Menu
حضارة

اختبار صعب للردع الإسرائيلى

محمد السعيد إدريس

لسنوات طويلة مضت، أعقبت الانتصار العربى الكبير فى السادس من أكتوبر 1973، استطاع الإسرائيليون بدعم دعائى غربي، وأمريكى بالأساس، ومشاركة أبواق إعلامية عربية تمرير أكذوبة امتلاك إسرائيل التفوق المطلق فى الردع، وزادوا على ذلك أن إسرائيل لديها وعود أمريكية تؤمِّن لها التفوق العسكرى النوعى المطلق على كل الدول العربية مجتمعة.

هذه الأكذوبة لم تجد من يدحضها عربياً، رغم أن آخر انتصار عسكرى لإسرائيل كان عام 1967. ولقد نجح الإسرائيليون، بكل أسف، فى اختراق دوائر حكم عربية كثيرة، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً على المستوى الشعبى العربي، وظنوا أنهم، وفى ظل الإدارة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب، بات فى مقدورهم فرض التطبيع على المستوى الشعبي، اعتماداً على ثلاثة مرتكزات؛ أولها، ترويع الإرادة العربية بتكثيف الترويج لأكذوبة امتلاك إسرائيل القدرة الفائقة على الردع، وثانيها، الانحياز الأمريكى المطلق لإدارة ترامب وما سوف يفرضه مشروع «صفقة القرن» على العرب من تنازلات، وثالثها، النجاح الإسرائيلى غير المسبوق فى تسويق شراكات مع عدد من النظم العربية ترتكز على قاعدة الصراع ضد العدو الإيرانى المشترك، والاستعداد لتأسيس حلف «ناتو عربي» يكون طرفاً فى أى حرب إسرائيلية محتملة ضد إيران. الرهان على هذه المرتكزات الثلاثة يواجه تحديات هائلة، أولها، وجود أسباب لم يعلن عنها بعد دعت رئيس الحكومة الإسرائيلية لمطالبة واشنطن بتأجيل إعلان «صفقة القرن»، وثانيها، تعثر دعوة تأسيس حلف «الناتو العربي» لأسباب كثيرة أيضاً لم يكشف عنها، لكن يبدو أن هناك حالة ارتباك تسيطر على أطراف هذين الرهانين: «صفقة القرن»، و«الناتو العربي» باتت تحول، ولو مؤقتاً، دون المضى قدماً فى إنجازهما، لكن التعثر الأهم هو ذلك الانكشاف غير المسبوق لأكذوبة امتلاك إسرائيل التفوق المطلق فى الردع.

أول من اعترف بافتقاد قدرة إسرائيل على الردع هو بنيامين نيتانياهو نفسه على خلفية قبوله الإضطرارى بـ «وقف إطلاق النار» والقبول بالتهدئة المؤقتة مع قطاع غزة، بعد هزيمة قواته، وفشل العملية الاستخباراتية التى حاولت تنفيذها وحدة كوماندوز إسرائيلية خاصة شرق مدينة خان يونس (11/11/2018)، وما أعقبها من قصف صاروخى مركز شاركت فيه كل فصائل المقاومة فى قطاع غزة أرعب الإسرائيليين ودفع مليوناً من المستوطنين إلى الملاجئ فى ما يعرف بـ «مستوطنات قطاع غزة»، وأحرجت كفاءة «القبة الحديدية» فى التصدى لصواريخ المقاومة التى تزداد يوماً بعد يوم كفاءة فى التصويب وقدرة فى التدمير.

ففى محاولة منه لإقناع كل من نفتالى بينيت وزير التعليم زعيم حزب «البيت اليهودي» اليمينى المتطرف وموشيه كحلون وزير المالية بالبقاء فى الحكومة وعدم الانسحاب منها بعد استقالة وزير الحرب أفيجدور ليبرمان اعتراضاً على قرار الحكومة المصغرة «الكابينيت» وقف القتال ضد غزة ورفض القبول بدعوته لاجتياح القطاع وإعادة احتلاله، قدم نيتانياهو وعداً للوزيرين بأنه «سيعمل على استعادة قدرة إسرائيل على الردع»، حسب اعتراف أدلى به نفتالى بينيت. وبعد نيتانياهو يأتى اعتراف شركائه فى الحكم وأولهم أفيجدور ليبرمان الذى برر استقالته من الحكومة بخضوع نيتانياهو لما سماه بـ «المنظمات الإرهابية»، وخضوع الجيش الإسرائيلى للمستوى السياسى (القيادة السياسية) «الذى لم يتخذ القرارات اللازمة لاستعادة القدرة على الردع». وبعد ليبرمان يأتى الدور على نفتالى بينيت الذى كان يحلم بتولى منصب وزير الحرب خلفاً لأفيجدور ليبرمان عقب استقالته، فقد أعلن أن «غزة لا بيد الجيش الإسرائيلي، وأن الجيش لم يعد قادراً على تحقيق الانتصار منذ حرب ».

ينسحاق بريك مفوض شاوى الجنود، المنتهية ولايته، الذى توجه إلى أعضاء لجنة «الخارجية والأمن» فى الكنيست الإسرائيلى بتحذيره من أن «قادة الجيش لا يقولون لهم الحقيقة بشأن جهوزية الجيش للحرب». الأدهى من ذلك، أن جبهات القتال الثلاث التى يمكن أن يقاتل فيها الجيش الإسرائيلى لإثبات قدرته المتفوقة على الردع باتت شبه مغلقة.

فالجبهة الجنوبية فى غزة أضحت عصية على الاجتياح بعد أن تحّول هذا الخيار إلى خيار «شبه انتحاري» باعتراف نتانياهو نفسه الذى يعلم جيداً أن تكاليف أى هجوم من هذا النوع سيكون ثمنه غالياً عسكرياً وسياسياً وبشرياً، بسبب القدرات المتطورة للمقاومة، وفشل «القبة الحديدية» فى التصدى للقصف الصاروخى المكثف والمتسارع على النحو الذى حدث فى المواجهة الأخيرة. بهذا المعنى لا يبقى أمام إسرائيل سوى الجبهة الشمالية بشقيها السورى واللبناني.

الجبهة السورية تكاد تكون مغلقة الآن أمام إسرائيل بعد تداعى التوافق الإسرائيلي- الروسى الذى كان يعطى لإسرائيل ضوءاً أخضر لضرب أهداف ل إيران أو لحزب الله من ناحية وكان يعطيها أيضاً فرصة المطالبة بمنع أى وجود عسكرى إيرانى أو للميليشيات الحليفة بالتمركز فى الجنوب السوري، وبالتحديد عدم تمكين حزب الله وإيران من إحياء جبهة الجولان لتكون جبهة مواجهة ثانية ضد إسرائيل على غرار جبهة الجنوب اللبناني. حادثة سقوط الطائرة الروسية «إيليوشن 20» جمدت هذه التفاهمات، على أقل تقدير، وعجلت بتسليم روسيا بطاريات صواريخ «أس- 300» للجيش السورى فضلاً عن تعهدات روسية بالتصدى لأى اختراق جوى فى الأجواء السورية.

أما جبهة جنوب لبنان فهى التحدى الأكبر، بل والأخطر الآن بالنسبة لإسرائيل بسبب القدرات العسكرية الهائلة لحزب الله، باعتراف أبرز القادة العسكريين، وهى القدرات المدعومة بأكثر من مائة وخمسين ألف من الصواريخ الباليستية المتعددة الأحجام والأبعاد، وباتت تتمتع بقدرة تدميرية عالية جداً، ودقة فى إصابة أهدافها، قادرة على ضرب أهداف حيوية فى العمق الإسرائيلى وفرض أى معركة لتكون على «أرض إسرائيل» وأن تكون الجبهة الداخلية الإسرائيلية هى أول من سيدفع أثمانها، وهي، بالمناسبة نقاط حمراء مميتة بالنسبة للأمن الإسرائيلي.

مجمل هذه التطورات لها معنيان مهمان أولهما أن القدرة الإسرائيلية على الردع المتفوق باتت مهددة خصوصاً أن مرتكزات هذه القدرة تتعرض للتآكل فضلاً عن الفرص المحدودة للتحالفات الدولية (بقاء إدارة ترامب) والإقليمية مشكوك فى صلابتها واستمراريتها، وثانيهما، أن الطرف الآخر الرافض الخضوع لأكذوبة التفوق الردعى الإسرائيلى أضحى قادراً ليس فقط على الصمود بل وأيضاً على الرد الموجع، فى رسالة لها مغزاها القوى على مستقبل الصراع وعلى قدرة إسرائيل على الردع.