Menu
حضارة

الحقيقة .. ومن يبالي؟

بوابة الهدف

يستحق النظام السعودي كل ما يناله من الاتهامات والتقريع بسبب جريمة قتلة جمال خاشقجي، إن لم يكن بسبب فداحة الجرم فعلى الأقل بسبب الغباء السياسي والأمني، ولكن الحقيقة الخطيرة هنا لا تتعلق بهذا النظام فحسب، ولكن بالمنظومة العالمية التي يعتبر هذا النظام جزءاً منها، والتي تقود عالمنا اليوم، فلقد تمكنت هذه المنظومة من إيقافنا على قدم واحدة منذ اختفاء خاشقجي، فيما تمكنت من "تخدير" عالمنا وإغماض عينيه عما يجري في اليمن منذ العام ٢٠١٥.

الأهوال التي ارتكبها النظام السعودي والأنظمة الحليفة له في اليمن قد تبدو بجوارها معظم جرائم سفاحي العصر شيء يسير، ومع ذلك يستطيع العالم الاستيقاظ كل صباح ومواصلة الحياة بشكل طبيعي كأن شيء لم يحدث، وبالمناسبة هنا لا يجري الحديث عن جريمة نتجادل في حقيقة وقوعها أو عدم وقوعها، نحن نتحدث عن وقائع تقر بها مؤسسات هذه المنظومة العالمية، وترد يوميا في تقارير أممية توضع على طاولات الهيئات المختصة في عواصم العالم وفي المؤسسات الدولية "الأكثر موثوقية"، ومع ذلك العلم اليقيني لدى هذه الأطراف جميعا بحقيقة ما يجري، فإن النتيجة واحدة، وهي استمرار العدوان بهذا الصلف وتلك الوقاحة والعنجهية التي لا تقبل تفسير إلا ما رددته ألسنة اليمنيين "إنهم يقتلوننا لأننا فقراء".

إن اصرار قوى العدوان على مواصلة هجومها على اليمن، يعني بالمقام الأول استمرار أنماط الإبادة الجارية بحق اليمنيين، وهو ما يعني أيضا أن محاولات تنبيه حكومات العالم حول ما يجري ما هي إلا خدعة نمارسها بحق أنفسنا، فهذه الحكومات هي جزء أساسي مما يجري، والسؤال الواجب اليوم على الأصدقاء الحقيقيين للشعب اليمني إجابته، ما هي الأدوات الممكنة لوقف هذا العدوان وهذه الإبادة الممنهجة والمستمرة؟ فلا يمكن أن تجابه أعتى أدوات الموت بالمناشدات.

هناك مثال بسيط حول "إدراك الحقيقة" ودور هذا الإدراك في بناء السياسات، فدولة ك قطر بمنظومتها الإعلامية الهائلة وأبواقها من آلاف الكتبة، لم تجد غضاضة في التسويق للعدوان منذ بدايته وتجنيد كل مرتزقتها من كل صنف ولون ليدافعوا عن العدوان، ويقدموا له الغطاء، والأفظع من ذلك تصويره للجماهير العربية كما لو كان معركة دفاع عن العروبة، "هذا ما نصح عزمي بشارة به قيادة التحالف العدواني"، المهم أن الأزمة الخليجية، أي حصار قطر، اضطرها للاختلاف مع شقيقاتها، وبالتالي بات على قطر أن تعيد شحن منظومتها الإعلامية بالاتجاه المضاد، أي تجريم الحرب، وتجريم من حرض عليها وغطاها، وبالتالي هنا لم يكن من قيمة تذكر للحقيقة التي يدركها أمير قطر ومستشاريه المرتزقين، أو منظومات الكتبة المحيطة بهم، فهؤلاء جميعًا يعرفون الحقيقة، المتمثلة بمدى ارتهانهم وخضوعهم للمنظومة الإمبريالية العالمية، ولكن ما يعنيهم فعليا هو مصالحهم الرخيصة والانتهازية، والمتعارضة مع مصالح الأمة التي طالما تغنوا بها في كتاباتهم.

ببساطة إن فكرة مواجهة العدوان في فلسطين أو اليمن أو أي مكان في عالمنا معتمدين على كشف فظائعه لصنّاع القرار العالمي، تصبح وصفة انتحار، ما لم نعتبر أنفسنا جزء حقيقي من هذه المواجهة، ونستعد لخوضها بشتى السبل، بداية من الدعم اللامشروط لمن يقاوم العدوان، وعدم التلعثم في توصيف ما يجري، وصولا إلى إدراك الارتباط الحقيقي بين كل هذه القضايا النضالية والمآسي التي نعيشها في منطقتنا والعالم، وهذه ليست وظيفة أفراد أو نشطاء مستقلين فحسب، بل هي وظيفة قوى حقيقية ومنظمة آن لها أن تدرك ارتباط أدوارها وجسامة مهماتها.