Menu
حضارة

عن فيروز التي تصوّر حياتي

فيروز - بوستر فيلم سفر برلك

رنا زيدان _ الميادين

تُعتَبر الموسيقى التصويرية في عالم السينما من العناصر الأساسية في اكتمال الصورة والمشهد. إذ تُمثَل الموسيقى المُصاحِبة للفيلم نصف الصورة. عندما أتخيَّل حياتي كشريطٍ مُصوَّرٍ لا يُرافقني سوى صوتٌ واحد منذ طفولتي إلى يومنا هذا. صوت سيبقى الرفيق الدائِم. صوتٌ ملائكي ألوذ به عندما تضيق بي الأرض لعلَّه يُساعدني في أن أسافر معه إلى النجوم. صوتٌ يستيقظ معي ويربطني بمَن حولي حيث لكلٍ منهم أغنية. إنه صوت فيروز الذي يُمثِّل الموسيقى التصويرية بألوانها وتنويعاتها لحياتي.

اتّخذت أغنيات فيروز أشكالاً وأساليب موسيقية متنوِّعة وكذلك الكلمات والموضوعات التي قدَّمتها لنا بصوتها الساحِر، وحضورها الخجول والهادىء على المسرح.

تماهت موهبة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني مع موهبة فيروز بشكلٍ ساحرٍ، حيث أسّسوا المشروع الفني الأكثر نجاحاً في العالم العربي. جزءٌ من هذا النجاح يقوم على التغيير بالأساليب الموسيقية التي كانت سائِدة لفترةٍ طويلةٍ. فبدلاً من المقطوعات الموسيقية والغناء القائِم على التطريب والتطويل، اعتمد الرحابنة الإيقاع السريع.

أحدثت موسيقى الأخوين الرحباني "ثورة" في عالم الموسيقى، حيث قدَّمت فيروز الأغنيات القصيرة، الخالية من التطريب وقويَّة المعنى، التي تعتمد على الرمزيّة حتى في الأغنيات العاطفية، حيث الغناء للطبيعة والقمر. هذا الشكل الموسيقي الجديد مَنحَ فيروز طابعًا خاصًا بها وحدها، كما أن أسلوب الرحابنة ساعد في إظهار موهبة فيروز في مشوارها الذي بدأ من مهرجانات بعلبك.

لقد أعاد الأخوان الرحباني توزيع أغنيات السيّد درويش لتغّنيها فيروز، وذلك بالأسلوب الجديد الذي اتّبعاه، فغنّت فيروز "أنا هويت" و"زوروني كل سنة مرّة"، وكذلك "يا جارة الوادي" و"خايف أقول اللّي في قلبي" للموسيقار محمّد عبد الوهاب، بعد أن أعادا توزيعها،  لتتناسب مع صوتها وأدائها.

علاقة فيروز بالموسيقار محمّد عبد الوهاب لم تتوقَّف هنا، فالحب الذي يُكنِّه الأخوان الرحباني لموسيقى عبد الوهاب، وإعجاب عبد الوهاب بصوت فيروز تُرجِم في تلحينه لها عددًا من الأغاني هي "سهار بعد سهار" من كلمات الأخوين الرحباني و"مُرَ بي" للشاعر سعيد عقل، وقصيدة "سكن الليل" لجبران خليل جبران.

وسبق لعبد الوهاب أن عبَّر عن إعجابه الشديد بصوت فيروز ردّاً على سؤال أحدهم قائلاً "لا.. نحن نتحدَّث عن الأصوات التي في الأرض وليست تلك القادمة من السماء".

تميَّزت فيروز والأخوين الرحباني بالمسرح الغنائي الذي قدّموه. الكثير من الأغنيات التي تعلّقنا بها وأحببناها، هي مواقف درامية داخل هذه المسرحيات، ومشهد من مشاهدها. في العام 1964 قدَّمت فيروز مسرحية "يا بيّاع الخواتِم" بالإشتراك مع نصري شمس الدين في مهرجان الأرز، وغنَّت فيها "تعا ولا تيجي" لراجِح، وهي الشخصية التي اخترعها خال ريما مختار الضيعة، زاعِماً بأن راجِح يُعادي الضيعة، والمختار ينتصر عليه دوماً، ليحمي الضيعة.

أما في مسرحية "ناطورة المفاتيح" التي قدَّمتها فيروز في العام 1972، فغنَّت فيها واحدة من أجمل أغنياتها وهي "بيتي أنا بيتك"، التي تُخاطِب فيها الله. وفي مسرحية "لولو" في العام 1974 غنَّت فيروز مجموعةً من أغنياتها الخالِدة مثل "في قهوة عالمفرق"، "كانوا يا حبيبي"، "من عزّ النوم".

لكن إلى جانب الأعمال المسرحية لفيروز ثلاثة أفلام قدَّمت فيها أغنيات طُبِعت في ذاكرتنا. ففي فيلم "بيّاع الخواتم" غنَّت "أمّي نامت ع بكير"، وفي فيلم "سفربرلك" غنَّت "علَّموني"، وفي فيلمها الأخير "بنت الحارس" أغنية "نسَّم علينا الهوا".

استطاعت فيروز أن تشكِّل حالة غير إعتيادية وصوتاً له طابعه وجماليّته الخاصة. هذا كان دافِعاً ليطمع الكثير من المُلحنين والمؤلّفين للعمل معها، ولكن هذا الأمر لم يعجب الأخوان الرحباني، حتى أنها حين تعاملت مع فليمون وهبي، الذي لحَّن لها "أسامينا"، "لمّا عالباب" و"يا مرسال المراسيل" وغيرها من الأغنيات، وزكي ناصيف ب "بناديلك يا حبيبي"، "أهواك" "ومن يوم تغرّبنا"، كانت هذه الألحان تخضع لتوزيع الأخوين في النهاية، وذلك للحفاظ على الأسلوب الخاص بالأغنية الرحبانية.

في نهاية السبعينيات انفصلت فيروز عن عاصي الرحباني، وهذا عنى انفصالها عن المشروع والمؤسّسة الفنية التي بناها الأخوان الرحباني. بعد الانفصال بدأت بتجربة أساليب مختلفة في الغناء والأغنية. هكذا وقفت فيروز على مسرح الأندلس مُغنّية "حبيّتك بالصيف"، وكانت تلك تجرتها الأولى في التطويل والتطريب. هذا الأسلوب الجديد على فيروز، ظهر في أغنياتها مع الملحِّن اللبناني فليمون وهبي بالتعاون مع الشاعر جوزيف حرب، وذلك في ألبوم "دهب أيلول" الذي تضمَّن أغنيتي "طلعلي البكي" و "يا ريت منن".

الإضافة الأخرى في مسيرة فيروز الفنية كانت في المشروع الذي جمعها بإبنها زياد الرحباني. فالأخير صاحب أسلوب موسيقي مختلف حيث قدَّم فيروز بصورةٍ غنائيةٍ وموسيقيةٍ جديدة. فقد جَمَعَ زياد موسيقى الجاز، الفانك، والموسيقى الشرقية والكلاسيكية في ألبوم "وحدن" الذي صدر في العام 1979، وذلك في تسع أغنيات جديدة من ناحية الموسيقى والكلمات.

زياد كان يرى أن طبيعة النصوص المُغَّناة يجب أن تكون أقرب إلى الناس والمجتمع. هكذا أسمعتنا فيروز أغنيات " مش فارفة معاي" و"عندي ثقة فيك".

ظهرت فيروز مع زياد بصورةٍ مختلفةٍ فلم تعد تلك الفتاة المُنكَسِرة، بل أصبحت أكثر تمرّداً، فبينما قالت في أغنية "عتاب" من كلمات وألحان الأخوين الرحباني

"حاجي تعاتبني يئست من العتاب

ومن كُتر ما حمّلتني هالجسم داب

حاجي تعاتبني وإذا بدَّك تروح روح روح

وأنا قلبي تعوَّد عالعذاب".

قالت في أغنية "تِنذِكر ما تِنعاد" من كلمات وألحان زياد،

"كان عندي عيد ميلاد ذاكر وقتو بالكاد

تهرب متل الولاد شي تنساني

حتى عيدي بكره فكّر فيه لون الشمع

اللّي لازم أطفيه

بتمنّى تنسى حبّي وتعفيه".

انتهى مشروع "فيروزياد" بصدور آخر ألبوم جمعهما معاً وهو "إيه في أمل" في العام 2011.

أحبّت فيروز الأوطان. غنَّت لها وعنها. تغنَّت بوطنها لبنان، غضبت لفلسطين، وغنَّت لدمشق، مصر، وبغداد. غنَّت للسلام، للحرية وللشعوب.

وفي هذا السياق قال الشاعر الراحِل محمود درويش إن "فيروز موجودة في مكوِّنات عاطفتنا العربية وكل عاطفة عربية ذات مرجعية فيروزية، هي ليست فقط مُغَّنية الجمال والطبيعة والحب إنما هي مغَّنية القومية والوجدان العربي".

برعت فيروز أيضًا في غناء الشعر الأندلسي المُتميِّز برقّة التعبير ودِقّة التصوير. فلها في الموشّحات الأندلسية "جادك الغيث" و"يا زمان الوَصل بالأندلس" و"جاءت مُعذّبتي".

خلال مسيرتها الطويلة لم تنسَ فيروز الأطفال، فكان لهم حصَّتهم من أغنياتها وهي " تك تك تك يا ام سليمان" و "طيري يا طيّارة"، و"يلاّ تنام".