Menu
حضارة

الانتفاضة وإعادة اكتشاف الذات: حكاية صبي تائه

أحمد مصطفى جابر

لم تكن الانتفاضة غريبة علينا "تماما" في شتاتنا القسري، نحن اللاجئين الذين دخلنا المراهقة أوج  الانتفاضة الكبرى، كنا منغمسين تماما بمعنى فلسطين، ولكننا كنا لاندرك طبيعة القسمة السياسية داخلها، ولا نعترف باحتلال 48 و67، لانعترف به أو لاندركه، لا أذكر تماما، أو لا أعرف، في معسكرات الشبيبة كانت أسماء فرقنا، عرابة والناصرة، وترشيحا، وكانت صورة الثورة في نظرنا أن تعصف النيران في الناصرة، وكنا ننشد "يا ناصرة يا ناصرة.. شدي العزم والحيل.. خلي العبوة الناسفة تمحي ظلام الليل".

كان الوطن بالنسبة لنا لوحة في حصة الرسم، أغنية للشيخ إمام بصوت عبد الناصر ميعاري، الفلسطيني-الحلبي-ابن النيرب، كانت فلسطين بالنسبة لنا، تلك البنت الشقية التي اعتادت وضع الحطة على رقبتها، وكنا نريد أن "نصاحبها"..

كانت أيضا ترتسم في صورة جدتي حليمة، التي لم أنم بسلام منذ ماتت وكنت قد كبرت ولم أعد أنم في حضنها، تلك المرأة التي كانت تملك رائحة لا مثيل لها، رائحة البلاد، وحكاياتها عن الخال يوسف ومطارداته قبل الأسر، وعن محمد ابن خالتي الذي ضاع أثره في جرش، وعن التحقيقات مع خالي عبد الله و"العمارة" مقر المخابرات التي كانت كائنا أسطوريا مرعبا أكثر منه مجرد مركز تحقيق.

كنا أولادا، نتسابق بفك وتركيب الكلاشينكوف، وعيوننا مغماة، نتسابق للمشاركة في تشييع شهيد، ونتأمل الكلمات الكبيرة التي كانت تكتب على الملصقات التي تغطي شوارع المخيم، كنا نرى فلسطين، على صورة مخيماتنا الخاصة، مخيم العائدين في درعا، أو مخيم اليرموك، أو شاتيلا، لكننا لم نكن نعرفها على وجه الحقيقة، ليس لأن غسان كنفاني الذي كنا نحفظ قصصه وندرسها في المدرسة، أو محمود درويش أو فدوى طوقان وإبراهيم لم يتمكنوا من شرحها لنا.. بل أننا كنا تائهين فعلا، ومتوهين، نفكر بحصار المخيمات، واقتتال الفصائل فيما بينها، والعجوز الذي كان رمزا ثم صار مجرد رجل غامض يعيش في تونس، كنت أعرف العجوز الغامض، بمشهدين اثنين لايغيبان عن بالي: طفل في الثالثة، يحصل على دينار كامل منه، كان قد أتى لتفقد معسكر للفدائيين قرب بصرى جنوب سوريا، أخذني أبي الذي كان يعسكر هناك معه، أرتدي بدلة كاكية تناسبني، رفعني أبو عمار بين يديه وقبلني ونفحني الدينار كاملا، المشهد الثاني كنت شبلا في معسكر عيتا في أعماق الوادي، ومر موكب ياسر عرفات في طريقه إلى دمشق أكثر من خمسين سيارة وكنا نحن الأشبال نتحزر سيارته بينها، في تلك الأيام جاءت عربة الشيلكا لأول مرة وكنا نظن أنها ستحرر فلسطين.

فيما بعد، عندما أتيح لي التأمل بما يمكن أن يسمى نضجا، بتلك الأيام، تصورت أن حالتنا كانت تشبه من وقع في اضطراب ما بعد الصدمة وأنه لن يخرج منه أبدا، فبعد صمود أسطوري في بيروت، أعي على أبي وهو يكسر جهاز الراديو الذي يعلن من إذاعة مونتي كارلو عن المجزرة الرهيبة في صبرا وشاتيلا، لم أكن أفهم يومها، لكن أبي الذي قاتل في لبنان الإسرائيليين والكتائب والقوات وسعد حداد وعصابته كان يذبل في حزن عميق لم أشهده من قبل، كانت تلك صدمة المعرفة الأولى، وليس الاحساس القاتل السابق على ذلك، أتذكر جيدا مقدمات هذا الحدث عندما كان جورج قرداحي يعلن في افتتاح نشرة الأخبار "سقطت النبطية" كنا ندرك ولانفهم، أو نحس ولانفهم، الصدمة لم تقف هناك، فبعدها جاء الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني، وبعدها حصار المخيمات، وابن عمي الذي نجا من حصار بيروت، لم ينج من حصار شاتيلا. ثم قتلوا ناجي العلي أيقونتنا الحبيبة ومعبود جيلنا بلا منازع.

مع الوصول إلى المرحلة الثانوية النهائية كان وعيا غاضبا يتجذر، نقرأ أكثر ونفهم أكثر.. كنت قارئا ممتازا وبنهم لكل شيء يقع تحت يدي، من رأس المال إلى عودة الشيخ إلى صباه، ولم أفهمهما كليهما في تلك القراءة الأولى.

عندما نجحت في الثانوية، أهدتني منظمة التنظيم المحلية، كتابا عجيبا كان اسمه "العقب الحديدية" لأمريكي يدعى جاك لندن لم أسمع به من قبل، كانت تلك إشارة صوفية ربما، كان كتابا صعبا أكثر منه رواية، عكفت شهرين على فكفكة رموزه وكنت غاضبا، غاضبا بشكل استثنائي وكلما فهمت كنت أغضب أكثر، وقررت أنني يجب أن أصبح ماركسيا، ومن يومها وأنا غاضب، ثم جاءت الانتفاضة.

كنت خارج سوريا في بعثة دراسية استمرت عامين، في تلك الأيام ووسط ارتباكنا العظيم بمجتمع غريب ونظام دراسي عسكري صارم، سمعنا أن حدثا  سمي "الانتفاضة" قد اندلع في فلسطين، صرنا نعرف أن في فلسطين جباليا والمغازي والشجاعية، نور شمس وبيت ساحور وبيرزيت ودورا والجلزون وأن تلك ليست أساطير في رسومات ناجي،  وصار لأغنية "من حلحول سمعنا طبول طبول الثورة بتنادي" معنى أعمق، وأذكر كيف تسمرت أمام بوستر حاتم السيسي صورة رمادية لشاب عشريني ربما وحجر، مجرد حجر، تابعنا بشغف كيف ينهال على جنود الاحتلال، صار الاحتلال لحما ودما، دبابات، وناقلات جند، وتكسير عظام في مشهد تاريخي لتغول العنف الاستعماري وخروجه عن السيطرة.

في تلك الأيام استشهد عادل صديق الروح ورفيق الطفولة في قصف جوي إسرائيلي على معسكر فدائي، سمعت الخبر بعدها بشهور، وزاد غضبي.

بدون تفاصيل تحولت بالتدريج إلى اليسار، وصرت أعرف جورج حبش ، والجبهة الشعبية وصرت أعرف أن هناك تنظيمات فلسطينية كبيرة ومقاتلة غير فتح، ربما كان هذا البحث العميق بسبب الطريقة الساخرة التي تحدث بها مسؤول تنظيمي عن الجبهة الشعبية فأردت أن أعرف أكثر.

كانت المعرفة تتطلب جهدا استثنائيا في ذلك البلد، لايوجد غوغل تضغط على مفتاحه فيعطيك ما تريد، كانت المعرفة مغامرة متجددة في اكتشاف ذاتي وإعادة موضعة نفسي في سياق مفهوم للعالم الذي يتهاوى. عالم قديم، فج نريد الهروب منه إلى عالم الانتفاضة وبطولاتها وكياناتها الأسطورية.

صارت الانتفاضة خبزا يوميا نجهد للحصول على أخبارها، الفرق الضاربة، أساطير الملثمين، القرى التي تعلن عن نفسها محررة، ثم قتلوا أبو جهاد، ولم يكن رد فعل المنظمة متناسبا مع حجم الحدث، يومها فقدت هويتي من جديد، هويتي التنظيمية أعني، وعندما عدت إلى سوريا، ذهبت إلى البيت، وانتظرت انتظار الغاضب، إلى أن استشهد صديقي جمال الزير في دورية خططنا لها معا، ليتركني وراءه تائها وغاضبا أكثر.

وكان المسار قد حدد نفسه، قررت الذهاب إلى الجبهة الشعبية لأنني رأيت فيها التعبير الحقيقي عن الانتفاضة، كان رفاقي في الثانوية قد سبقوني إليها، في الجامعة، بينما أنا كنت في الخارج، جئت إلى الجبهة مع الانتفاضة، ثم مرت الأيام، والسنين.. وأنا ما زلت غاضبا.

كاتب ومسؤول قسم العدو في بوابة الهدف.