Menu
حضارة

الظاهرة الطبيعية في انطلاقة الجبهة الشعبية

د. سامي محمد الأخرس

منذ أيام أوقدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شمعة ميلادها الواحدة والخمسين، وهي تعيش في واقع أبعد ما يكون ظاهريًا عن هذه الحالة الثورية التي انطلقت وفق الفهم الثوري لطليعة من الشباب الذي عاصر النكسة والنكبة، كردة فعل تتوافق وتتلاءم مع الوعي التحديثي للمفهوم الثوري القومي، الذي كان سائدًا ومسيطرًا على الوعي المجتمعي للأمة التي كانت تعيش حالة الهزيمة في أدق تفاصيلها اليومية، دون أن تصل إلى مرحلة اللاعودة، ودون أن تفقد قوتها على النهوض مرة أخرى من وعي الهزيمة إلى وعي الثورة.

ربما ذهبت بعيدًا بوصف انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالظاهرة الطبيعية الذي لا يعني الفهم المجرد للمصطلح، وإنما بمعناه ومفهومه المناخي، الذي كان أحد متطلباته إحداث هزة عنيفة في الوعي المهزوم للأمة، هذه الهزة هي القوة الطبيعية التي لا بد وأن تتدخل في إعادة الاتزان الانفعالي الذي أحدثته الهزائم بعيدًا عن الإطار التقليدي العفوي، والفهم المتعارف عليه.

استبقت انطلاقة الجبهة الشعبية انطلاقات العديد من القوى والحركات والتشكيلات والمجموعات الثورية العربية والفلسطينية وتنوعت ما بين الخطاب التقليدي والخطاب الثوري، وهو ما يدفعنا لتوضيح مفهوم الظاهرة الطبيعية التي وصفنا انطلاقة الجبهة الشعبية بها، كتعبير كيفي عن الفهم الثوري اللاتقليدي في ظل سيادة الوعي الجمعي للفهم المنحصر بالعرق وعلى وجه التحديد (القومي)، الذي توغل في الحالة الأيديولوجية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح تقليدًا، والتحول من مفاهيم أرحب نسبياً إلى مفهوم القومية والعنصر القومي، الأساس المنحصر في عرق وعنصر محدود كتعبير أقل شمولية، وأكثر انحصارًا في النوع أدركه مؤسسو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كفهم تعبيري عن حالة قومية في مواجهة حالة عنصرية، ولكنهم استدركوا عمق الصراع ومفاهيم المواجهة، فقادوا عملية التحول وفق منظور توسيع وشمولية الهدف الثوري العام، وإيمانهم بقضية لم تواجه عدو عادي تقليدي، واستعمار كلاسيكي، بل عدو للإنسان، وللقوميات وللأديان، والعنصر البشري، وضرورة وجود متطلب تعبيري أكثر شمولية يعبر عن العالم المقهور والمحروم في التطور المفاهيمي العلمي والفكري والأيديولوجي، الذي عبر عنه لينين عام 1917 بثورة البروليتاريا، وكذلك عبر عنه الخميني بالمستضعفين في ثورة 1979 في إيران عبر صبغه بالصبغة الدينية.

فالظاهرة الطبيعية التي وسمتها بالمصطلح هي النبع أو المنبع الذي استنبط منه الفكر الجمعي للتعبير عن مفردتين أولهما العالم المظلوم وتوسيع جغرافيا المواجهة، وثانيهما العنف الثوري، وهما المحورين اللذين أسسا لقواعد العمل في فهم الصراع وتحديد معسكري الأصدقاء والأعداء، والانطلاق على قواعد ثابتة في المنهج والمواجهة كتمييز جامع ما بين التقليدية والحداثة في الأيديولوجيا، ينطلق خارج دوائر العنصر القومي وحدود المكان (الجغرافيا)، والخطاب الزماني كتحديث للتجربة الجيفارية التي أرسى قواعدها عمليًا الثائر الأرجنتيني أرنستو تشي جيفارا دون حدود للعنصر وللجغرافيا، وفق أسس ومنطلقات (الإنسان) والعدالة للمحرومين والمضطهدين، وترسيخًا لمفهوم حكم سلطة الفلاحين والعمال والكادحين، أي امتلاك سلطة الشعب (الحكم) والاقتصاد (الاشتراكية) بمفهومها البسيط، العمل الجماعي وعدالة التوزيع، وأن مقومات الأنظمة ملك للشعوب.

الظاهرة ما بين الانطلاق والتحول:

بعيدًا عن التشنجات التاريخية، والقوالب الاصطلاحية، شرحت بشكل مبسط مفهوم التحول من العنصر القومي إلى العنصر الأوسع الإنساني، في بناء النظرية الثورية الأيديولوجية التي قادت عملية التحول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو الجوهر الذي غاب في الحقبة الأخيرة عن وعي الجماهير والعناصر التي فسرت وحللت التحول بقوالبه ووشائجه التقليدية وفق مفاهيم المادية الجدلية، ومفاهيم رأس المال في مكوناتهما التعقيدية أحادية التفسير والمنطق التي استحوذت وطغت على وعي الغلابة ومحدودي الوعي، لذلك لم يعد الانتماء وفق الأيديولوجيا وإنما وفق التاريخ والموروث تارة، والجهد النفعي تارة أخرى مما عمق الأزمة، واستفحلت حالة التغريب الممنهج للفكرة وللأيديولوجيا، لأصل الفكرة التي أرادها أصحاب التحول والتي صاغها المفكر الثائر المؤسس جورج حبش في محاولة للمزج بين الماضي والحاضر والمستقبل. وإن كان النجاح الذي تحقق سابقًا يستند لامتلاك الأدوات القادرة على التحليل والتمحيص والتوصيل للجماهير، إلَا أن الأزمة الحالية هي الافتقار لتلك الأدوات التي تحولت مرة أخرى، ولكن تحول وفق الخط العام والمزاج العام، أي تحول دفة التأثير من النخب بالجماهير لتأثر النخب بالجماهير، وتحول القائد من مؤثر لمتأثر، مع غياب المنطلق الآخر للعملية الاستقطابية في الثبات بمفاهيم (العنف الثوري)، الذي خضع للانحصار في العنصر الأضيق (الفلسطيني) من جهة، والتغيير والتراجع الكبير أيضًا في عملية توجيه العنف الثوري من أداة مقاومة ومقارعة واستقطاب إلى أداة خطابية شكلية حماسية، ساهمت في حالة هبوط كبير لمؤشرات الأيديولوجيا التي لم تجد قوة وأداة دفع وجودها الممثلة بالعدالة المجتمعية. والعنف الثوري المقاوم وهو الذي التقطته القوى الدينية عامة، واستخدمته كرافد قوي لنشر الأيديولوجيا، أي أداة اسنادية استقطابية فاعلة وناجزة، وهذا هو السياق الطبيعي لمفهوم الظاهرة الطبيعية، كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979، وتجربة حزب الله اللبناني، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين في قيادة عملية التحول.

من هنا فإن المساحة الفاصلة ما بين الانطلاق وعملية التحول هي مساحة فهم علمي لكل مناحي الوعي العام بمكوناته المجتمعية العالمية، والعربية، والفلسطينية وقراءة أيديولوجية عميقة ترتكز على عمق التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتوسيع دوائر الصراع واستقطاباته.

الانهيار والسكون:

انهارت الحاضنة الأيديولوجية وبدأت معالم التغيير في الفهم الأيديولوجي في ظل أزمات كبرى على كافة الجوانب والمناحي، الأيديولوجي، السياسي، العسكري، الاقتصادي، مما تطلب مراجعات عميقة شاملة، وأدوات مستحدثة للتفاعل والتعامل مع هذه الأزمات المعقدة، والمتشعبة، حيث لجأت العديد من القوى لمعالجتها شكليًا، كعملية هروب بتغيير مسمياتها مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تحول لحزب الشعب الفلسطيني، والكثير من القوى العربية وغير العربية التي اتخذت شكلًا هروبيًا بدل المواجهة مع الأزمة وتجلياتها، وهو ما يؤكد ما جئنا عليه سابقًا بتحول النخب من مؤثر لمتأثر بالحالة ومتقلباتها، غير قادر على المواجهة، وتعطل فعالياتها. في حين عالجت الجبهة الشعبية الأزمة بفكرة )الصمت) و(السكون) و(الترقب)، أي تركت مساحة للأزمة لتحدث نتائجها دون تدخل بشكل فاعل، ودون أن تعلن عن تحول آخر، أو مواجهة كما فعلت قيادة التحول التاريخية سابقًا، وعليه فإن حالة اللامبالاة والصمت وعدم التدخل عمق الأزمات الأيديولوجية وانعكاس هذه الأزمات على كل مكونات الحزب وهويته، مما أدى لحالة لا فهم لدى الهياكل التنظيمية والثورية عامة، نتج عنها حالة اغتراب في الهوية وفي الفعل الثوري الذي كان الأداة الناجزة للاستقطاب الأيديولوجي والثوري، بما أثر على الظاهرة الطبيعية التي ارتدت إلى هزة عكسية النتائج، عكس ارتداها السابق الذي انعكس على الحالة الثورية العالمية في عنف ثوري أيديولوجي استقطب كل محرومي ومظلومي العالم، وكذلك على العدو الذي واجهته قوة دفع ثورية بالسماء والبحر والأرض، وقوة دفع في الفكر والأدب والوعي، مما ميز هذه الظاهرة الطبيعية الكونية الموسومة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعادت إلى مربعها الأول في الانحصار في العنصر والجغرافيا والزمن.

ما هو المستقبل:

لا زال الغموض هو جوهر أي عملية تحليلية تفسيرية لمستقبل هذه الظاهرة التي تنحصر رويدًا وتتقوقع في دوائر ضيقة جدًا، غير قادرة على التعبير النوعي في ظل انعدام أدوات الاندفاع والمواجهة؛ الاندفاع صوب التعبير عن مستقبل الحالة المجتمعية، والمواجهة مع القوى الأكثر هيمنة على مقدرات المجتمع وفئة المحرومين والمظلومين، والتقوقع في دوائر المبادئ العامة الرئيسية التي تبلورت منذ عملية التحول الرئيسية، وعدم القدرة على بناء قوة دفع أيديولوجية وفق أدوات ومفاهيم (المواجهة) بمستحدثاتها، واضمحلال النخب التي تستطيع أن تقود عملية البناء للمستقبل، والإبقاء على الأدوات التقليدية التي لم تتطور مع تطور هياكل التفكير والوعي معًا.

فالمطلوب مراجعة نقدية مع الذات أولًا، ومراجعة نقدية مع المسار التاريخي مسند بالحاضر وتجلياته، وبناء قواعد المستقبل واستقطاب عوامل ومقومات التطور والنجاح بعيدًا عن نرجسية الأنا.

واحد وخمسون عامًا دون تحيز وضعنا بها مفهوم الظاهرة الطبيعية الكونية لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تعتبر أنبل ظاهرة ثورية يمكن للتاريخ أن يقف طويلًا أمامها، ويمكن لمسيرة الجماهير والشعوب أن تفسرها وتحللها دون تحيز، كمفردة ظاهرية لا زالت تؤمن بأن الجماهير هي صاحبة المد الثوري المعبر عن صوت الحرية والحق والعدالة.

أكاديمي وكاتب فلسطيني