس عبر هجوم معاكس على أبرز التحديات التي تواجه هذه السلطة القامعة، وهنا نتحدث طبعًا عن القضية الفلسطينية والموقف منها باعتبارها المعيار الحاسم والثابت، رغم كل شيء، للشرعية السياسية وأيضًا للقيمة الأخلاقية والتعبير الأبرز عن نزاهة الوعي والممارسة.

هنا يبرز ما يمكن تسميته "الذباب الإلكتروني" السعودي مثلًا، المنفصل تمامًا عن أيّة ممارسة واقعية سياسية أو قيمية، ولكنه يجد نفسه في فضاء التواصل الاجتماعي وقد أتيحت له الفرصة لممارسة "سياسة" مارقة تعفيه من المساءلة من سلطة القمع، وقد ترفع أسهمه عندها كمدافع شرس وغير أخلاقي عنها.

النموذج الثاني يبرز في الحالة الثقافية، وكثيرًا ما طرح سؤال كيف يكون المثقف، مطبّعًا أو داعيًا لليأس ومبررًا ومُروجًا له؟، وكأنّ مداد الأقلام لم ينفد وهي تخبرنا عن خيانة المثقفين، وبيعهم لأنفسهم في سوق نخاسة النشر والجوائز والانتشار ورضا السلطة، ولكن على الصعيد الذاتي، نجد أن معظم هؤلاء، بالفحص والتدقيق، لم يحقق إنجازًا كبيرًا وذا قيمة ثابتة على مر الزمن، فيبحث عن هذا الترسخ والتعين الذاتي العابر، في الممارسة المارقة اللافتة للأنظار، وهو عمليًا لا يخاطر بإنجازه غير المعتدّ به، بقدر ما يريد أن يثبت إنجازًا متعلقًا بقشور التحقق لا بجوهره، والأسماء كثيرة ولا داعي للمساهمة في تحقّقها القشري بذكرها هنا.

رغم خطورة ظاهرة التطبيع السياسي، ومدى وقاحتها، إلا أنها تبقى مرتبطة بتوازن القوى ومقدرة المقاومة على تحقيق نفسها كرادع لهذه الاتجاهات ومحبط لها، وليس إبادتها؛ لأنها مرتبطة بنخب ستبقى موجودة دائمًا وستبقى مصلحتها دائمًا مع المحتل والقامع. ولكنها في زمن صعود الثورة سرعان ما تنزوي إلى جحورها للسبب ذاته: جبنها وحرصها على مصالحها. ولكن الأخطر برأينا والأكثر مدعاةً للتأمل والدراسة هو تسلل هذه النخب بأفكارها وقيمها الساقطة إلى نسيج المجتمعات، ومحاولة تحشيد الرأي العام الشعبي حول مصالحها عبر تجييشها ضد عدوها الأساسي والجذري، وهو الثورة وقيمة المقاومة. وفي هذا السياق يأتي الترويج الوقح والمتطاول في صفوف "الذباب الإلكتروني" آنف الذكر، لرواية العدو وتبنّيها، والدفاع عنها؛ ليس بسبب تجذر القناعة بها ووعيها كـ"حق"، ولكن بهدف دحض الرواية الصحيحة، رواية فلسطين وسرديتها، لأنهم يعتقدون أنه بدحض الرواية الفلسطينية وترسيخ الرواية الصهيونية التوراتية، يدافعون عن أنفسهم ويحمون وضعهم في معركة يدركون أنهم بها مع العدو على صعيد واحد. فتقوية العدو الصهيوني هو تقوية لهم والعكس صحيح، ويدرك العدو أنهم يزيدون من قوته عبر دورهم المفضوح في مهاجمة المقاومة والنيل منها، لذلك لا يتردد باستغلال الفرصة أيّما استغلال عبر الترويج لهؤلاء وكيل المديح لهم، وتظهيرهم، وهو يدرك أنهم ليسوا أكثر من أدوات لإنهاء العمل القذر الذي يعجز هو عن القيام به.

ولكن في النهاية وبعد كل شيء، فإن هذه الاتجاهات تبقى مهزومة في الجوهر، لأنها تعاند التاريخ وحقائقه، وتتمرد على القيم الصحيحة، وتتشكل في سياق شذوذ في الواقع أتاح لها الظهور، ولكن هذا لا يعني الإعلان المتسرع عن هزيمتها، لأن هذا مبكر جدًا في سياق معركة شرسة، يحشد فيها الجانبان كلَّ قواهما لتحقيق نصر كاسح، وهنا علينا أن نتوقف عند هذه النقطة بالذات: حشد القوى.

فهل نجحت القوى المقاومة في حشد قواها وتنظيمها على الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية؟ وهل تمكنت من صوغ برنامجها الجدير بأن تلتف حوله جميع عناصر ومكونات الواقع الاجتماعي الذي يبقى تواقًا للحرية والكرامة؟

هذا سؤال المواجهة، الذي يجبرنا على التأمل طويلًا في طبيعة المعركة التي نخوضها والتي لن تُحسَم فقط بالرصاص والصواريخ والعبوات الناسفة، بل بتجذير الشعب وتصليب وعيه وروحه وتنظيم صفوفه، عبر مده بالأسباب الكافية للقناعة بأن انتصار الثورة هو انتصارٌ له، وأن مصلحة الثورة والمقاومة هي مصلحته، بالذات وأنّ أي برنامج مخاتل لا يحقق هذه المعادلة مصيره الفشل في هذه الحرب القاسية المعقدة، فأين نحن من هذا؟!