Menu
حضارة

عن زمن الانطلاقة والانتفاضة

بوابة الهدف

ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

حين خطط قادة الحركة الصهيونية لاستيطان فلسطين وتشريد شعبها، لم يدر في خلدهم أن هذا الشعب لن يستسلم، وأن هذه المجزرة/المعركة ستدوم حوالي قرن من الزمان، والحقيقة البسيطة هنا أن تجارب القرون الأخيرة من الألفية السابقة كانت تشجع تفكيرهم بسهولة الأمر، إذ أبادت المنظومة الاستعمارية الغربية شعوبًا بأكملها، وتم ترحيل وتهجير السكان حسبما رغبت الدول الاستعمارية دون أدنى مراعاة لاحتياجاتهم.

الواقع أن ردة فعل شعب فلسطين كانت مغايرة ومفاجأة إلى حد ما في مقاييس مطلع القرن العشرين، فرغم أن مقولات حتمية انتصار الشعوب تبدو اليوم بديهية، وتبدو الثورات بالنسبة لنا تاريخ نستلهمه ونعتبره خارطة طريق للانتصارات ودليل على إمكانية تحقيقها، إلا أن أعوام بداية القرن الماضي حين تم إعلان وعد بلفور، أو منتصفه حين وقعت النكبة لم تكن المقاومة بديهية، بل كان تحكم الملوك والحكام والدول الكبرى بمصائر الشعوب هو البديهية الأساسية، وعلى ذلك يجب أن نقيس دور الثورة الفلسطينية، في أنها كانت تعميدًا لفكرة بقدر ما هي إطلاقًا للرصاص، وتأكيدًا على إمكانية الثورة.

 واحد وخمسون عامًا على انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، أحد فصائل الثورة الفلسطينية، هذه الأعوام حين نحتفي بها عادة نتمثلها كأعمار للفصائل أو أقدمية في ممارسة الكفاح الوطني ضد الاحتلال، ولكن الأهم وما يجب أن نستذكره أن هذه أعوامًا طويلة من الصمود والبقاء المجدي والباسل في وجه العدوان المستمر والمتجدد ومعاول التقويض والهدم.

مرة أخرى هذا الاستمرار لم يكن بديهيًا، ولم يكن مرورًا هينًا للسنوات فحسب، بل معركة ضروس على كل ذرة من بقاء الجسم الحزبي وقدرته على الإسهام في الصمود الوطني خلال ١٨٦١٨ يوم منذ تأسيس الجبهة، هذه لم تكن أيام بل مليارات الثواني واللحظات من المواجهة مع الاحتلال والمعاناة والألم واستنبات الأمل من صحراء العجز، والأعتى من هذا كله الحفاظ على الموقف السياسي الذي بات جلابًا لغضب وحصار وتضييق عربي ودولي في زمن تهاوت فيه المواقف حتى العربية منها.

الاحتفاء بانطلاقة فصيل وطني وعروبي بقامة الجبهة الشعبية تزداد قيمتها أكثر في تلاحمها مع الذكرى الحادية والثلاثين للانتفاضة الفلسطينية أو الجيشان الشعبي الانتفاضي، التي مثلت الجبهة أحد أعمدتها، وساهمت بقوة إلى جانب القوى التي شكلت القيادة الوطنية الموحدة في صياغة شعارها الناظم: الحرية والاستقلال، حيث كانت جماهير شعبنا تنتظر قطف ثمارها بحسب شعارها المصاغ، لكن القيادة الفلسطينية المتنفذة وظفتها في نهجها التفاوضي الاستسلامي وهبطت بها لتحصد وهم أوسلو الذي بدأ ب غزة وأريحا، وانتهى لأقل من ذلك، بعد أن استقطع الأرض والزمن معًا.

رفاق الشهيد الخالد جورج حبش ، لا زالوا يرفعون بندقية وديع حداد، وراية حمراء تبرق فيها دماء الشهيد أبو علي مصطفى، وحجر من أزقة المخيم فيه شموخ الشهيد حاتم السيسي يحرسون به شعار شعبهم: الحرية والاستقلال، ممسكين ببوصلة واضحة لا تحيد عن فلسطين، دون إغفال الترابط مع عمقهم العربي، ودون إسقاط راية النضال الديمقراطي لتحقيق بنية وطنية سليمة لمشروع التحرر الوطني، رغم كل محاولات التخذيل والهوان والتشرذم والتبعية والتفرد والاستئثار.

ففي زمن التوحش الإمبريالي المتصاعد، حين تبقى الشعوب رافعة قبضاتها ضد الاحتلال والظلم والقهر، وحين ترى يسار يرفع رأسه عاليًا، يشهر بندقيته، يمكن الرهان على الصمود، وعلى انتصار إرادة الحياة والحرية والعدالة لشعوب هذه الأرض.. يمكن الرهان على مستقبل أفضل للمرأة العربية، والعامل، والفلاح، وأشبال مسيرات العودة.. فهؤلاء جميعًا ممن ارتأت منظومة العدوان وأذيالها الرجعية شطبهم، على الجبهة أن تحمل أمانتهم كما فعلت دومًا.

عام جديد من عمر الجبهة، فيه إعلان وتأكيد على الاستمرارية التاريخية، التي دفعت فاتورتها مقدمًا من دماء رفاقها الشهداء، وبإعلائها أشكال اشتباكها المتجددة مع العدو الصهيوني، وحفاظها على خطها الوطني الوحدوي، ونفسها الديمقراطي التقدمي.. عام نستعيد فيه مجد هذا الحزب وتاريخه الثوري، ونحلم بغدٍ أفضل لشعبنا وحقوقه وأهدافه الوطنية.. عاشت الذكرى ودامت الثورة.