Menu
حضارة

حتى لا نتحول إلى «مجتمعات خطر»

محمد السعيد إدريس

لا أستطيع أن أستبق الأحداث، وأقرر بقناعة شخصية إلى أي مدى استطاعت «مؤسسة الفكر العربي» بإصدارها النادر عن «التنمية الثقافية»، وأعني التقرير العاشر الذي صدر منذ أسابيع قليلة أن ندق «ناقوس الخطر»، وإلى أي مدى كانت الاستجابة لهذا الأمر، نظراً لأن إصدار التقرير لا يكفي لنحصل على الاستجابة المطلوبة طالما أن التعريف بالخطر المحدق بالدول وبالمجتمعات العربية لم يصل بعد إلى أسماع صانعي القرارات، وإلى منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في دولنا العربية. فالاستجابة عادة ما تكون صدى للتحديات في المجتمعات التي تمتلك الحيوية والفعالية على عكس الحال الذي نعيشه في مجتمعاتنا العربية، ولنا أن نتصور ما يحدثه غياب الإدراك بالخطر في مجتمعات تفتقد إلى الفعالية والحيوية اللازمة لتمكينها من الاستجابة لمواجهة تلك التحديات.

هذا يعني أننا مطالبون أن نجعل مجتمعاتنا «مجتمعات غير صماء» لنذير الخطر، بل والمخاطر التي تتهددها كي تكون قادرة على مواجهتها، وهذه في الحقيقة قضية ثقافية بالدرجة الأولى، ومن هنا جاءت براعة مخططي تقرير «التنمية الثقافية» بأعداده العشرة التي صدرت حتى الآن، لأنها في ذاتها تقرع جرس الخطر لتحريك المجتمعات كي تكون قادرة على إدراك الخطر والاستجابة لمتطلبات مواجهته.

لقد أدرك هذه الحقيقة مبكراً القائمون على مؤسسة الفكر العربي عندما جعلوا التنمية الثقافية أساساً لما ننشده من تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية. وإذا كانت هذه المؤسسة، قد أصدرت تسعة تقارير ثقافية على مدى السنوات الماضية عالجت فيها الكثير من جوانب القصور الفكري والمعرفي والثقافي العربي، وكلها أمور شديدة الارتباط بقضايا التقدم والنهوض الحضاري المنشود، فإن إصدارها العاشر للتنمية الثقافية كان، عن حق، ذروة صرخاتها المدوية لإنقاذ أمة تكاد أن تندثر وسط طوفان هائل من موجات صاخبة من التطورات البيئية والعلمية والاقتصادية ناهيك عن المخاطر الأمنية والحروب والصراعات الدموية البينية، وأخطرها ما يحدث داخل الدول العربية.

عنوان التقرير العاشر للتنمية الثقافية، وهو: «الابتكار أو الاندثار - البحث العلمي العربي: واقعه وتحدياته وآفاقه»، شخص المشكلة، وهي أن الأمة العربية تواجه خطر الاندثار، والحل هو الابتكار الذي يتحقق عن طريق البحث العلمي.

ما يعني أن النهوض بالبحث العلمي طريق مواجهة الخطر، لكنني أعتقد أن هذا لا يكفي، رغم أن «الابتكار» يعد ضرورة يمكن اعتبارها ضرورة حياة أو موت، لكن حجم ونوعية المخاطر والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا العربية وباتت تجعلها «مجتمعات خطر» في حاجة إلى حزمة متكاملة ومتنوعة من أسلحة المواجهة، نظراً لضخامة وتنوع تلك المخاطر التي لا تقتصر فقط على انعدام القدرة على الابتكار.

إن التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية، كغيرها من مجتمعات العالم سواء كانت مجتمعات الشمال المتقدم أو الجنوب المتخلف تتنوع، كما أشار التقرير في مقدمته التي كتبها الدكتور هنري القويط، المدير العام لمؤسسة الفكر العربي، بين ما يتعلق بالمشاكل الصحية والبيئية ومشاكل التغير المناخي ، والتطبيقات السلمية للتكنولوجيا والتنوع الحيوي، والمشكلات الاجتماعية في التصدي للفقر.

فالعولمة الرأسمالية في اندفاعها الراهن، لم تعد تهدد فقط تماسك «الدولة القومية» أو «الدولة الوطنية» مع طموحها في السوق العالمية، ما يعني تغليبها لمصالحها المعولمة الممتدة إلى أنحاء واسعة من العالم على حساب دولها، أي دول المنشأ، بل وغيرها من الدول التي تعمل بها وتسوق فيها منتجاتها، لكنها تأتي أيضاً على حساب الديمقراطية الليبرالية، الأمر الذي أخذ يدفع الشعوب إلى تفجير ثورات مضادة عبر مسارات بديلة من الكيانات الاجتماعية- السياسية على أسس عرقية ودينية وطائفية وقومية باتت تفجر الصراعات الداخلية بحثاً عن العدالة والديمقراطية.

فقد اعتبر جدنجز، أن العولمة تؤدي إلى نتائج بعيدة المدى وتترك آثارها الخطيرة في جوانب الحياة جميعها، وهو ما أرجعه ايرليش بك، إلى ما يؤدي إليه تسارع التطورات التكنولوجية من ظهور أنواع جديدة من المخاطر على الإنسان أن يواجهها ويتكيف معها، وهذا ما كان من الواجب أن يؤكده تقرير التنمية الثقافية وهو يدق ناقوس خطر تدني الابتكار العربي، فهو ليس الخطر الوحيد بعد أن أصبحت مجتمعاتنا مفعمة بالمخاطر المتعددة الأنواع والمشارب، وهذا هو ما نأمله من التقرير في إصداراته اللاحقة.