Menu
حضارة

طموحات أوروبا في أن تكون قطباً عالمياً

محمد السعيد إدريس

قضى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أسبوعاً يتجول في ساحات المعارك في شمال بلاده بمحاذاة الحدود مع ألمانيا، ولم يفته أن يمر على المقبرة الجماعية التي ضمت رفات جنود فرنسيين وألمان تقاتلوا ضد بعضهم «من أجل بضعة أمتار من الأراضي» طوال السنوات الخمس للحرب العالمية الأولى التي كان ضحيتها 18 مليون قتيل.

من هنا، ومن وحي معاني تلك المقبرة الجماعية، استخلص ماكرون ما يراه الآن «وحدة المصير»، المؤسسة على «وحدة الدم»، بين فرنسا وألمانيا، وحاول أن يجيب عن سؤال مهم هو: كيف يمنع تكرار حدوث هذه المأساة؟، ليس فقط على النحو الذي حدثت به، بل على أي نحو آخر يفرضه الواقع المتجدد لأنماط الصراعات والحروب والأسلحة التي حتماً تختلف جذرياً عن صراع وحروب وأسلحة الحرب العالمية الأولى، ويمكن أن يكون ضحاياه يفوق مئات المرات ضحايا الحرب العالمية الأولى، وعاد من جولته تلك، ليحتفل مع قادة وزعماء العالم وفي مقدمتهم شريكته وحليفته المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل والرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين بالذكرى المئوية لتلك الحرب المأساة.

استنتاجان استخلصهما ماكرون من تعمقه في استرجاع أحداث الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، الأول: النهوض بالاتحاد الأوروبي لتستقيم وحدته بركيزتين بدلاً من ارتكازه على ركيزة واحدة فقط هي «العملة الأوروبية» (اليورو) التي هي عنوان الوحدة المالية والاقتصادية، وذلك بتأسيس ركيزة عسكرية في شكل «جيش أوروبي موحد». عبّر ماكرون عن هذا الطموح في لقاء مع «إذاعة أوروبا - 1» الفرنسية، حيث قال ما نصه: «لن نكون قادرين على حماية الأوروبيين إذا لم نقرر إنشاء جيش أوروبي حقيقي»، هذا الجيش الأوروبي الموحد هو أهم ضمانة لعدم الاقتتال الأوروبي- الأوروبي مرة ثالثة من ناحية، ومن ناحية ثانية سيكون الضمانة الأهم لحماية المصالح والأمن الأوروبي.«أما الاستنتاج الثاني فهو ضرورة التأسيس للأمن الأوروبي المستقل، بعيداً عن التسلط الأمريكي، الذي كشفه استعلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما رفع شعار» أمريكا أولاً«دون اعتبار للحليف الأوروبي، وعندما تحدث بازدراء عن حلف شمال الأطلسي»الناتو«وعن» أوروبا العتيقة«أو»المريضة«وعندما طالب أوروبا أن تدفع أثمان حمايتها، وعندما أعلن انسحاب الولايات المتحدة، قبل أسابيع، من المعاهدة المهمة للحد من أسلحة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى».

وقبل ذلك كان ترامب قد أعلن انسحاب بلاده من اتفاقية المناخ التي كانت باريس وما زالت من أهم المدافعين عنها، وعندما اتخذ قراراً منفرداً بالانسحاب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران، دون اعتبار للرفض الأوروبي لهذا الانسحاب ودون اعتبار للمصالح الأوروبية، وعندما قرر فرض رسوم جمركية عالية على صادرات دول أوروبية من منتجات الألمنيوم والصلب.

هذا يعني أن فكرة تأسيس أمن أوروبي مستقل التي ظلت تراود الكثيرين من زعماء الاتحاد الأوروبي وخاصة المستشارة الألمانية ودعوة تأسيس الجيش الأوروبي التي ينادي بها الرئيس الفرنسي وتدعمها المفوضية الأوروبية ورئيسها جان كلود يونكرهو، بروز الحاجة إلى أمن أوروبي مستقل عن الحليف الأمريكي الذي تداعت الثقة في جديته للدفاع عن تهديدات تواجه أوروبا، لكن هناك أيضاً حوافز تدفع نحو هذا الخيار أبرزها الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إذ كانت بريطانيا ضد فكرة الأمن الأوروبي المستقل والجيش الأوروبي المستقل، اعتقاداً منها أن إعطاء الاتحاد الأوروبي دوراً عسكرياً أكبر قد يقوض حلف شمال الأطلسي، والآن خرجت بريطانيا وباتت أمام فرنسا وبريطانيا فرصة لإعادة إحياء القدرات العسكرية الأوروبية المستقلة. وهناك حوافز أخرى منها تنامي النزعة الاستقلالية السياسية، ومن ثم الأمنية، عن الولايات المتحدة، وهناك أيضاً الحاجة إلى سد الثغرات الأمنية أمام تصاعد الجماعات المتطرفة والإرهابيين ذوي الأصول الأوروبية الذين قد يتدفقون على بلادهم من الشرق الأوسط، ثم أيضاً هناك الرغبة في احتواء نزعة التطرف القومي اليمينية التي تتهدد أوروبا الليبرالية.

هناك إذاً أسباب وحوافز، ولكن هناك أيضاً رغبة لا تقل أهمية وهي التأسيس لأوروبا كقطب مستقل عن النظام العالمي، ولن تكون أوروبا قطباً عالمياً مثل روسيا والصين والولايات المتحدة إذا لم تتخلص من التبعية العسكرية والأمنية للولايات المتحدة، وإذا لم تمتلك قدراتها العسكرية الخاصة القادرة على الردع والمنافسة في مواجهة القوى الدولية الأخرى.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبر دعوة ماكرون «أمر مهين»، وقال في تغريدة له وهو في طريقه للمشاركة في احتفالات الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس

(11/11/ 2018):«ربما يترتب على أوروبا أولاً أن تدفع مساهمتها في حلف شمال الأطلسي الذي تموله الولايات المتحدة بشكل كبير»، أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقال إن «فكرة إنشاء جيش أوروبي إيجابية نحو تعزيز عالم متعدد الأقطاب».

ترامب يريد الإبقاء على أوروبا تابعة وجزءاً من العالم الأمريكي في مواجهة روسيا والصين، وبوتين يريد فصل أوروبا عن أمريكا للتقليل من الوزن الأمريكي ولدعم دعوة«التعددية القطبية» التي تساندها موسكو وبكين.