Menu
حضارة

لن نهزم.. هذه هي البوصلة

كان يفترض بهذا المقال أن يتناول العدوان الصهيوني المتزايد في الضفة الغربية المحتلة، وضرورة المواجهة الشعبية والوطنية لهذا العدوان، ثم جاءت سلسلة من بطولات الشهداء لتفرض ذاتها كعنوان أساسي، ثم كانت هراوات، هروات كثيرة انهالت على رؤوس أهلنا في الخليل، وهذه المرة كانت هذه الهراوات "فلسطينية".

المؤكد أن هناك من سعى واجتهد ليضع نفسه كمصدٍ لحماية الاحتلال، والتأكيد على دوره كخادمٍ أمني لهذا المحتل، وهذه كانت الرسالة الأساسية التي حاول إيصالها لنا بالأمس دون خوف أو وجَل، سواء عبر جريمة الاعتداء على المتظاهرين في الخليل، أو من خلال التصريحات التي حاولت استغفال الجمهور الفلسطيني الواعي، وليس انتهاء بالهجوم على من تظاهروا ضدّ تنكيل الاحتلال بجثمان أحد الشهداء في رام الله، مرّة أخرى كانت الرسالة واضحة: سنقف لجانب المحتل الذي يهاجمنا كما يهاجمكم منذ أيام لعلّه يقتنع أننا نقوم "بالتزاماتنا"، هذه الصورة التي أرادها البعض الفلسطيني لنفسه وهذه الرسالة التي وصلت لكل فلسطيني وطني.

الجميع يدرك قبح هذا الموقف وقبح المفاضلات فيه، وصعوبة تجاوز هذه الجريمة بحق الذات الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات، وفي هذه السطور لا يوجد دعوة لذرّة من التسامح مع مثل هذه الممارسات غير الوطنية، ولكن الممر الضروري لتحقيق الانتصار في معركتنا هو إدراك أهداف العدو والعمل على تعطيلها، ذلك كجزءٍ من التمسّك بما تبقى لنا من فرص لتحقيق الانتصار في حربنا الدائمة مع هذا الكيان الصهيوني. وجوهر مشكلتنا مع هذا الكيان/ المنظومة الاستعمارية يكمن فيما يفعله بالبشر، بنا وبغيرنا من البشر، كيف يُحوّلنا لضحايا مذبوحين، ويحول الكثيرين لقتلة وجلّادين. ومن هنا تأتي ضرورة الإدراك الواضح والحضور الكامل للوعي في إدارة هذه المواجهة، لن نمنح الاحتلال ما رغب به بالأمس، سنعمل جميعًا وبكل ما أوتينا من طاقة وطنية على معاقبة المسؤولين عن جريمة الأمس وكل جرائم قمع الحريات وجرائم التنسيق الأمني، دون أن نخسر فرصتنا في تحقيق وحدتنا الوطنية في وجه الاحتلال.

وهنا، من المفيد أن الحديث عن الوحدة الوطنية ليس بحثًا عن معنى فضفاضٍ لا ترجمةً عملية أو حقيقية له، فالمعنى الأكثر موضوعية للوحدة الوطنية هو تحقيق أوسع اصطفاف شعبي ممكن حول خيار محدد، وهذا ما علينا أن نسعى لتحقيقه دون كللٍ أو مللٍ أو يأسٍ، فالانتصار على العدو ممكن فقط بتجميع طاقات هذا الشعب، ومواجهة من يحاول تبديدها وفتح اشتباكات داخلية لا معنى لها إلا خدمة الاحتلال.

تبدو المسؤولية هائلة على الفاعلين الوطنيين الفلسطينيين؛ فمن جهة هناك تحدي مواجهة الهجمة الاحتلالية الشرسة حاليًا، ومن جهة أخرى تحدي الحفاظ على الصف الوطني في وجه من حاولوا خوض الاشتباك مع شعبهم نيابة عن الاحتلال، وكذلك تحدي تحقيق الوحدة الوطنية بمعناها الأعمّ والأشمل، والذي يكفل إنهاء دور هذه العناصر التخريبية لمشهدنا الوطني، وإطلاق طاقات شعبنا مجتمعة ضد الاحتلال. ولكن، هذه المسؤولية هي الحد الأدنى مما يجب تقديمه لهذه البلاد ولهذا الشعب الأبيّ، وهو ما يتطلّب الصدق التام مع هذا الشعب، والاستعداد لاتخاذ كل الخطوات والقرارات الوطنية الضرورية مهما بدت صعبة أو مكلفة، ف فلسطين هي البوصلة، هي الحرية، هي الكرامة.