Menu
حضارة

سمير أمين: الأمّة العربيّة والوحدة

عماد خالد الخطبة

كان تعرّفي إلى كتابات سمير أمين مرحلةً مهمّةً في انتقالي إلى أفقٍ جديدٍ من الوعي الماركسيّ. قبل ذلك كنتُ أعيش حالةً من الارتباك بين الإرث القوميّ الذي خلّفتْه في وجداني نشأتي في بيتٍ قوميٍّ بامتياز، والفكرِ الماركسيِّ الذي اعتنقتُه في مرحلةٍ باكرةٍ جدًّا من حياتي. في ذلك الوقت، كان الصراعُ بين الشيوعيين والقوميين على أشدّه. وأذكر أنّ كتاب إلهام سيف النصر، في سجن أبو زعبل، الذي يروي معاناةَ الشيوعيين في زمن الرئيس عبد الناصر، كان إحدى الموادّ التثقيفيّة في الحزب الشيوعيّ الأردنيّ. لكنّني، على الرغم من تعاطفي مع القصص التي رُويتْ في الكتاب، فإنّني لم أتوقّف يومًا عن الإعجاب بعبد الناصر ــ ــ وهو ما كان يُشعرني بالخيانة تجاه الفكر الذي أحمله.

***

بدأتُ قراءةَ سمير أمين في المرحلة الجامعيّة المتأخّرة. وأكثرُ ما لفتني في كتاباته ذلك التمرّدُ على النظرة الأورومركزيّة، ومحاولتُه صناعةَ ما يمكن أن أسمّيَه "ماركسيّاتٍ محلّيّة." الأهمّ أنّ محلّيّتَه تلك لم تتناقض مع عالميّة فكره، بل لعلّها منحتْه بعدًا أكثرَ عالميّة.

بالمناسبة، قرأتُ قبل مدّة رأيًا للدكتور هشام غصيب يقول فيه إنّ سمير أمين كان "مصريًّا وأمميًّا." وكنتُ قد كتبتُ قبل سنوات مقالًا عن نجيب محفوظ، وقلت فيه إنّ مصريّة محفوظ هي التي جعلته عالميًّا. وأضيف إلى ما قاله د. هشام أنّ مصريّة أمين، مثلَ مصريّة محفوظ، ومصريّة عبد الناصر، هي التي جعلتهم رموزًا عربيّةً، كلًّا في مجاله.

***

يرى سمير أمين أنّ مفهوم "الأمّة" يتجلّى بوضوح في المجتمعات المكتملة، أكانت خراجيّةً (الصين، مصر،...) أمْ رأسماليّةً (الأمم الحديثة في أوروبا). أمّا في ظل أنماط الإنتاج غير المكتملة، وفي التخوم تحديدًا، فإنّ الواقع الاجتماعيّ الإثنيّ كان أكثرَ ضبابيّةً واختلاطًا من أن يُنعت بـ"القوميّ."

في هذا السياق يرى أمين أنّ المفهوم الحديث لـ"الأمّة" أخذ ميزاتِه من المفهوم الأوروبيّ، أيْ إنّه يقع في سياق اقتصاد السوق الرأسماليّة. وعليه، فإنّك إذا خرجتَ من سياق العالم الرأسماليّ، فلن تجد ما يكفي من المقوّمات لقيام الأمّة، وإنْ وجدتَ بعضَ "التجمّعات" في أممٍ غير مكتملة التكوين. الموقف نفسُه انطلق منه ستالين، الذي رأى في الأمّة ــــ القوميّة تعبيرًا عن حاجة من حاجات السوق الرأسماليّة، وأنّها نشأتْ في ذلك السياق.

هنا يبرز سؤالُ سمير أمين الأهمّ: ماذا نسمي تلك التجمّعات الثقافيّة اللغويّة التي سادت قبل العصر الرأسماليّ؟ الاقتباس المطوّل الآتي يجيب عن جزءٍ كبيرٍ من هذا السؤال في ما يتعلّق بالأمّة العربيّة:

"هذا هو وضعُ الوطن العربيّ ما قبل الاستعماريّ: مجموعٌ متميِّزٌ بطابعه التجاريّ، تُشكّل مصرُ فيه الاستثناءَ الفلّاحيَّ الوحيد. في هذا الوطن، كانت الطبقةُ القائدة حضريّةً، مؤلّفةً من رجال البلاط والتجّار ورجال الدين... تُكوّن الطبقة القائدة لُحمةَ هذا المجموع: فلقد تبنّتْ جماعيًّا اللغةَ ذاتَها، والثقافةَ الإسلاميّةَ السنّيّةَ ذاتَها، وهي ذاتُ حركيّةٍ ونشاطٍ كبيريْن يجعلانها قادرةً على التنقّل بين طنجة ودمشق دون أيّ شعور بالغربة... ونحن نعتقد أنّ الأمّة العربيّة لم تكن إلّا النتاجَ التاريخيَّ للاندماج التجاريّ العربيّ، وأنّ الطبقة الاجتماعيّة التي قامت بالتوحيد هي طبقةُ التجّار ــــ المحاربين. وقد عمّق الاندماجُ في النظام الإمبرياليّ انحلالًا قوميًّا، بدأتْ خطواتُه الأولى مع الانحطاط الذي أصاب العلاقاتِ التجاريّة. لقد نقلت السيطرةُ الإمبرياليّة عاطفةَ الوحدة العربيّة إلى مستوًى آخر، وحوّلتْها إلى عاطفة نضال الشعوب العربيّة ضدّ العدوّ المشترك."[1]

هذا الاستنتاج نفسُه وصل إليه مفكّرٌ ماركسيٌّ آخر، هو ياسين الحافظ، عندما رأى أنّ الهويّة القوميّة العربيّة الحديثة نشأتْ خارج سياق اقتصاد السوق الذي نشأت فيه القوميّةُ الأوروبيّة، وأنّ عاملَ النضال المشترك ضدّ الاستعمار حلّ مكانَ العامل الاقتصاديّ ــ ــ ما يجعل النضالَ القوميَّ العربيَّ تعبيرًا عن حالة نضاليّة ثوريّة في وجه المستعمِر، الذي تمثّله الدولةُ "القوميّةُ" الأوروبيّة، ولاحقًا الدولةُ "القوميّةُ" اليهوديّة.

***

يَخلص سمير أمين إلى أنّ الأمّة ظاهرة اجتماعيّة يُمكن أن تظهر في كلّ المراحل التاريخيّة. كما يستنتج ما يأتي:

أولًا: أنّ الأمّة ليست بالضرورة مرتبطةً بنمط الانتاج الرأسماليّ.

ثانيًا: أنّ الأمّة تظهر إذ توفّرتْ فيها طبقةٌ اجتماعيّةٌ تهيمن على الجهاز الإداريّ للدولة، وتؤمِّن الوحدةَ الاقتصاديّةَ لحياة جماعةٍ في مساحة جغرافيّةٍ محدّدة وتستعمل لغةً مشتركة (بلهجاتها المختلفة). ولا يُشترط أن تكون الطبقةُ القائدة هي البرجوازيّة الرأسماليّة القوميّة.

ثالثا: أنّ الظاهرة القوميّة هي عمليّةٌ قابلة للتغيير، إذ يمكن أن تقوى أو تضعف أو تتلاشى، بحسب التغيّرات التي تصيب الطبقةَ الاجتماعيّةَ التي توحِّدها.

لقد عانَت الوحدةُ القوميّة العربيّة التراجعَ نتيجةً لسلسلةٍ من الحوادث التاريخيّة الكبرى ("الحروب الصليبيّة، وتحوّل مركز ثقل التجارة العالميّة من المدن العربيّة إلى المدن الإيطاليّة، وسقوط بغداد تحت ضربات المغول في القرن الثالث عشر، ثمّ الفتح العثمانيّ في القرن السادس عشر، وتحوّل التجارة من البحر المتوسّط إلى المحيط الأطلسيّ في الحقبة نفسها، نتيجةً لتلك العلاقة المباشرة التي نشأتْ بين أوروبا وآسيا الشرقيّة وأفريقيا السوداء، وحرمت العربَ من دورهم الوسيط").[2]فلم تبقَ في الوطن العربيّ منطقةٌ تحمل بنيَةً شبهَ مستقلّة سوى الواحة المصريّة ذاتِ التشكيلة الفلّاحيّة، التي عَملتْ على تشكيل أمّةٍ مستقلة. ولم يحدث ذلك بواسطة طبقة التجّار ــــ المحاربين، وإنّما بواسطة الأرستقراطيّة العقاريّة البيروقراطيّة التي عبّرتْ عن وجودها مع محمد علي الكبير (في القرن الثامن عشر)، ولاحقًا مع محمّد علي وابنِه إبراهيم باشا اللذيْن أطلقا أولَ مشروع توحيديّ حديث.

تعرّضتْ هذه المحاولة للإحباط بهزيمة إبراهيم باشا سنة 1840، ثم باحتلال مصر سنة 1882، وهو ما أصاب محاولاتٍ شبيهةً حدثتْ في سوريا ولبنان والجزائر والمغرب. واندمجت البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة العربيّة داخل بنية النظام الرأسماليّ الاستعماريّ، فكانت تداعياتُ رحيل الاستعمار ترْكَ بنًى اجتماعيّةٍ متباينةٍ في ممارستها الاقتصاديّة والسياسيّة. والأهمّ أنّ هذه البنى لم تعد قادرةً على تشكيل الطبقة المهيمنة التي تدير عمليّةَ الوحدة ــ ــ وهو ما أطلق عليه مهدي عامل "نمط الإنتاج الكولونياليّ."

تجلّى غيابُ القدرة على الوحدة بأوضح صوره في هزيمة العام 1948. فكان الاستنتاج القائل إنّ "ضعف الأمَم أو الأمّة العربيّة هو الذي فتح الطريقَ أمام هذا الاستيطان" هو الاستنتاجَ الذي توصّل إليه ياسين الحافظ وطرحَه على شكل تساؤل: "أليس التأخّر العربيّ هو الذي سهّل أكثر بكثير قيامَ الانتداب البريطاني؟"

***

لم تنجح المحاولاتُ التي جاءت في منتصف القرن العشرين، أي في الفترة التي صُبغتْ بنهوض حركات التحرّر الوطنيّ، في تحقيق التغيير المطلوب. ويعود ذلك إلى الضعف الذي انتاب بنيتَها الاجتماعيّة الاقتصاديّة التابعة للبرجوازيّة الرأسماليّة. لعلّ أوضح تلك التجارب كانت التجربة الناصريّة، التي اختلف معها سمير أمين في بدايتها، ثم عاد لتقويمها إيجابًا في مرحلة لاحقة ("راهن عبد الناصر على التصنيع باعتباره السبيلَ للخروج من تقسيم العمل الاستعماريّ الدوليّ الذي كان يَحصر مصرَ في دور البلد المصدِّر للقطن. واتّسم النظام الناصريّ بالانحياز للفقراء وزيادة حجم الطبقة الوسطى").

وفي سياق متصل، أدّى تراجعُ التجارب القوميّة وتعرّضها لهزائم خارجيّةٍ على يد المستعمِر، وداخليّةٍ تمثّلتْ في تقدّم اليمين الدينيّ، إلى إعادة اندماج البنى الاقتصاديّة والسياسيّة في المنظومة البرجوازيّة الرأسماليّة بشكلٍ أكثرَ متانةً وقوةً من أيّ وقتٍ مضى. وهنا يبرز سؤال سمير أمين: "إذن هل كُتِبَ على القوميّة العربيّة أن تُخفق؟... إنّ عجزَ الدول التابعة يكشف ضرورةَ المَخرج البديل الذي سميّتُه ’الوطن الشعبيّ الديمقراطيّ‘. ولكنْ هل يحتاج هذا الأمر إلى فكرة قوميّة؟"[3]

لقد آمن سمير أمين بالقوميّة العربيّة فكرًا ومشروعًا للمستقبل، لا حقيقةً موجودةً على الأرض.لذلك فإنّ العرب مطالبون بالنضال لتحقيق هذا الهدف لأنّ المشروع القوميّ مستهدفٌ داخليًّا من المصالح القُطْريّة، وخارجيًّا من القوى الاستعماريّة. والمشكلة، كما رآها أمين، لا تكمن في القوميّة، بل في الخطاب القوميّ، الذي رآه بسيطًا وتسطيحيًّا. ففي اعتقاده أنّ هذا الخطاب يَعتبر الوحدةَ حلًّا لجميع مشاكل الأمّة، متجاهلًا الصراعاتِ التي تجتاح المنطقة، وأوّلُها الصراعُ داخل المجتمعات العربيّة نفسها ــ ــ وتحديدًا الصراع الطبقيّ بين كتلة موجودة تلعب دورَ الحاكمة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وكتلةٍ غير موجودة حاليًّا تمثّل مشروع التحالف الوطنيّ الديمقراطيّ.

هنا يؤكّد أمين أنّ التنظيمات والأحزاب القائمة غير قادرة على تشكيل هذا التحالف لأنّ مصالحها لا تتحقّق إلّا في ظل النظام القُطْريّ وواقع التجزئة. لذلك لا بدّ، لتحقيق هذه الكتلة التاريخيّة، من انخراط الجماهير الكادحة في النضال من أجل الوحدة.

تمكن أهميّة هذه النظرة في تحويل الوحدة من حقيقةٍ حتميّة إلى احتمال قابل للتحقيق. ومن ثمّ، لا بدّ من تغيير الخطاب القوميّ ليتعامل مع الوحدة في وصفها احتمالًا يستدعي نضالًا مريرًا لتحقيقه. وهنا يظهر السؤالُ عن طبيعة هذا النضال. وتخلص أطروحةُ سمير أمين في هذا المجال إلى "أنّ إنجاز الوحدة المطلوبة أمر مستحيل دون ’الخروج من الرأسماليّة‘ بمعناه الشامل، أيْ بمعنى الخروج من المنظومة الرأسماليّة المُعولمة من جانب، واستبدال العلاقات الاجتماعيّة الرأسماليّة الطابع بعلاقات ذات طابع إشتراكيّ في إدارة المجتمع من جانب آخر." وهو يصل إلى نتيجة مفادها أنّ "الوحدة العربيّة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ضرورة تاريخيّة موضوعيّة، بمعنى أنّها تمثل ركنًا أساسيًّا من أركان قيام بديل فعّال على قدر مواجهة تحدّيات العصر."

***

لكنّ أمين يكرّر تحذيره من التعامل مع الوحدة وكأنها خطوةٌ إلى الوراء، أو استعادةٌ للماضي، كما عبّرتْ عنها السلفيّةُ القوميّة. فالوحدة بالنسبة إليه خطوةٌ نحو الأمام، تتجسّد من خلال مشروع الوطن الشعبيّ الديمقراطيّ الذي يؤسّس لبناء "مرحلة ما بعد رأسماليّة،" يكون فيها العملُ الوحدويّ منخرطًا في تطلع اشتراكيّ عالميّ المغزى. وعليه "يجب أن تكون الوحدة العربيّة قائمةً على هذا الأساس أو لا تكون."[4]

لقد قدم سمير أمين الأرضيّةَ النظريّةَ التي يمكن أن تقوم عليها الوحدةُ العربيّة بصفتها مشروعًا تقدّميًّا، ولم يرَ فيها نقيضًا للفكرة الأمميّة التي طرح مشروعَها في أواخر حياته من خلال "أمميّة الشعوب والعمال." وهو بذلك ترك للمثقفين إرثًا ينطوي على مهمّتين: الاستمرار في التأصيل النظريّ والنضالِ العمليّ لتحقيق مشروع وحدويّ تقدميّ؛ ومتابعة النضال في سبيل إحياء الفكرة الأمميّة.

__________________________

[1]  سمير أمين، "الأمّة والدولة والطبقات في الوطن العربيّ،" مجلة المستقبل العربي، أيلول 2010، ص159.

 [2]  المصدر نفسه، ص 60.

[3]  المصدر نفسه، ص 163.

[4] المصدر نفسه، ص 164.