Menu
حضارة

معاني فلسطين في "حكاية سرِّ الزَّيت"

رواية حكاية سر الزيت

عبد الرحيم الشيخ_ وكالات

فلسطين، من السِّجن، لا تبدو كما هي، ولا الفلسطينيُّ، ولا الفلسطنة، وبخاصّةٍ لقائدٍ في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية مُنتمٍ للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولاحقاً لحزب التجمُّع الوطنيِّ الديمقراطيِّ، وفيلسوفٍ خفيٍّ، بقامة وليد دقَّة، قضى أكثر من نصف حياته في مقارعة العدوِّ الصهيونيِّ وهو في الأسر، ومثل ذلك في ساحات المواجهة اليومية، من أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتَّى اللحظة. فالأسير دقَّة لا يُقارب فلسطين وما يُحايثها من السِّجن وحسب، بل ومن «سجن السِّجن»، وظلم العزل الانفراديُّ وظلمته، بنأيٍ تامٍّ عن الواقعية السياسية وملابسةٍ تامَّةٍ للواقعية الثورية يُحيلان إلى الاختصاص المعرفيِّ المُمارس بموضوع الكتابة، لكن بجماليةٍ ثوريةٍ عزَّ نظيرُها.

بهذا الالتزام، تأتي «حكاية سرِّ الزَّيت»، كتخطيطٍ للجسد من وجهة نظر القلب؛ إذ القلبُ هو العضلة الوحيدة التي لا تكفُّ عن النبض وإن نام الجسد، أو ترهَّل، أو أدركه الخمول. قد ينسى الجسد رعاية أنبل ما فيه، قلبه، من باب «تحصيل الحاصل»، لكنَّ القلب لا يتوقّف عن أداء مهمّته التاريخية في إبقاء الجسد على قيد الحياة، وحراسة الرُّوح من الخلخلة.

لكنَّ «حكاية سرِّ الزَّيت» تبدو «كتابةً مُزعجةً»، بتعبير إليوت وأدونيس؛ إذ هي كتابةٌ عن تحرير المستقبل بوصفه «أقدم أسيرٍ عربيٍّ»، كتابةٌ تأتي بمعاييرها معها، ولا تنطبق عليها معايير الكتابة والتلقِّي القارَّة في أذهاننا. وعليه، تنبغي قراءتها في إطار النتاج الفكريِّ النادر للأسير دقَّة، من حيث المقولات: السياسية، والثقافية، والجمالية. وقد شهدت الـ«الحكاية» حضوراً لافتاً منذ صدورها في صيف العام 2018، فلسطينياً وعربياً وعالمياً، وملاحقةً صهيونيةً لافتةً كذلك؛ فقد أُطلِقت «الحكاية» في تظاهراتٍ ثقافيةٍ عدَّةٍ على امتداد فلسطين التاريخية، كان أوَّلُها في متحف محمود درويش في رام الله، بالتَّعاون مع الاتِّحاد العامِّ للكتَّاب والأدباء الفلسطينيين، ومؤسَّسة تامر للتعليم المجتمعيِّ، حيث رافق إطلاق «الحكاية» إعلان الاتحاد عن تشكيل «لجنة الأسرى» في الاتِّحاد، وتعيين الأسير دقَّة سكرتيراً لها. تلتها ندوةٌ نظَّمها المنتدى التنويريُّ الثقافيُّ الفلسطينيُّ-تنوير في نابلس؛ وحواريَّةٌ أطلقها ملتقى نبض الشبابيّ في رام الله.

وأمّا الفعاليةُ الأكثرُ إثارةً للجدل، في الإعلام الصهيونيِّ والعربيِّ والعالميِّ، فقد كانت في باقة «الغربيَّة»، مسقط رأس الأسير دقَّة، حيث منعت السُّلطات الصهيونية عقد الفعالية في ثلاثة منابر جماهيريَّةٍ تِباعاً، ما حدا بالمنظِّمين إلى عقد الفعالية في بيت والدة الأسير دقَّة، وقد تكرّر الأمرُ نفسُه في حيفا. وقد تُوِّج هذا الحضور، بفوز «حكاية سرِّ الزَّيت» بجائزة الشارقة (اتِّصالاتٍ لكتّاب الطفل) كأفضل كتابٍ لليافعين للعام 2018.

معاني فلسطين في «حكاية سرِّ الزَّيت»

بتجاوز القراءات الاحتفائية بـ«الحكاية»، ولإزالة الالتباس، الذي يبدو إكراهياً ومُقحَماً في كثيرٍ من الأحيان، بين الثقافيِّ والسياسيِّ في الكتابة الفلسطينية عند هواة السياحة النقدية، واعتذاريِّي الكتَّاب عن «التدخُّل» في السياسيِّ بالمُمارسة أو استدخاله حتَّى بالكتابة بذريعة الجماليات المعيارية، فإنَّنا، ونحن نقرأ نِتاجاً فكرياً لافتاً للأسير دقَّة، قادماً من «الزَّمن الموازي» لزمننا، نقترح مقاربةً أخرى للوقوف على معاني فلسطين؛ إذ تبرز ثلاثة معانٍ مُتنافذةٍ: معنىً ثقافيٌّ مؤسِّسٌ، هو مشروعٌ للذاكرة، ومعنىً سياسيٌّ مؤسَّسٌ، هو مشروعٌ للتاريخ، ومعنىً أمنيٌّ لا يؤسِّسُ إلا للخراب، هو مشروعٌ للنسيان.

فيما يبدو المعنى الثقافيُّ لفلسطين مشروعاً جمالياً يصفُهُ جوهرٌ ثابتٌ لا يزول، ولا يدول، ولا يحتمل التلاعب (هو الهوية الفلسطينية: الأرض، والناس، والحكاية)، إلا في حالات الطوارئ التي تشهدها الذاكرة، والتي يصنع السياسيُّ فيها انحرافات هذا المعنى على عين المُثقَّف الذي منح نفسه تقاعداً مبكّراً في ميدان المواجهة، فكفَّ عن حراسة مشروع الذاكرة، فيما يأتي المعنى السياسيُّ لفلسطين بوصفه امتداداً لهذا الجوهر (هو القضية الفلسطينية التي يشكِّلها الصراع بين حركة التحرُّر الوطنيِّ الفلسطينيِّ وحركة الاستعمار الاستيطانيِّ الصهيونيِّ ودولتها "إسرائيل")، وهو معنىً مُتغيِّرٌ على الدوام؛ تِبعاً للحلول السياسية المُتناتِجة يوماً بعد يومٍ، إلا في حالات الطوارئ التي يشهدُها التاريخ، والتي يرفُض فيها المثقَّف الامتثال لانحرافات السياسيِّ، ويحرُس مشروع التاريخ.

وما بين المعنيَيْن، يتوالد المعنى الطارئ على خوارزمية المعاني، وهو المعنى الأمنيُّ لفلسطين، الذي لم تصُنه ذاكرةٌ ولم يحفظه تاريخٌ، وهو نفيٌ أنطولوجيٌّ لمشروع الذاكرة ومشروع التاريخ في آنٍ معاً، نفيٌ للفلسطنة: أرضاً، وناساً، وحكايةً. أمّا المعنى الأمنيُّ، بذلك ولذلك، هو حصيلة سلسلةٍ من الانحرافات التي أنجزها المُستعمِر الصهيونيُّ للأصلانيِّ الفلسطينيِّ وبه وعنه، ليطرده من المعنيَيْن السياسيِّ والثقافيِّ، ويشغله باليوميِّ الغارق في سياسةٍ بلا ثقافةٍ، وثقافةٍ بلا سياسةٍ، «ركضٌ موضعيٌّ»، في أحسن أحواله، وفي أسوئها، «بَطْنَجَةٌ» في طين الواقعية السياسية والثقافية Patinaje.

هنا، يُكافح الفلسطينيُّ، المبدئيُّ، كي لا يغرق «وجودُه» الأصلانيُّ الأوَّلانيُّ، في «فكرة» المستعمِر الاستيطانيِّ الثانويِّة. بين هذه المعاني الثَّلاثة لفلسطين، وأحياناً خارجها، يُقرأ ما يُكتب من فلسطين، ولها، وعنها (فلسطينياً، وعربياً، وعالمياً) بعدسات مُتطفِّلي النقد الذين يكفُّون عن صناعة الصِّنافيات التي تُرهق الكتابة والمُخيّلة، وهي صناعةٌ غيرُ مجَّانيةٍ؛ إذ تحكمها سياساتٌ ثقافيةٌ يفسَّرها الشرطُ العامُّ وتُفسِّره. تراوح هذه المقالة بين المعنيَيْن الأوَّل والثاني، فيما تتجاوز عن الثالث وهي ترمُقُه.

وليد دقَّة: حكاية انبثاق السياسيِّ

في مشروعه الثقافيِّ، الذي يجعل الثقافة ممارسةً سياسيةً بامتيازٍ، يسعى دقَّة إلى استكناه مآلات الحركة الوطنية في فلسطين المحتلَّة في العام 1948 من منظور أبناء هذه الحركة الذين انضمُّوا إلى صفوف منظَّمة التحرير الفلسطينية كرأس مالٍ نضاليٍّ قبل أوسلو، ليجدوا أنفسهم، بعد أوسلو، فكَّةً تفاوضيةً ليس إلا. وفي هذا السِّياق، فإنِّ «الزمن المُوازي» الذي يتأمّله دقَّة ويتألّمه، ليس زمن أسرى الحركة الوطنية الفلسطينية من أبناء فلسطين المحتلَّة في العام 1948 وحسب، بل والزمن المُوازي لفلسطينيِّي عام 1948، الذي يصوغه دقَّة في منظومةٍ مُحكَمةٍ تشكِّل خطاطة «الوعي الموازي» للوعي الوطنيِّ الموحِّد والموحَّد الذي دشَّنته يوماً منظَّمةُ التحرير الفلسطينية، قبل أن تكفَّ عن أداء مهمَّتها التاريخية للتحرير، وتغرق هي ووعيُها في مستنقع السُّلطة في منحىً تراجيديٍّ ناشئٍ عن سِفاح محارمٍ قتل فيه الوليدُ والدَه، وأبقى صورتَه مُعلّقةً على الجدار؛ لتنتقلَ المنظَّمةُ بذلك من استراتيجية «الكفاح المُسلَّح» إلى استراتيجية «كفاحِ المسلَّح»… إنَّه زمن النكبة المُستمرَّة، حدثاً وبُنيةً وتبعةً، في فصولها المختلفة، وفي جغرافيَّاتها المختلفة.

وليد دقة

يتحدَّر وليد دقة من باقة (الغربيَّة)، المولود فيها في العام 1961، وهي إحدى مدن المثلَّث الفلسطينيِّ الجنوبيِّ اليوم. وقد اعتقلته السُّلطات الصهيونية في 25 آذار 1986، ووجَّهت إليه تهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبيَّة لتحرير فلسطين، وحيازة أسلحةٍ ومتفجِّراتٍ، والقيام بعمليَّاتٍ فدائيةٍ داخل فلسطين المحتلَّة عام 1948، وأهمُّها خطف الجنديِّ "موشي تمام" في العام 1984، لغرض مبادلته بأسرى فلسطينيين وعربٍ في سجون الاحتلال. وقد حُكِم عليه بالسجن المُؤبَّد، الذي حُدِّد لاحقاً، على يد شمعون بيرس، بـ37 عاماً. وقد أُضيفت لمحكوميَّته سنتان أُخريان بقرار محكمةٍ جائرٍ في العام 2017.  وقد كانت آخرُ إجراءات تكميم صوت دقَّة وملاحقته نقلَه إلى سجن مجدُّو وعزله هناك في أوائل تشرين الأول من العام 2018، والتحريض الإعلاميُّ ضدَّه، ومحاولة إلغاء الفعاليات الثقافية لإطلاق «الحكاية» في مسقط رأسه.

تتنوَّع كتابات دقَّة التي تُشكِّل مشروعه الفكريَّ، بين الرسائل التأمّلية في التجربة الإنسانية بين القيد والحريَّة، وهو لا يزال في ماكنة السجن الرهيبة التي تقتاتُ على بقايا الذاكرة؛ والرسائل السياسية، والشخصية ذاتِ البُعد الوطنيِّ، التي تناقش قضايا سجاليَّةً على الساحة الفلسطينيَّة؛ من عدم التسليم بفشل تجربة الكفاح المسلَّح؛ ونقد انفلات السِّلاح غير المضبوط باستراتيجيَّة مقاومة وطنيَّة؛ وتعرية ما تتعرَّض له الحركة الفلسطينيَّة الأسيرة من عدم قدرة الرسميَّة الفلسطينيَّة والعربيَّة على حسم الأولويَّات، وضياعها بين ملفَّات التبادل والمفاوضات السياسيَّة؛ ونقاش مآلات القضيَّة الفلسطينيَّة بين الأدوات والثوابت الوطنيَّة؛ ونعي غياب الاستراتيجيَّات الوطنيَّة، تقريباً في كلّ شيءٍ؛ ومراجعة تجربة منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة في ترك فلسطينيي العام 1948 في فم الوحش الصهيوني دون «إدماجهم» في طليعة المشروع الوطنيِّ الفلسطينيِّ؛ ونقد تجارب العمل الوطنيِّ بين فلسطينيِّي العام 1948 أنفسهم.

وبالإضافة إلى دوره البارز في قيادة الحركة الفلسطينيَّة الأسيرة، ممارسةً وتنظيراً، وكتاباته المُتواصلة بالعربيَّة، وأحياناً بالعبريَّة، التي تُنشَر في الصحافة الفلسطينيَّة، وبخاصَّةٍ على صفحات جريدة «فصل المقال» وموقعَيْ «عرب 48» و«التجمع الوطنيِّ الديمقراطيِّ»، الذي صار عُضواً فيه بعد ربع قرنٍ من انتمائه للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إثر تأسيسه في العام 1995.

وكتاباته الأكثر رواجاً أربعةٌ، هي: تجربة الكفاح المسلَّح والشهادة: «يوميَّات المقاومة في مخيَّم جنين 2002»؛ وتجربة الحركة الأسيرة: «صهر الوعي»؛ والتجربة البينيَّة في «الزَّمن الموازي»: إذ كتب دقّة رسالةً في اليوم الأوَّل من عامه العشرين في الأسر 26 آذار 2010، صارت تُعرف لاحقاً بنصِّ «الزَّمن المُوازي»، وأحيلت إلى نصِّ مسرحيٍّ زلزل المشهد الثقافي الصهيونيَّ قبل سنتين، يُعالج فيها مفارقات الزمن السياسيِّ والزمن الأنطولوجيِّ للأسرى الفلسطينيِّين: في السجن الأكبر؛ وتجربة الكتابة الفنيَّة في «حكاية سرِّ الزَّيت».

هذا، بالإضافة إلى إنجازه اللقب الجامعيَّ للماجستير في دراسات الديمقراطيَّة مُتعدِّدة التخصُّصات بتركيزٍ على المجتمع السياسيِّ الديمقراطيِّ، من «الجامعة المفتوحة الإسرائيليَّة»، في العام 2010؛ ودرجة الماجستير في الدراسات الإقليميَّة مسار "الدراسات الإسرائيليَّة"، من جامعة القدس ، في العام 2016؛ وتحضيره، حالياً، لدرجة الدكتوراه في الفلسفة من «جامعة تل أبيب»، بأطروحةٍ تبحثُ في إمكانية إيجاد حلٍّ لأزمات الحداثة الغربيَّة وما بعدها، من خلال تأصيلٍ لحلول أخلاقيَّةٍ من الفكر العربيِّ. هذا بالإضافة إلى العديد من الكتابات غير المنشورة، والتي نسعى إلى تأطيرها في سياق منظومتَيْ «سنوات الرصاص الفلسطينيَّة» و«الوعي المُوازي» في مشروعٍ كتابيٍّ أوسع.

سرِّ الزَّيت: حكاية انبثاق الثقافيِّ

لا يبدو أنَّ «حكاية سرِّ الزَّيت» أتت من رغبةٍ محضةٍ، أو اهتمامٍ طارئٍ بالكتابة للأطفال، الذين يخصُّهم دقَّة بهذه التجربة، إذ ثمَّة إحالاتٌ مرجعيَّةٌ يُمكن تتبُّع خيطها الناظم في كتاباته في ثلاث تجارب مُتفاوتةٍ، حول: النسل، والذاكرة، ونسل الذاكرة، يتضافر الخاصُّ فيها بالعامِّ؛ إذ هي «مفرد(ةٌ) بصيغة الجمع». نتأمّل في التجربة الأولى غياب النسل، الطفل والطفولة، عيانيَّاً، عن دقَّة في أسره، وذلك في نصَّين اتَّخذا شكل رسائل لكلٍّ من «ريما» و«ميلاد»، من نسل الفلسطينيين الأقرب إلى وليد «شخصيَّاً». ونتأمل في التجربة الثانية، ذاكرة الطفل الذي في وليد على شكل ظلٍّ يُلازمه في سجنه، لكنَّه لا يكبُر معه، حضورٌ للطفل-الظلِّ في «أنت تطلبُ الإذن لتقييد نفسك»؛ فيما نتأمل في التجربة الثالثة ثُلاثيَّة حضور «نسل الذاكرة» حين التقت التجربتان: تجربة غياب النسل العيانيِّ وحضور ذاكرة النسل التأمّليَّة، حيث صدرت عنها ثلاثيَّة: «حكاية سرِّ الزَّيت» المنشورة، و«حكاية سرِّ السَّيف» المخطوطة، و«حكاية سرِّ الطَّيف»، التي برسم الكتابة.

يُمكن قراءة التجربة الأولى من ثلاثة نصوصٍ: أمَّا الأوَّل، فرسالةٌ إلى ريما  (أخت سناء سلامة زوجة وليد)  بتاريخ 22 شباط 2007، حيث أرسل دقَّة رسالةً مُصوَّرةً إلى ريما تتحدَّث عن هديةٍ كان يُفتَرض أن تكون قطاً، ولكنه آثر أن تكون فأرةً، فرغم ميزاتها العديدة عن القط، إلا إنها غيرُ مرغوبةٍ في البيت من قبل الوالدة. أما النص الثَّاني، فرسالةٌ بعنوان: «أكتب لطفلٍ لم يولد بعد»، بتاريخ 27 آذار 2011، ونشرها موقع «عرب 48» لمناسبة مرور ربع قرن على أسر دقَّة (منذ 25 آذار 1986)، وكان لا يزال، في حينه، يخوض نضالاً لتحديد عدد سنوات محكوميَّته، والسَّماح له بالإنجاب من زوجته، فيما ترفض السُّلطات الصَّهيونية لـ«عتباراتٍ أمنيةٍ». وقد جاء في الرسالة:

«أكتب لطفلٍ لم يُولَد بعد… أكتب لفكرةٍ أو حلمٍ بات يُرهب السجّان دون قصدٍ أو علمٍ، وقبل أن يتحقَّق… أكتبُ لأيِّ طفلٍ كان أو طفلةٍ… أكتب لابني الذي لم يأتِ إلى الحياة بعدُ… أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسمّيه/نسمّيها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا… عزيزي ميلاد… اليوم، أُنهي عامي الخامس والعشرين في السجن-تسعة آلافٍ ومئةٌ وواحدٌ وثلاثون يوماً وربعٌ (9131)… إنَّه الرقم الذي لا ينتهي عند حدٍّ… إنَّه عمري الاعتقاليَّ الذي لم ينتهِ بعد… وها أنا قد بلغتُ الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة… والأيام قد قبضت على عُنُق الأيام… كلّ يومٍ أمضيته في السجن يقلب «شقيقه» الذي أمضيتُه في الحياة، ككيسٍ يُحاول إفراغ ما تبقّى به من ذاكرةٍ… فالسجن كالنار يتغذَّى على حُطام الذاكرة… وذاكرتي، يا مُهجة القلب، غدت هشيماً وجفَّ عودُها… أهرِّبها مدوَّنةً على ورقٍ حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان…

أما أنت، فأنت أجملُ تهريبٍ لذاكرتي… أنت رسالتي للمستقبل بعد أن امتصَّت الشهور رحيق إخوتها الشهور… والسنين تناصفت مع أخواتها السنين… أتحسبُني يا عزيزي قد جُنِنتُ؟؟ أكتب لمخلوقٍ لم يولد بعد؟؟ أيّهما الجنون… دولةٌ نوويَّةٌ تُحارب طفلاً لم يولد بعد، فتحسبه خطراً أمنياً، ويغدو حاضراً في تقاريرها الاستخباريَّة ومرافعاتها القضائيَّة… أم أن أحلم بطفلٍ؟؟ أيُّهما الجنون… أن أكتب رسالةً لحُلمٍ أم أن يُصبح الحلم ملفَّاً في المخابرات؟؟ أنت يا عزيزي تملكُ الآن ملفاً أمنيَّاً في أرشيف «الشاباك» الإسرائيليِّ… فما رأيك؟؟ هل أكفُّ عن حُلمي؟؟ سأظلُّ أحلم رغم مرارة الواقع… وسأبحثُ عن معنىً للحياة رغم ما فقدتُه منها… هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالةٍ موهومةٍ… نحن نبحث عن مستقبلٍ أفضل للأحفاد… لا شكَّ آتٍ… سلامٌ ميلاد… سلامٌ عزيزي».

كما يمكننا العثور على إشاراتٍ أخرى عن الطفولة، بوصفها «نسلاً» عيانيَّاً، في شذراتٍ مُتفرِّقةٍ من كتابات دقَّة غير المنشورة، وبخاصّةٍ النصَّ اللافت: «رياحين الشباب… بين مفاصل صخر الدولة العبريَّة» المكتوب في سجن الرملة، والذي يُشكِّل النصَّ الثالث في هذه التجربة الأولى عن الطفولة وبها ولها. وهو نصٌّ سِيَريٌّ، لم يكتمل، كما يبدو، لإحجام دقَّة عن الكتابة كلَّ مرَّةٍ يتعرّض فيها للقمع أو النقل أو العزل على أيدي جلَّاديه من «مصلحة السجون» الصهيونيَّة. نقرأ في هذا النصّ، المُكوَّن من فصلين، استدعاءاتٍ سِيَريَّةً حول طفولة دقَّة وشبابه، وانتقاله من المدرسة إلى الانخراط في «سوق العمل» الصهيوني في مستعمرة «تل أبيب». لكنَّ هذا النصَّ لم يكتمل للأسف، وعلى ما يبدو أن دقَّة يرفض العودة إليه في المرحلة الحالية.

وأما التجربة الثانية، والأكثر تركيباً، والتي كُتِبت، على ما يبدو بعد «حكاية سرِّ الزَّيت»، لكنَّ ظروف الأسر والنَّشر، حكمت أن تُنشَر قبلها، فكانت بعنوان: «أنت تطلب الإذن لتقييد نفسك»، وهي نصٌّ وراء الميلانكوليا، وحديثٌ رهيفٌ مع ظلِّ دقَّة في الأسر، الظلِّ الذي لا يكبُر، ولكنَّه يعتبُ على صاحبه الذي قضى في الأسر وأخذه معه قرابة 33 عاماً. يشدُّ دقَّة، بكتابة، «بحارَ الشِّعر» إلى «قرونٍ يابسة الفلسفة»؛ ولا يُحاور الظلَّ على أرضٍ يدوسُها؛ فليس يملك ترف السير على التراب، كما جاء في مقابلته الأخيرة، بل ليس يملك ترف التمتُّع بكرويَّة الأرض حتّى وإن داس ترابَها، ولا ترفُ درويشٍ أنَّه «لو لم تكن كرويَّةً» لواصل السير؛ فأرضُ دقَّة مستويةٌ، وظلُّه طفلٌ مُعاندٌ يحرس الذاكرة، لم يتقدّم في السنّ ثانيةً واحدةً؛ إذ هو الحلم، والأحلام لا تشيخ، ولا تموت: الأحلام أزلٌ-سرمديٌّ، علَّة أولى لذاتها وأصحابها.

من ثنائية العمر والأسر، التي تُحيل ذات دقَّة وجسده إلى حيِّز الترادف؛ إذ «العمر والأسر (فيه) مُترادفان»، ولربما الطِّباق الذي لم يُصرِّح به، يحاول نفي ما يُمكن أن يَعْلَق بالمقولة الفلسفيَّة في تأمّله من نرجسيَّةٍ، نرجسيَّةٍ استيهاميَّةٍ لدى القارئ، لا لديه، ذلك أنَّه لم يعرف النرجسيَّة إلا لماماً، لدى الشعراء ربما، لكنَّه يحاول إفراغ ذاته الأنطولوجيَّة-الشاغرة من أناه السياسيَّة-الشاعرة، وإدراك الفرق الخالص بين الاثنتين، وهو الفرق الخالص بين جسد تثنيه الثواني، وظلٍّ عصيٍّ على الانثناء.

يقول: «الفراغ لا يُفرَّغ إلّا إذا أدركناه فراغاً، وإفراغ الفراغ ملءٌ، والذات إناءٌ للنرجسيَّة، وهي ذات الذات التي لا تُدرَك إلّا إذا صقلتَ زجاج روحك ومسحتَ عنها سناً كانت قد تراكمت جرَّاء احتراق معارفَ فيك. وبقدر ما يضيء فيك هذا الاحتراق نوراً، يُراكم على زجاج الروح سواداً يحجب النور. قلتُ إنَّني صقلتُ زجاج روحي وأتحتُ للنور أن يعبُرَني، تقشَّرتُ من جسدي الذي خرجتُ منه وتأمَّلتُني، كنتُ المُشاهِد والمشهد، الذات والموضوع في الوقت نفسه. لم أكن أنا، لكنَّني لم أكن الآخر، أو كنتُ في الحقيقة اللَّا-أنا... كنتُ في الحقيقة اللَّا-أنا حتَّى تمكّنتُ من التسلُّل بين الأنا واللَّا-أنا والتقيتُ بروحي».

في هذه المُحاورة الأقرب للمساورة، وهي ليست من الميلانكوليا في شيءٍ، يستدعي دقَّة الذي يتساءل عن البحر واللوز والتراب، بمعانيها الحسيَّة لا الأيديولوجيَّة، مساورات مظفّر النواب في «عروس السفائن»: «أنا عاشقٌ أيّ هذي البحار لأجراسكنَّ.. فقد أوحشتني الشوارعُ… فاضَ، فاضَ الإناءُ. بنيتُ بيوتاً من الوهم والدمع، أين هوَ العشقُ… أين هوَ العشقُ، أين هو العشقُ… تـمَّ البناءُ.. أُحاور روحي أحاورها… وكلّ حوارٍ مع الروح ماءٌ... بكى طائر العُمر في قفصي مُذْ رأى مخلب الموت ينزلُ في صحبه ويَكُفُّ الغناء... متى أيّ هذي العروسُ يجيء الزمان الصفاء».

وعلى الرغم من الشعريَّة الخالصة في العودة إلى مرحلة المرآة اللاكانيَّة في سياقٍ استعماريٍّ أحدث رضَّةً مُرَّة في جسد الطفل وجسد الظلِّ، والجسد-الطفلِّ-الظلِّ الذي يُجري المساورة مع نفسه في كرنفالٍ تأمُّليٍّ مهيبٍ في ساحة السجن وقت «الفورة»… رغم ذلك كلِّه، إلا إنه يُنصِّب من ذاته-الشاغرة (الأنطولوجيَّة) حَكَماً بين الجسد والظلِّ، الصديقين اللدودين في ذاته- الشاعرة (السياسيَّة) في حواريَّةٍ رهيفةٍ مؤدَّاها أنَّ الظلَّ يُنكر الجسد الذي شكَّله وجوديَّاً، ونفاهُ سياسيَّاً، حين صار من موجودات «الزمن الموازي»، وصيَّر الظلَّ شاهداً عليه، وشهيداً معه…

هنا، ينقلب الظلُّ على صاحبه، ويُنكِره: «من أنت، أنا لا أعرفك»، ويعيده خمسين عاماً إلى الوراء، ولا يقبل اعتذاره، ويُصرُّ على أنَّه لا يريد أن يعرفه: «أنا لا أريد أن أعرفك»، قال وأجهش بالبكاء، «أنتَ لستَ أنا، ما الذي فعلتَه بي؟ أين أحلامنا؟ ماذا فعلتَ بها؟ أحلامي ليست ما أنت عليه، ليس هكذا أردتُ أن أكون، ليس هذا ما حلمتُ به، أين هي الحقول الخضراء الشاسعة التي تمتزج في أفُقِها خُضرة الأرض بزُرقة السماء، أين هي الخيول التي وعدتَني بأن تُطلِقها لتُسابق الرِّيح عَدْواً نحو المدى؟ والبحر؟ أين هو البحر الذي أقسمتَ أن تصل إليه؟ لماذا قتلتَ الطفل الذي فيك؟ والطيبة والبراءة التي كنتَ عليها؟ لماذا تركتَني وحيداً؟»

لا تقتصر المساورة على عتاب الذات-الظلِّ لصاحبها-الجسد؛ بل تمتدُّ إلى نقد سياسات الأمل المؤدلجة التي لا تعدو كونها «أوهاماً يرسمها عقله المحموم»، تمتدُّ لنقد أيديولوجيا الصبر: «… لقد سبق واخترتَ طريقك، وطريقك قادتك إلى هنا، إلى العزلة والسجن، عليك أن تتوقَّف عن مثل هذه الأحلام، فأنت تعاوِدُ مرَّةً أخرى لتعذِّبني بأحلامك». لكنَّ الذات-الجسد تُكابِر، مكابرة العارفين الذين يؤدلجون الحسرة: «أنت حتَّى الآن لم تستوعب الفكرة… ما تسمّيه «اختياراً لطريقٍ»، هو في الحقيقة مصيرٌ». فتردُّ الذات-الظلُّ، ساخرةً من رومانسيَّة عبد الرحمن منيف أنَّ الطريق مرسومةٌ، وليس لنا إلا اختيار الركوبة، بالقول: «الأيديولوجيا ليست قدراً، إنّما اختيارٌ». وتُواصِل الذات-الجسد عنادها: «لكنّني لم أقُل «قَدَراً»، إنِّما «مصيراً»، وثمّة فرقٌ بين المصير والقدر، وعلى كلِّ حالٍ، الأيديولوجيا وهمٌ... وهمٌ يصنعه العقلُ البشريُّ لغرض خلق توازنٍ بين الإدراك والواقع، بين الحلم والحقيقة. خدعةٌ، لكنَّها خدعةٌ ضروريَّةٌ للحفاظ على التوازن العقليِّ والنفسيِّ، تماماً كالجنَّة والمجتمع الطوباويِّ والحياة بعد الموت، فهذه جميعاً ضروراتٌ. تخيَّل لو أنَّها غيرُ موجودةٍ في المخيال الإنسانيِّ، لكان الكثير من الأشقياء في هذه الدنيا انتحروا».

وعلى الرَّغم من أنَّ دقَّة لا يزالُ يُشفق على ظلِّه، ويراهُ طفلاً لا ينبغي كسره، إلا إنَّ الظلَّ-الطفل يُدافع حتى النهاية عن صوابيَّة رأيه، ويسخرُ من صاحبه، بل ويرفُض السير معه، ويرفض محاولات نبش ذاكرته المؤلمة في حيِّز السجن الذي تُصادَرُ فيه، أوّل ما تُصادر، الطيبة والبراءة؛ «عند بوَّابة السجن، قبل اسمك وفردانيَّتك وبعض ملابسك وأشيائك القليلة التي تحبُّ». وحين يقطع السجَّان الأرعن، ذي الثمانية عشر عاماً، مساورة دقَّة مع ظلِّه ليعيد الرجُل وظلَّه الطفل إلى الزنزانة («سجن السِّجن» في عُرف عصمت منصور في رائعةٍ أخرى من روائع «سنوات الرصاص الفلسطينيَّة»)، تتصاعد الأحداث: «اقتربتُ بسرعةٍ من الحائط كي أمحو ظلَّ الطفل، لكنَّه قاومني، وأمسك ذراعي، ومنعني من محوه، ثمَّ قفز داخلي.

لذتُ بالصمت وأخفيتُه بي، حاولتُ ألا أُثير شكوك السجَّان الذي مددتُ له معصمي ليكبِّلني، ثمَّ سألتُه: «كم تبلغ من العمر؟». يتجاهل السجَّان السُّؤال، ويزدري السائل، لكنَّ دقَّة، يواصل حواريَّته حتَّى مع السجَّان، قائلاً: «أنت مثلي… السجَّان يُنشئ سجيناً على شاكلة مخاوفه، كلانا بمعزلٍ عن الأزاميل التي بحوزتنا وكم هي مدبَّبةٌ، ينحتُ الواحد الآخر على شاكلتِه، أنا وأنت، النحَّات والمنحوت، أنت تنظر إليَّ وترى نفسك، وتخشى أن أهرب كما لو كنتُ تمثال دِدِلوس، لهذا تريد أن تضع في معصميَّ مزيداً من القيود، حتَّى لا أحلَّ مكانك وأصبح الضحيَّة، لكنّني أريد أن أحرِّرك من قيودك. يأخذ السجَّان جهاز الاتصال من وسطه ويتحدَّث إلى مركز القيادة: «يبدو أنَّ السجين عاد ليهذي مجدَّداً، أطلب إذناً بتقيِّيده في السرير وتصنيفه سجيناً خطيراً يتطلَّب المراقبة الدائمة… انتهى». ابتسمتُ وقلتُ له بحزنٍ: «مرَّة أخرى، أنت لا تدرك ما أقول، أنت في واقع الأمر تطلب الإذن لتقييد نفسك»».

تنافذ الثقافيِّ على السياسيِّ: مقولات «حكاية سرِّ الزَّيت»

لعلَّ التجربة الثالثة للكتابة عن الطفولة وبها ولها في مشروع دقَّة، والتي وصفناها آنفاً، بأنَّها ثلاثية حضور «نسل الذاكرة» حين التقت التجربتان: تجربة غياب النسل العيانيِّ وحضور ذاكرة النسل التأمّليَّة، حيثُ صدرت عن ذلك ثلاثيَّة: «حكاية سرِّ الزَّيت» (المنشورة)، و«حكاية سرِّ السَّيف» (المخطوطة)، و«حكاية سرِّ الطَّيف» (التي برسم الكتابة)… لعلَّها تُجسِّد الشكل الفنيَّ والفكريَّ والسياسيَّ الأكثر نُضجاً في تجربة الكتابة للأطفال. وقد اختار الشكل الفنيَّ على شكل «حكاية»، في حين اختار رفاقه من أبناء الحركة الفلسطينيَّة الأسيرة أشكالاً أخرى؛ إذ اختار القائد الوطنيُّ مروان البرغوثي الكتابة لابنه القسَّام على شكل رسالةٍ في «ألف يومٍ في زنزانة العزل الانفراديِّ»، وللطفل أحمد مناصرة وللطفلة عهد التَّميمي؛ واختار الروائي المناضل وليد الهودلي الكتابة على شكل قصَّة لـ«عائشة والجمل»؛ واختار أسرى آخرون ما اختاروا من أشكالٍ كتابيَّةٍ مُلفتةٍ.

من حيث الإطار العام، كُتبت هذه الحكاية في سجن «الجلبوع» في صيف العام 2017، وصدرت عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعيِّ في صيف العام 2018، برسوماتٍ للفنان فؤاد اليمانيِّ، وتصميم حنين الخيري. وتُشكِّل «حكاية سرِّ الزَّيت» المنشورة، وتتناول مآلات الحركة الفلسطينية الأسيرة، الجزء الأول من هذه الثلاثيَّة؛ فيما تُشكِّل «حكاية سرِّ السَّيف» المخطوطة في سجن «الجلبوع» في خريف العام 2018، وتتناول مآلات الحركة الفلسطينيَّة اللاجئة، الجزء الثاني؛ وتشكِّل «حكاية سرِّ الطَّيف» التي لا تزال برسم الكتابة، وتتناول مآلات الحركة الفلسطينيَّة الشهيدة، الجزء الثالث. ولعلَّه من غير المُستَغرب أن تتناول هذه الثلاثية الجغرافيات المُهمَّشة في الخطاب الرسميِّ الفلسطينيِّ، وأغنى مواقع الذاكرة والتاريخ الفلسطينيَّيْن على الإطلاق: السجن، والمخيم، والمقبرة.

أمَّا من حيث «الغاية» التي لم يترك دقَّة من مجالٍ لمطاردة نواياه في تكريس الكتابة لأجلها، فيوضّحها في التسجيل الصوتيِّ الـمُحرَّر من السجن، والذي بُثَّ في مطلع الأمسيات الجماهيريَّة التي كُرِّست لإطلاق الحكاية والاحتفاء بها، والإهداء إلى «جود»، قناع الطفل الفلسطينيِّ عموماً، وابن أسعد دقَّة شقيق وليد؛ والمقدِّمة الرشيميَّة للحكاية… تُحيل كلُّها إلى أنَّ هذه الحكاية ليست إلا استمراراً، ولربما تكثيفاً، لأطروحات «الوعي المُوازي»، المشروع الفكري الهائل الذي يشتغل عليه دقَّة باقتدارٍ من داخل السجن.

يقول دقَّة في هذا التسجيل المُحرَّر: «ليس السجن بأسواره وأسلاكه الشائكة هو الذي يأسرُنا فحسب، ولو سألتموني ما هو أهمُّ استخلاصٍ لك خلال هذه العقود الثلاثة التي أمضيتُها في السجن، لقلت بأنَّنا فقدنا فلسطين لا لأننا ضعفاء، وإنّما نحن ضعفاء بفعل الجهل، ومنقسمون بفعل الجهل. الجهل هو أشدُّ أعدائنا، والجهل هو أخطر السجون، وأنَّه يحوِّل عقلك لزنزانةٍ تحتجز فيها مستقبلك ومستقبل الأجيال القادمة. لم يكن دافعي لكتابة «حكاية سرِّ الزَّيت» الإبداع، وإنَّما الصُّمود داخل الأسر، ولم يكن الصُّمود مُمكناً، كل هذه السنوات الطويلة، دون أن أحرِّر عقلي من زنزانته رويداً رويداً، وبقدر ما أرغب بالتحرُّر من السجن، أريد أن أنتزعه منّي.

أكثر ما آلمني هو أنّني عايشتُ في الأسر الجدَّ والابن والحفيد، وشعرتُ بأنَّ ثمَّة سيناريو يُعيد نفسه، وكأنَّ السجن ورثةٌ يرثه الأبناء والأحفاد عن الأجداد. ولهذا، أردتُ أن يخرج «جود» في «حكاية سرِّ الزَّيت» عن هذا المألوف، وأن يخطَّ طريقه خارج الدُّروب التي تؤدِّي إلى السجن، وأن يفكِّر بالمستقبل على نحوٍ يختلف عما فكَّرت به أجيالنا. أردتُ أن أطلق العنان لخيال هذه الأجيال حتى تتحرَّر من السيناريوهات التي أُعدَّت لنا فأعددناها لهم، ودخلت أجيالٌ وشعبٌ بكامله داخل الأسوار». ويُردِف دقَّة هذا القول بما جاء في المقدمة الرُّشيميَّة للحكاية، المقولة الناظمة للقصَّة بأكملها: «أكتب حتى أتحرَّر من السجن، على أمل أن أُحرِّرهُ منِّي (5)». كما يهدي الحكاية: «إلى جود حتى يعيش طفولته، وإلى كلِّ الأطفال الذين أصبحوا رجالاً ونساءً، بالغين قبل أوانهم، وإلى كلِّ البالغين الذين حرمهم السجن طعم الطفولة (7)».

إنَّ قراءة هذه «التأطيرات» السياسيَّة للحكاية، لا تترك مجالاً لمطاردة نوايا دقَّة في الكتابة عن الطفولة الأسيرة وبها، وتوفِّر على متطفِّلي النقد، وسيَّاح النضال الناعم، وممرَّضي الذائقة… أسئلة انسجام البُنية، وتحقُّق الجدوى، وسلامة الجماليَّات، فنواياه واضحةٌ ببلاغة اللافتة، ولا تُحيل الحكاية فنّياً ولا سياسيَّاً ولا جماليَّاً إلى ما يقتل الإبداع، على الرغم من أنَّه ينفي تهمة «الكتابة من أجل الإبداع». وعليه، ينبغي على القارئ أن يبقى وفياً لفلسفة دقَّة الممارِسة، ومقولته الوطنيَّة المُنازِلة، وغاية كتابته للأطفال من بطن الوحش، من ظُلمة السجن وظلمه.

على مستوى اللغة، يكتب دقَّة «الحكاية» بلغةٍ فصحى سائغةٍ، تتخلَّلها العامّية الفلسطينيَّة، التي تمَّت «ترجمتها» في النسخة المنشورة، العامّية غير الرخوة، والتي لم نعتد عليها في أدب اليافعين الفلسطينيِّ الذي ميَّع بعضُهُ كلَّ شيءٍ. يستخدم دقَّة مفردات المعاناة التي تُشير إلى الاحتلال كحاضنةٍ مُولِّدةٍ لأشكال العداء كافّةً، وبوضوحٍ لا يتخلَّله تلطُّفٌ ولا شعاريَّةٌ، ولكن دون خيانةٍ للذاكرة، ودون أي أثرٍ للرضَّة الثقافيَّة التي أصابت الكتابة الفلسطينيَّة حول «ضرورة» ترك الضحية لجلدها. بهذه اللغة، يُجسِّد دقَّة واقع الاحتلال الصهيونيِّ دون اعتذاريَّات الجماليَّة الباهتة، فيكتب عن: الجدار بتفاصيله الموحشة والمتوحّشة من مجسَّاتٍ وأجهزة إنذارٍ ودوريَّاتٍ مراقبةٍ، وعن الأرض، والتَّصاريح، والولادة في السجن، وخارج السجن، والنُّطف المُحرَّرة، والمنع الأمنيَّ، والتطهير العرقيَّ للأشجار، وإمكانيَّة الأمل، والعمل عند العدو وهمومه، والتنسيق الأمنيِّ مع العدو، وحتَّى عن الخدمة في جيش العدو.

أما على مستوى الشكل الحكائيِّ، وبالإضافة إلى الإحالة المركزيَّة في «حكاية سرِّ الزَّيت»، وهي قصَّة مسيح فلسطين والعالم، عيسى بن مريم، والقصص القرآنية في حكاية «أهل الكهف»… يتوسَّل دقَّة، الإرث العربيَّ والأثر المشرقيَّ في الكتابة على ألسنة الكائنات في العصر العباسيِّ، كما في الأمثولات الكبرى لهذا الفنّ من ترجمات الكاتب، فارسيِّ المنشأ، عبد الله ابن المقفع، وبخاصَّةٍ «كليلة ودمنة»؛ والصوفيِّ، نياسبوريِّ المنشأ، فريد الدِّين العطَّار في «منطق الطَّير»؛ والقاضي، أنطاكيِّ المنشأ، المحسن بن علي التنوخيِّ في «الفرج بعد الشدَّة».

المقولة الأولى: سرد البطولة، ونعي تفكيكها

من مطلع «الحكاية»، يقدِّم دقَّة نموذجاً لإمكانيَّة الكتابة عن البطل الفلسطينيِّ دون تفكيكه، ودون منح البطولة ولا البطل تقاعُداً مبكّراً، عبر خطٍّ حكائيٍّ سلسٍ حول الطفل «جود» الذي يريد أن يعبر الجدار، في رحلة سحريَّة، رفقة خمسة حيوانات لكل منها قصةٌ مع الاحتلال الصَّهيوني: الأرنب، والطَّائر، والقط، والكلب، والحمار، والزَّيتونة «أم رومي»، وينجح في زيارة والده في السِّجن الصَّهيونيِّ، واكتشاف «سرِّ الزَّيت» في الإظهار والإخفاء. صحيح أنَّ «الحكاية»، تنتمي من حيث النَّوع الكتابيِّ إلى ما يعرف بـ«أدب الأطفال»، لكنها كتابةٌ مساجِلةٌ، لا تؤمن بتفكيك البطل، وتشجب ملله من دوره، إذ لم يُتَح لدقَّة، بعد، ترف التَّأمل في سؤال درويش: «عن ماذا نكتب إن انتهى الاحتلال؟»، إذ لم ينتهِ الاحتلال، ولو انتهى لكتبنا عن انتهاء الاحتلال؛ لكنَّه يجيب سؤال حسين البرغوثي: «هل تنجب هذه الأرض المحتلَّة غير اللغة المحتلّة؟»، بالإيجاب، إذ أنجبت الأرض المحتلَّة «حكاية سرِّ الزَّيت»، مثالاً لامعاً، وأمثولة.

ولهذا الغرض، من إعادة الاعتبار لثقافة البطولة التي فكّكتها الرسميَّة الفلسطينية أو تكاد، يُصمِّمُ دقَّة سرديَّته في ستّة أقسامٍ غير مُعنونةٍ: يقدِّم، في الأوَّل، الحكاية، وشخصيَّاتها؛ ويصفُ، في الثاني، عملية التسلُّل الأولى لمجموعة «جود» إلى ماوراء الجدار والعودة بسلامٍ. فيما يمنحُ، في الثالث والرابع، دور بطولةٍ مميّزٍ لشجرة الزيتون «أم رومي» التي يرغب الصهاينة في اقتلاعها من «خلَّة العجوز»، على مقربةٍ من قرية بيت دجن في نابلس، على الجانب الشرقيِّ للجدار، لزراعتها على مُفترق طرقٍ قرب العفُّولة في فلسطين المحتلَّة في العام 1948، على الجانب الغربيِّ من الجدار، إذ تنجح الزيتونة في «تهريب» المجموعة في جوفها خلال عمليَّة النقل، كما تنجحُ في منح «جود» سرَّ الزَّيت، إخفاءً وإظهاراً. وأمَّا في الخامس، فيمكِّن المجموعة من اقتحام السجن في الخفاء؛ حيثُ يزور «جود» أباه، وتتبادل المجموعة المعارف على خطِّ «الزمن المُوازي»؛ لينتهي السادس، بتداول الأخبار في السجن، وخارجه، وانتصار الأطفال، ومشاركتهم في تحرير المستقبل، بوصفه «أقدم أسيرٍ عربيٍّ».

المقولة الثانية: النُّطف المُحرَّرة، المُخلِّصون الجدد

في هذه «الحكاية» الجارحة، رغم مألوفيَّتها لدى الفلسطينيين، يطرح دقَّة تساؤلاتٍ حول المخاوف والمحاذير والفُرص المُمكنة لاجتياز الجدار العنصريِّ، ولكنَّه يُخصِّص حالة عبور الجدار من قبل أحد أبناء الأسرى الفلسطينيين الذي جاء إلى الحياة نتيجةً لنطفةٍ مُحرَّرةٍ من والده، لا «مُهرَّبةٍ» كما يسود في التداول الإعلاميِّ الفلسطينيِّ وغيره، حملت بها والدته وهي خارج الأسر، وهو الطفل «جود» الذي منعته السلطات الصهيونيَّة من زيارة والده، عقاباً له على ولادته بتلك الطريقة كـ: نطفةٍ مُحرَّرةٍ. فالطفل «جود»، بطل القصَّة وابن الثانية عشرة، مجازٌ متعدِّدٌ يُشير إلى الجهد الأسطوريِّ الذي بذله الأسرى الفلسطينيون لتحرير نُطفهم، وكذلك زوجاتهم، للحمل بتلك النُّطف، حيث سجَّل العام 2012 أول نجاحٍ فعليٍّ بولادة الطفل صلاح الدِّين للأسير المُناضل عمَّار الزَّبن وزوجته دلال ربايعة من نابلس، ولادةٌ من السجن، وخارج السجن في آنٍ معاً.

وعلى امتداد «الحكاية»، ينحتُ دقَّة من «جود» أيقونةً خلاصيَّةً في زمنٍ عزَّ فيه المُخلِّصون، وبُشرى بالتحرير للأسرى وللمستقبل. ففي محاولةٍ رهيفةٍ لتوصيف محنة الفلسطينيين مع أعدائهم، يستدعي دقَّة، دون تكلُّفٍ أيديولوجيٍّ، بعض أسرار الخلاص للفلسطينيين من خلال «أم رومي»، الأيقونة الأخرى التي تُشارك «جود» بطولة «الحكاية».

يُخرج دقَّة التناصَّ التاريخيَّ بين فلسطينيِّ اليوم وفلسطينيِّ الأمس من مجاز المُشابهة إلى واقع التطابق، حين تنطق شجرة الزيتون «أم رومي» مقارِنَةً بين «جود»، الأيقونة الحاضرة الذي جاء إلى الوجود «بلا» أب ٍحاضرٍ عيانيَّاً، والمسيح ابن مريم الذي ولد «بلا» أبٍ حاضرٍ عيانيَّاً، حيث مُنِحَ كلاهما «سرَّ الزَّيت» لأداء مهمَّةٍ خلاصيَّةٍ لا تنقضي عجائبها في المخيالين الفرديِّ والجمعيِّ. تقول الزيتونة «أم رومي» مُحيلةً إلى تجارب المحنة والخلاص في تاريخ الفلسطينيِّ: «أنتم البشر قد تسمعون، لكنَّ فهمكم غير مضمونٍ، فكما تزرعون تقلعون، وتعتقدون أنَّ الحيوانات أقرب منَّا إليكم، وتمتلك تجربةً وعقلاً أقرب لعقولكم، والتَّجربة حياةٌ، فكم تعيش الحيوانات؟ هل عاش حيوانٌ مثلي ألفاً وخمسمائة عامٍ؟ بل كم تعيشون أنتم!؟ تعيشون وتموتون وتعتقدون أنَّ عُمر الشَّجر بأعماركم.

أنا في ظلِّي استظلَّتْ شعوبٌ، وفي زماني انهارتْ ممالكٌ، واختبأ في جذعي هاربون من السُّلطان، وأكل من زيتوني وزيتي رُسُلٌ وحُجَّاجُ ومسحوا به على أجساد الرُّضَّع، وأضاؤوا به بيوتهم وبيوت الله. في الزَّيت سرٌّ لم يمنحه أجدادي لأحدٍ سوى لطفلٍ قبل أكثر من ألفي عامٍ، فمسح الطفل الزَّيت بكفِّه بقلبٍ طاهرٍ على وجوه المرضى فشفاهم، وقلبُك يا جود طاهرٌ أبيضُ كالثَّلج، فقد سمعتُ صرختك وأنت تنادي أباك، صرخةً مزَّقت فيَّ اللِّحاء، لا شيءَ أطهرُ من صرخة طفلٍ مقهورٍ ينادي أباه، واليوم أمنحك سرِّي لتشفي أهلك والناس من وباء العصر، وليس أمامنا الكثيرُ من الوقت، فهم يريدون اقتلاعي من هذه الأرض، كما يريدون اقتلاعك من قلب أبيك (46)».

المقولة الثَّالثة: من الكفاح المُسلَّح، إلى كفاح المُسلَّح

تمثِّل شخصيَّة الكلب «أبو ناب» البطل المضادّ في «الحكاية»، إذ تُجسِّد تحوُّلات النضال الفلسطينيِّ من الكفاح المسلَّح إلى كفاحِ المُسلَّح، حيث يتَّخذه دقَّة موضعاً وموضوعاً لنقدٍ لاذعٍ لثقافة أوسلو التي أحالت الفلسطينيَّ في زمن التنسيق الأمنيِّ إلى كلبٍ بنابٍ واحدٍ، لا يشبه نفسه، ولا يشبه حتى النُّمور الخانعة التي تأكل العشب في رائعة زكريا تامر «النُّمور في اليوم العاشر». ولعلّ في أعمال دقَّة، وبخاصَّةٍ في «صهر الوعي» و«التعميمات الداخليَّة» غير المنشورة في «أرشيف وليد دقَّة» والرُّسومات السورياليَّة له، ما يُحيل إلى ما يتمُّ تداوله إسرائيليَّاً أنَّ بعض الفلسطينيين في السجن الأكبر، وليس الأسرى الفلسطينيين داخل قفص السجن الأصغر، أصبحوا كـ«النمور في اليوم العاشر». وأنَّ من في سجن الخارج، في الرسميَّة الفلسطينيَّة، أحالوا الأسرى إلى لغزٍ كلغز «أهل الكهف»، حيث الفتية الذين آمنوا بربِّهم وزادهم هدىً.

هنا، تأخذنا إحالة «أهل الكهف» القرآنيَّة إلى منح دورٍ تاريخيٍّ للأطفال غير كونهم أطفالاً؛ إذ عليهم مهمّةٌ تاريخيَّةٌ في حفظ الحكاية وحراسة الذاكرة. أمَّا الكلب «أبو ناب»، فليس مجازاً، بل يشتغل في التنسيق الأمني، «مش تنسيق الزُّهور»، وقد كسَّر الأمريكان أنيابه في دوراتهم الأمنيَّة، وجعلوه نباتيَّاً، إذ لم يبقوا له إلا ناباً واحداً لعضِّ إخوته، حدَّ الخدمة العسكريَّة في جيش العدوِّ، بعد أن كان بطلاً في الخدمة العسكريَّة الوطنيَّة، إذ لُقِّب بـ «الشَّبح» في انتفاضة الحجارة  في العام 1987 (23، 29، 30، 80).

ولعلَّه من الجدير الإشارة أنَّ شبيه «أبو ناب» قد ظهر في نصٍّ لدقَّة، بعنوان: «كلبٌ مبدئيٌّ»، وهو نصٌّ عبثيٌّ على هيئة قصَّةٍ قصيرةٍ، تكاد تكون مُخطَّطاً أوّلياً لشخصيَّة «أبو ناب»، كُتبت، على ما يبدو، قبيل اكتمال «حكاية سرِّ الزَّيت» على الرغم من أنَّها لا تحمل تاريخاً واضحاً. في «كلبٌ مبدئيٌّ» يحكي دقَّة قصة كلبٍ تعرَّف عليه في البوسطة، وعلى الرغم من استغراب الراوي الأسير من اعتقال الصهاينة لكلب، إلا إن فضوله يبعثه على الاستفسار من الكلب عن سبب اعتقاله إن كان «أمنيَّاً» أم «جنائيَّاً»، وحين يحتجُّ الكلب على السُّؤال، يغير الأسير الصِّيغة، إن كانت التهمة «عسكريَّاً» أم «مدنيًّاً». خُلاصة الأمر، أنَّ هذا الكلب نشأ في عشيرة «الجهالين»، التي صارت «الجمالين» في «حكاية سرِّ الزَّيت»، المنشورة لا المخطوطة، وشهد تحوُّلات المقاومة من عسكريَّةٍ إلى سلميَّةٍ على يد السلطة الفسطينيَّة، حدَّ أنَّه يدعوها «نضالاً نباتياً»، رغم أنَّ شيخ القبيلة ذبح نصف القطيع إكراماً للمتضامنين الضُّيوف. ينضمُّ الكلب لأحد الأجهزة الأمنيَّة بأوامر مباشرةٍ من شيخ العشيرة؛ حيث صار يشتمُّ المخدِّرات، والمتفجِّرات والأفكار، الخطيرة. لكنه اشتمَّ نوايا «جماعتنا» الفلسطينيَّة وخطورتها، فترك العمل.

يناقش الكلبُ الأسيرُ مع الإنسان الأسير قضايا الوفاء والوطنيَّة، ويفضِّل الكلب أن يكون مبدئيَّا على أن يكون وطنياً؛ لأن الوطنيَّة باتت كلمةً فضفاضةً مثل المفاوضات، أما المبدئيَّة فلها معنىً واحدٌ، لا يزول ولا يدول. في نهاية القصَّة، يشتمُّ الكلب رأس الأسير، ويُفصِح له عن مقدار ما فيه من الحزن والوفاء والخذلان الشديد، بعد اعتقالٍ دام أكثر من ثلاثين عاماً. حينها، يبدأ الكلب بالنُّباح، ويُغمى عليه، وهو، يقول: «حرِّروا أهل الكهف، أوقفوا التنسيق الأمنيَّ…»، فيما لا يزال الأسير يبحثُ عن عبث العلاقة بين «أهل الكهف» والتنسيق الأمنيِّ.

المقولة الرَّابعة: سرِّ الإخفاء، وعبقريَّة الإظهار

يصف دقَّة شجرة الزيتون «أم رومي»، برومانسيَّةٍ عاليةٍ، صبراً وتحمُّلاً وحكمةً، وتهديدات دولة الصهاينة ومستوطنيها؛ ذلك أنَّ الجميع أخذوا منها وأعطوها إلا المستوطنين الذي يأخذون ثمرها ويريدون اقتلاعها، كمجنون مونتسيكو الذي يقطع الشجرة ليأكل الثمرة. هنا، تُفصح «أم رومي» عن سرِّها الذي لم تمنحه إلا للفلسطينيِّ الأوَّل قبل ألفي سنةٍ. وتحكي الشجرة قصَّة اقتلاعها الوشيك لغرسها في مدخل مدينة العفُّولة في جزيرةٍ وسط الشارع، حيث ستصبح، بعد كلِّ هذه السِّنين، شجرةً للزينة إثر عمليَّة تطهيرٍ عرقيٍّ للأشجار الفلسطينيَّة التي لا يحميها «قانون الغابات» الصهيونيِّ الذي يوجِز عبث القانون الاستعماريّ الناشئ عن تغوُّل «الصندوق الدائم لإسرائيل» (كيرن كييمت ليسرائيل (ككال) The Jewish National Fund)، ودائرة أراضي إسرائيل (منهال مكركعي يسرائيل The Israel Land Administration)، في الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين وحقوق ملكيتها بُغية التوطين الحصريّ للمستعمرين اليهود فيها، فيما يتمّ منع أصحابها الأصليين من تملّكها أو استئجارها أو استثمارها أو إدارتها أو العمل فيها أو البناء عليها أو تحسين البنية التحتية للسكن فيها منذ العام 1901.

يصف دقَّة توحُّش الجرافات ويؤنسن «أم رومي»، لكنَّ نقل «سرِّ الزَّيت» للطفل «جود»، يشكِّل سلواناً للشَّجرة التي تؤدِّي مهمَّةً تاريخيَّةً مُزدوجةً: إذ تعمل على «تهريب» «جود» ورفاقه خلال عمليَّة نقلها اقتلاعيَّاً من قبل جرَّافات العدوِّ، وتمنحه سرَّ الزَّيت، وهو الإخفاء، ولكنَّ تلك المعرفة تنتقل لجود بالتدرُّج والتَّجربة، ما يجعلها معرفةً صوفيَّةً بامتيازٍ، قادرةً على مقاومة الجهل بوباء العصر، وهو «فقدان الحرَّية»، وتحرير المستقبل بوصفه «أقدم أسيرٍ عربيٍّ». هنا، تنقل «أم رومي» حكمتها لـ «جود»: «ملايين البشر هاجرت من الجنوب إلى الشَّمال بعد أن فقدت حرّيتها، هاجر الناس عندما انتشر الجوع، وهاجروا عندما تفشَّت الأوبئة، ويهاجرون اليوم لأنَّهم يفتقرون إلى الحريَّة، ووالدك أسيرٌ فاقدٌ لحريَّته، ولفقدان الحريَّة ظاهرٌ وباطنٌ، السُّجون والحواجز والجدار والأسلاك الشائكة عند الحدود على أنواعها هي ظاهر فقدان الحريَّة، أمَّا باطن الوباء فهو فقدان العقل والأخلاق، أو ما يسمُّونه بعموميَّة الجهل، وهو أخطر السجون وأشدُّها قسوةً. ما سأملِّكك إياه من سرِّ الزَّيت هو الإخفاء الذي سيمكِّنك فقط من علاجٍ ظاهرٍ لوباء العصر، وعليك أن تبحث عن الزَّيت في عقلك وعلمك حتى تكتشف باطن السرِّ كي تعالج باطن الوباء (59)». وأمَّا سرُّ الزَّيت، فيكمن في حبَّات الجرجير، التي احتفظت بها «أم رومي»، بكميَّاتٍ قليلةٍ، في جوفها آلاف السِّنين و«اختمر فيها السرُّ»، لتشير على «جود» أن يلتقطها ويمسح بزيتها جسده وجسد رفاقه، ليمارس «لعبة» الإخفاء والإظهار في مقاومة العدوِّ الصَّهيوني: «والذي تراه لا يخفي، والذي يخفي لا تراه، فعليك أن تبحث عمَّا لا تراه (62)».

المقولة الخامسة: حكايات السجن الصغير، والسجن الكبير

بالاستناد إلى المنظومة النَّظرية التي يعزُّ نظيرها والتي صاغها دقَّة في توصيف مآلات الحركة الفلسطينيَّة الأسيرة، في كتابه ذائع الصِّيت «صهر الوعي»، يكرِّس القسم ما قبل الأخير من «حكاية سرِّ الزَّيت» لوصف مرارة واقع السجن الصهيوني، وليؤكِّد أنَّ «الحكاية»، وإن كُتِبت لليافعين، إلا إنَّها لا تجمِّل السجن ولا «تُخوّن» الواقع لتربية أملٍ كاذبٍ؛ بل «تعترف» بنُطَف الأسرى المُحرَّرة، النُّطف التي كانت أسيرةً «مع وقف التنفيذ» إلى حين تحرُّرها. يستعرض دقَّة ذلك بسرديَّةٍ رهيفةٍ لقصص ثلاثةٍ من الأسرى الذين تُقارِب أسماؤهم أسماءَ أسرى بارزين فعلاً: هم: «عماد أبو حبلة»، و«كميل أبو حيَّة»، و«نادر العامريِّ». ويواصل، من جانبه، «ميلانكوليا الظلِّ»، لكن هذه المرّة من خلال سماع «أبو جود» لمساورات ابنه العجائبيِّ الذي تمكَّن من فهم سرِّ الزَّيت في الإخفاء والوصول لوالده في سجنه رغم ما يفرضه عليه الصهاينة من «منعٍ أمنيٍّ» يحول دون زيارة والده. يحاول الأسرى، كذلك، الاستفادة من تجربة «جود» في الإخفاء، ويستنسخون سرَّ الزَّيت عبر حَبِّ الجرجير الذي «هرَّبه» «جود» من «أمّ رومي»، ليردم الفجوة المعرفيَّة بين سجن الداخل وسجن الخارج عبر تلهُّف الأسرى لسماع إمكانات أجهزة «الجوَّال» في نقل الصورة للخارج، ويا لها من «صورةٍ».

ولا يفوت دقَّة، بحسِّه السَّاخر، أن يورد مآلات أبطال الكفاح المُسلَّح الذي خَفَت صوت بعضهم في السجن، وخيارات حركتهم الوطنيَّة بين «المقاومة المسلَّحة» و«المقاومة السلميَّة»، فتحوَّل صوت «الكلاشن» الهادر إلى همسٍ مساوِرٍ يحاول الاستفادة من سماحة سرِّ الزَّيت في الإخفاء.

لا يحمِّل دقَّة الأطفال الفلسطينيين عبء طفولتهم في فلسطين، ولكنه، كذلك، لا يخدعهم بإمكانية أن يكونوا أطفالاً غير فلسطينيين، ولا يُسهِم في تشويه ذاكرتهم عن واقعٍ احتلاليٍّ لم ينتهِ، ولم يتغيَّر، بل ازداد وحشيةً، ولا يزال، دون أن يدخل حيِّز ذاكرة الانتقاء. فدون أن يجمِّل للأطفال واقعاً يعيشونه عياناً؛ إذ التجميل هو حاجةٌ للكبار البالغين الذين انهزم مشروعهم الوطنيُّ حين هَزموا، هم، مشروعهم الوطنيَّ بأيديهم، واستكملوا مشروع هزيمتهم بمشروع أدلجة الهزيمة في خطب السِّياسيِّين وخطابات المثقَّفين.

لقد تأمَّل دقَّة مطوَّلاً… مطوَّلاً جداً على امتداد 33 عاماً من الأسر، تعمَّدت بالصَّبر، سؤال: كيف نقدِّم للأطفال الفلسطينيِّين قصَّة فلسطين، ومحنة الفلسطينيين، وتحوُّلات الفلسطنة؟ وجاءت الإجابة واضحة في «حكاية سرِّ الزَّيت»، أنَّ تجميل المأساة في عيون الأطفال هو جريمةٌ تزيد مأساويَّة المأساة، إذ كيف نجمِّل السجن: سجن الداخل وسجن الخارج، لأطفال خروجوا من السِّجن نطفاً، أو ولدوا فيه معيَّة أمهاتهم اللواتي في السِّجن، أو ولدوا لآباء في السِّجن، أو منعوا من زيارة آبائهم وأمهاتهم في السِّجن، أو لا زالوا يعيشون في سجن الخارج الذي جعله من هَزَموا مشروعهم الوطنيَّ سلطةً بلا دولةٍ، ودولةً بلا سلطةٍ.

المقولة السَّادسة: تاريخ الأمل الفرديِّ، وخيبة الأمل الجماعيَّة

من يقرأ كتابات دقَّة عن فلسطين عموماً، وتشخيصاته عن واقع الفلسطيني في السجن، وبخاصَّةٍ ظاهرة «الكابو»، لا يسعه إلا استدعاء مقولات كافكا عن «الكتابة لأوقات الظلام».  فضمن هوسه بكتابات كافكا، وبالتحديد محاولته فهم الكائنات الغريبة (التي تظهر بشكلٍ شبه-حيوانيٍّ، ووعيٍ شبه-إنسانيٍّ، ولا-وعيٍ شبه-طبيعيٍّ)، استدعى فالتر بنيامين محادثةً بين كافكا وماكس برود حول الكون والأمل، واستخدمها في تفسير عوالم كافكا الغريبة، مشيراً إلى المهمَّة الخلاصيَّة التي تحاول الأسطورة ممارستها في هذه العوالم. فقال: «أتذكر أنَّ (ماكس) برود كتب (عن): حوار مع كافكا بدأ بنقاشٍ حول أوروبا في الوقت الحاضر وتردِّي العرق الإنسانيِّ. «نحن أفكارٌ عدميَّةٌ، أفكارٌ انتحاريَّةٌ دارت في ذهن الله» قال كافكا. وقد ذكّرني ذلك بالفكرة العرفانيَّة أنَّ الله هو الخالق الشرير، وأنَّ العالم هو لحظة سقوطه. «لا، لا» ردَّ كافكا: «عالمنا مجرَّد مزاج ٍسيِّءٍ لله، يومٌ من أيامه السيِّئة». إذن، فهناك أملٌ خارج هذا التجلِّي للعالم الذي نعرفه؟» «الكثير من الأمل (قال كافكا مبتسماً)، كمٌّ لانهائيٌّ من الأمل، ولكن ليس لنا (116)».

لعلَّ هذه الحواريَّة تساعدنا في تطوير أطروحةٍ، مؤدَّاها: أنَّ الفلسطينيَّ وهو يتأمَّل تاريخه، بالمعنى الإنسانيِّ، يصل إلى نتيجةٍ مُشابهةٍ لنتيجة كافكا؛ حيث تكتمل مأساة البطولة الفلسطينيَّة بملهاةٍ، لا تبدو فلسطينيَّةً على الإطلاق… إذ تتواصل الحكاية الفلسطينيَّة، التي هي بالتأكيد أكثرُ من يومٍ سيّءٍ من أيام الله نتجتْ عنه الخطيئة الأولى-النكبة، وتنتهي بفصلٍ تاريخيٍّ قاتمٍ يُقصي بطلاً محكوماً بالأمل، الأمل الذي لا يمكن إلَّا أن يكون طباقاً وجوديَّاً ولغويَّاً مع الألم، ويدشِّن بطلاً ليس بإمكانه إلا إعلان خيبة الأمل، لا كوعيٍ تاريخيٍّ بفشل تحقُّق مشروع التحرُّر الفلسطينيِّ، بل كجهدٍ سيزيفيٍّ محمومٍ للدخول في التسجيل التاريخيِّ لـ«الإنسان» كما صكَّته الحداثة الغربيَّة، وأكَّدته أقنعة ما بعد الحداثة.

هنا، في فلسطين، صار الأمل لحظةً غير تاريخيةٍ (لأنه استيهامٌ فرديٌّ)، فيما أصبحت خيبة الأمل، لأنَّها تواطؤٌ جماعيٌّ، ليس لحظةً تاريخيةً وحسب، بل هي «التاريخ» الجديد لبطل غير مصابٍ بداء الأمل. ولكنَّ هذا لا يقضي على إمكانيَّة الشعر، ولا على إمكانيِّة الغناء، حتى في أحلك الأوقات، ظُلماً وظلاماً. هنا: يرفدنا بريخت، مُضيف بنامين الحميم، بالحل: «هل من متَّسعٍ للغناء في أوقات الظلام. نعم. ثمّة مجالٌ للغناء في أوقات الظلام… غناءٌ عن أوقات الظلام». ولعلَّ دقَّة، في القسم الختاميِّ من «حكاية سرِّ الزَّيت»، يحملنا على تأمُّل هذه المقولات فلسطينياً؛ فهو، من ناحيةٍ، يؤكِّد ضرورة الكتابة، وإن كانت «غناءً عن أوقات الظلام»، لكنه يتوسَّلها لإعلان لحظة أملٍ تاريخيَّةٍ، أملٍ جماعيٍّ، أنَّ تحرير المستقبل، بوصفه «أقدم أسيرٍ عربيٍّ (95)»، ليس ممكناً وحسب، بل هو حتميَّةٌ يحقِّقها جيل «جود» الذي اقتحم جدار العدوِّ، وبوَّابات سجنه ووعيه ليسجِّلَ لحظةَ أملٍ جماعيةً، وانتصاراً تاريخيَّاً صغيراً مضيئاً في «أوقات الظلام».

فمستقبل أطفال دقَّة، اقتحم زمن العدوِّ الصهيونيِّ وتـمَّ تداول صورهم على مواقع التواصل الاجتماعيِّ على الشواطئ الفلسطينية دون أن يكونَ جميعُهم قد حصل على تصاريح لذلك، لكن عدسة «القناة العاشرة» التقطتهم، لتجعل من «عبورهم» قصَّة تهديدٍ أخرى لـ«أمن الدولة» التي يصحو سجَّانوها على فرحة الأسرى بانتصار حكايتهم على شاشة أعدائهم، وحكايات أبنائهم الذين «حفظوا الوصيَّة»، وعرفوا «سرَّ الزَّيت»، فحرّروا أنفسهم بتحرير مستقبلهم من إجابات الماضي وهزائمه، وانتصروا على داء العصر الذي هو «فقدان الحرّية».

الجماليَّة الثَّوريَّة في كتابة السِّجن

بما أنَّ الجماليَّة الثَّورية التي لم تفارق دقَّة وهو يكتب للأطفال، والمتطفِّلين، فلا بدَّ من الاستدراك أنه في «حكاية سرِّ الزَّيت» محاولةٌ لافتةٌ، بـ«لغة الأطفال» ومخيالهم لتصحيح مفاهيم فلسفيَّةٍ كبرى حول تواصليَّات التاريخ وانقطاعاته بين الفلسطينيِّ الأوَّل والفلسطينيِّ الأخير، نحو: السرِّ، والحرية، والألم، والمستقبل، والمعرفة، والجهل، والصداقة، والعداء، والخيانة، والوفاء، والخفاء، والتجلِّي، والممكن، والمستحيل، والأمل. يضع دقَّة هذه المفاهيم الكبرى بين قوسين من ذهب، ويمسحها بزيت جماليَّته الثورية التي ابتدأ بها مشواره الفكري (المنشور، لا المخطوط بالتأكيد) في مديح الكفاح المُسلَّح والشهادة في كتاب «يوميَّات المقاومة في مخيَّم جنين 2002». تقوم الجمالية الثوريَّة التي يصدر عنها دقَّة على ثلاثة أسسٍ في فلسفةِ المُمارَسة:

الأولى، أنَّ ثمَّة مسؤوليةً كتابيةً في الحفاظ على مسافةٍ بين الحدث-القضية، ومسافةٍ من الزمان والمكان، بل والحالة النفسيَّة، بين الكاتب وكتابته، لا يمكن جسرها إلا بما تحقِّقه من جماليَّةٍ فاعلةٍ في خدمة القضية-الحدث، إذ لا تتماهى معه، ولا تنقطع عنه، ولو بمحاولةٍ بلاغيَّةٍ، وينبغي، في الآن نفسه، أن تنطبق تلك المسافة على المتلقِّي، وإلا فإنه لا يقرأ الكتابة (عن الجوع والخوف والموت) ويكونها، ألماً، إلا إن كان مازوخياً، ولا يقرأ الكتابة ويكونها، متعةً، إلا إن كان ساديّاً؛

والثانية، أنَّ تلك المسافة تضمن تحويل فقدان الحرِّية (الذي وصفه في «حكاية سرِّ الزَّيت» بأنَّه «داء العصر»)، إلى حالةٍ ذهنيَّةٍ لحظة الكتابة عن الحرية المفقودة من قبل فاقدها الأسير؛ إذ إنَّه، بخلاف حالات الجوع والخوف والموت، يمكن للأسير أن يعيش اللحظة ويكتب عنها، وقد عزل الجسد وتأطيراته الأنطولوجية والقانونية. وحين ينجح الأسير في تحويل المسافة، فإنَّ الكتابة تصير حرّيةً، أو «حالة تسلُّلٍ خارج أسوار السجن، ووسيلة هروبٍ للوعي خارج زنازينه، حتى لحظة الكتابة عن الزنازين»؛

والثالثة، أنَّ المسافة التحويليَّة التي تُحيل نفق السجن إلى أفُقٍ، هي الأداة الأكثر فاعليَّةً في «برنامج الحياة المجدية» الذي يقاوم زمن الأسر، ويتمرَّد على أدوات إقالة الخيال التي توفِّرها مؤسَّسة السجن؛ إذ إنّ الحريَّة ليست خيالاً ولا تخييلاً ولا تخيُّلاً، بل هي قرارٌ تصنعه الكتابةُ، وتنفِّذه القراءةُ، حين يحتكمان إلى مدوَّنة الجمالية الثورية، التي لا تكفُّ عن صناعة الأمل.

المصدر "باب الواد"

المراجع

[1] إبن المقفع، عبد الله. ترجمة لكتاب الفيلسوف الهندي بيدبا. كليلة ودمنة. القاهرة: المطبعة الأميرية. 1937.

[2] البرغوثي، حسين. أ. ن. ت. تسجيل صوتي.

[3] البرغوثي، مروان. ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي. رام الله-بيروت: دار الشروق للنشر والتوزيع  والدار العربية للعلوم ناشرون. 2011.

[4] تامر، زكريا. النمور في اليوم العاشر. القدس: منشورات صلاح الدين. 1979.

[5] التنوخي، أبو علي المحسن بن علي. الفرج بعد الشدة. دمشق: وزارة الثقافة. 1995.

[6] درويش، محمود. في حضرة الغياب. بيروت: رياض الريس للكتب. 2006.

[7] درويش، محمود. ديوان محود  درويش. بيروت: دار العودة. 1994.

[8] دقَّة، وليد. حكاية سرِّ الزَّيت. رام الله: مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي. .2018

[9] دقَّة، وليد. التسجيل الصوتي لمناسبة صدور «حكاية سرِّ الزَّيت»، صيف 2018.

[10] دقَّة، وليد. يوميات المقاومة في مخيم جنين 2002. رام الله: مواطن-المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2004.

[11] دقَّة، وليد. صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم، 2010.

[12] دقَّة، وليد. رياحين الشباب… بين مفاصل صخر الدولة العربية». الرملة: سجن الرملة. مخطوطة.

[13] دقَّة، وليد. «أنت تطلب الإذن لتقييد نفسك». عرب 48. 7/ 2/ 2018، للقراءة من هنا.

[14] دقَّة، وليد. رسالة ميلاد: « في ثلاثينيّة أسره: مقابلة خاصّة مع الأسير وليد دقّة». عرب 48. 22/ 4/ 2016، للقراءة من هنا.

[15] دقَّة، وليد. رسالة ميلاد: «أكتب لطفل لم يولد بعد». عرب 48. 27/ 3/ 2011، للقراءة من هنا.

[16] دقَّة، وليد. الزمن الموازي: «رسالة الأسير وليد دقّة في اليوم الأول من عامه العشرين في الأسر». عرب 48. 31/ 10/ 2010، للقراءة من هنا.

[17] الشنار، حاتم. خمس نجوم تحت الصفر: خلاصات في مقاومة الأسر (عسقلان 1969-1985). رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية. 2010.

[18] الشيخ، عبد الرحيم. «الأسرى الفلسطينيون في اليوم السابع عشر-قفص الداخل، وقفص الخارج»، الأيام، 2/ 5/ 2017، للقراءة من هنا.

[19] الشيخ، عبد الرحيم. «تحوُّلات البطولة في الخطاب الثقافي الفلسطيني». مجلة الدراسات الفلسطينية (العددان 96-97). 2014 ، للقراءة، الجزء الأول هنا، والجزء الثاني هنا.

[20] الشيخ، عبد الرحيم. « وليد دقة وجمال حويل: منهجية النار»، الأيام، 11/ 6/ 2013، للقراءة من هنا.

[21] العطَّار، فريد الدين. منطق الطير. (ترجمة بديع محمد). بيروت: دار الأندلس. 1979.

[22] النواب، مظفر. الأعمال الشعرية الكاملة. لندن: دار قنبر. 1996 .

[23] الكتب الإبراهيمية: العهد القديم، العهد الجديد، القرآن.

[24] منصور، عصمت. سجن السجن. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية. 2011.

[25] الهودلي، وليد. أبو هريرة في «هدريم»-مجموعة قصصية. رام الله: مركز بيت المقدس للأدب. 2006. (عائشة والجمل. مجلة الفاتح. العدد. 243. 2013).

[26] Benjamin, Walter. Illuminations: Essays and Reflections.(Trans. Harry Zohn, Ed. and Into. Hanna Arendt). New York: Schocken Books. 2007.

[27] Brecht, Bertolt. Galileo. (Ed. and Intro.  Eric Bentley and Charles Laughton.) New York: Grove Press, 1966.