Menu
حضارة

"شيء من الخوف" نصف قرن من سجال الخضوع والتمرد

مؤلف الفيلم ثروت أباظة: بطل الفيلم (عتريس) يرمز إلى الاستعمار وأعوانه

بوابة الهدف_ وكالات

اكتسب الفيلم المصري “شيء من الخوف” شهرة متزايدة في السنوات الأخيرة، بجرعاته السياسية العنيفة واتخاذه رمزا للتحريض على الثورة ومساحات الترميز الضخمة ونهايته القوية التي تعتبر السيناريو الأسوأ الذي تخشاه أي حكومة تتخذ من العنف والجباية منهجا، وتتمادى في زرع الخوف في نفوس الناس لضمان البقاء. خيط رفيع يربط الشعوب بالحكومات، ويحاول البعض تقويته بالخوف للمزيد من البقاء باعتبار أن القليل منه ينفع ولا يضر، والبعض الآخر يعتبر الخوف ذئبا لا يؤمن مكره، فبمجرد كسر القفص الزجاجي الشفاف الذي يحتويه قد ينقلب إلى ثورة لن تعرف تسامحا عن خطايا الماضي ولن تقبل بمشاركة واحدة للمستقبل.

يبدو جواب العمل جليا من عنوانه، فمن بين عشرات الأسماء الصالحة للقصة كـ”عتريس وفؤادة”، أو “الدهاشنة”، كان “شيء من الخوف” بمثابة شعار يتخطى الزمان والمكان ويتسم بالخلود والتكرار في حياة الإنسان، مثل الخوف من المستقبل أو التغيير أو الموت أو تبدد المال والصحة، والذي يتحول إلى فوبيا تشل العقل، تولد إحساسا دفينا بعدم الثقة، والتستر الذاتي وراء القدر والرضا بأحكامه. الفيلم، الذي تم عرضه عام 1969، مأخوذ عن رواية صغيرة الحجم للكاتب ثروت أباظة خضعت لتعديلات كبيرة عبر كاتبي السيناريو والحوار صبري عزت وعبدالرحمن الأبنودي اللذين حمّلاه بإسقاطات سياسية منحت قصة قرية تعاني سلب ثرواتها وخيراتها لصالح عصابة تفرض مقدراتها عليها أبعادا فلسفية عميقة تدور حول روافد تطور الدكتاتوريات.

تظهر مقدمة “شيء من الخوف” عمومية مضمونه بلوحات تشكيلية للفنان يوسف فرنسيس شبيهة بفن الجداريات حاليا لأناس من المعذبين والحائرين أمام بطش قلة تمتلك القوة لتصاحبها أغنية من كلمات عبدالرحمن الأبنودي، ولحن بليغ حمدي، ترصد قصة بلد لا يعرف أحد موقعها ولا عصر وقوعها، ومن الممكن أن تكون في كل مكان وزمان، تمتلئ أرضها بالحقد الذي حينما يحل يملأ الدنيا خوفا.

فضل المخرج حسين كمال تصوير العمل بالأبيض والأسود رغم إمكانية تصويره بالألوان، لمنحه قدرة على استغلال إمكانات الظلال لتتسق مع مضمون الحوار بمنح وجه “فؤادة” قدرا من النور يجعلها كآلهة الخير عند القدماء، وعلى النقيض إكساب ملامح “عتريس” ظلمة تجعله شبيها بالمردة الذين يتفننون في إيذاء عباد الله في أرضه وخيراته.

يولد الإنسان حاملا معه بعض الخوف، لكن التنشئة تحدد مساحته، فإن أرضعته وغذته يصير شبحا داخليا يهيمن على التصرفات، وقد يجعله ذليلا لبشر مثله لا يخلون من الخوف أيضا، فأطفال الدهاشنة يفرون من الاحتفال بالمولد بمجرد حضور عتريس الصغير (محمود مرسي في ما بعد) للعب مع فؤادة (شادية في ما بعد) منتقدين الأخيرة بأنها تشجعه على الحضور، واعتبروا أي مكان آخر أفضل رغم وجود الألعاب والإضاءة في المولد فقط.

لا تمثل حياة الإنسان عند “عتريس الجد” الذي أطلق اسمه على حفيده لتظل معانيه من القسوة حاضرة في مخيلة أهالي الدهاشنة، سوى رقم ما يدفعونه كإتاوة (مبلغ مالي أو قيمة عينية)، يقرر مساعده الأبرز إنهاء حياة شقيقين مشاغبين دفعة واحدة، باعتبار أن أحدهما يجب أن يبقى على قيد الحياة ليس ليراعي مصالحهما ولكن ليدافع عن الحي والميت.

يشرح الفيلم كيف تتحول شخصية إنسان من اليمين إلى أقصى اليسار، فالحفيد طيب القلب الذي يعشق اللعب بطيور الحمام ويلعب بالتراب مع صديقته فؤادة يتحول إلى قاتل بعد رؤيته مقتل جده، ويتحول للانتقام من البلدة كلها وليس القاتل فقط، ويحرق منزله رغم تعهداته السابقة بأن يديه لن تتلطخا بالدماء وأنه مجبر على معايشة عصابة جده دون الانتماء إليهم.

صناعة الظلم

يعتبر السيناريو أن التكرار عامل أساسي في تغير الشخصية من النقيض إلى النقيض، فمن يكذب ثلاث مرات ينقلب كذابا، ومن يسرق مرتين يفعل الثالثة ويولد من جديد كلص، وعتريس مثل النماذج السابقة، ولد بقلب أسود ووجه قبيح، معتبرا على لسان الشيخ إبراهيم (الفنان يحيى شاهين) أنه ليس ذنبه فقط بل يتشارك الناس المسؤولية بصمتهم الذي أعطاه صوتا أعلى وجبروتا أكثر.

ما يفرّق عتريس الصغير عن الكبير هو مساحة الخوف التي يجب زرعها لضمان الولاء والسيادة، فسياسة الأخير كانت الإبقاء على شيء منه لا يضر، لكن الحفيد تمادى بمضاعفة الإتاوات واختطاف الأطفال إلى حين دفع آبائهم المتأخرات وغلق الهاويس (بوابة حديدية تشبه السد الصغير تمنع المياه من العبور إلى الترعة) في أيام الري ما يهدد محصول العام كله بالضياع انتقاما لمقتل أحد عناصر عصابته.

كانت سياسة تعطيش القرية بإغلاق مصدرها الوحيد للماء النقطة المفصلية لتحريك السكون الراكد في أهالي قرية يصف بعضهم البعض فيها بالأرانب كدلالة على الجبن، لا يفصل بينهم وبين الشرب وري أراضيهم سوى مليمترات من الحديد ومقبض مستدير ينتظر من يحركه في عكس اتجاه الساعة، لتكون شرارة الانطلاق من “فؤادة” نموذج الفتاة التي لا تخشى الجبروت.

ظل مشهد “الهاويس” محببا للنقاد لتلقائيته، والفضل للفنان صلاح ذوالفقار أحد منتجي الفيلم وزوج الفنانة شادية الذي بحث عن قرية تصلح للتصوير فوجد ضالته بمكان معزول بدلتا مصر، لكن عمدتها اشترط بناء “هاويس” على حساب الإنتاج لحمايتها من الجفاف المعتاد مقابل السماح لهم بالتصوير، وكان المشهد هو اللقطة الحقيقية لافتتاح المشروع، ودون أن يعرف الأهالي أنهم يخضعون للتصوير.

كانت شخصية الأبنودي حاضرة في العمل الذي اعتمد على الأغاني والترنيم الجنائزي، كعنصر أساسي مكمل للحوار وليس إقحاما مفتعلا لا يضر حذفه كما كان دارجا حينها، ولم يعط شادية رغم كونها مغنية شهيرة سوى أغنيتين قصيرتين فقط واعتمد على الكورال، لتختصر الأغاني عشرات الجمل التي يمكن أن ترد على لسان الأبطال في أغنية “الهاويس” والتي تقول “الزرع جف.. والضرع جف.. جف الشجر مات القمر.. الأرض بتقول غيثوني”.

يظل الحوار العنصر الأبرز في العمل، تنطلق الكلمات لتشبه حكما حياتية تحمل درجات متباينة من الاستكانة. فالبلدة كلها تحضر عرسا لأحد أفراد العصابة، تشرب رغم خوفها من السم، يعتبر بعضهم دم “الدهاشنة” في الكوب، تداري وجع القلب بضحك الوجوه، يمقت أحدهم الاحتفال “في فرحنا تزرغطوا.. في فرحهم تزرغطوا.. أنت معانا ولا معاهم”. يسخر آخر “النقوط بالإجبار والقهر.. ندفع بالصبح وبالليل.. الصبح بالكرباج وبالليل بالشّرْبات”.

يرى الشيخ إبراهيم، نموذج المعارضة في القرية، أن بداية التغيير من أسفل الهرم وليس رأسه فسلوك الناس يجب أن يتبدل، فالظالم اعتاد على أفعاله وبات سعيدا بها، وكل إنسان عليه أن يدافع عن حقه وحياته، قائلا “لو مكنش كل واحد يقاوم الظلم.. الطاغي يفتري وتزيد شراسته.. اللي يسكت النهارده لا ينقذ نفسه ولا إخوانه”.

تبدأ العقدة الرئيسية للفيلم مع زواج عتريس من فؤادة قهرا وبتحايل من والدها وشيخي القرية، لأنهما خشيا أن يخبرا الطاغية برفضهما طلبه، موقفهما لن يحميهما عندما رفضت أن تعاشره، فدمر عتريس محاصيل كل من شارك في زيجته ودس عملاءه في القرية لمعاقبة كل من يقول إن عقد زواجه من فؤادة باطل.

المشكلة الوحيدة لعتريس سببها الشيخ إبراهيم الذي خاطب المصلين في صلاة الجمعة عن عدم مشروعية زواج “فؤادة” رغم مقاطعتهم وتهديدهم بعدم دخول المسجد مجددا، معتبرا الجبان والصامت فردا من العصابة لأنه بجبنه يمنحهم صكا ليطأوا الناس بأقدامهم ويسمح لهم بعلو صوتهم، فحقوق العباد يمكن التغاضي عنها، لكن حقوق الله لا يمكن غض الطرف عنها.

طالما الولد سر أبيه، كان محمود يحرض الشباب للتحرك والحشد بحديث ثوري يعتبر أن رجولتهم ضاعت بسبب “فؤادة” التي وقفت أمام الظلم بمفردها ولم تدفن رأسها في التراب كباقي الأهالي، قائلا “تَن (ظل) عتريس يدوس على البلدة ويمرمغ رأسه في الطين والسباخ والناس تقول حاضر.. لحد ما فؤادة البنت قالت لا وإحنا قاعدين”.

تظل المشكلة أمام أي عمل ثوري من يقول “لا” في البداية، ويمثل الثقب الذي يفتح الباب لدخول الهواء إلى النار الكامنة تحت الرماد، فالأهالي قلوبهم مليئة بالبارود وتحتاج من يشعلها وجاء بقرار طائش من عتريس بقتل محمود انتقاما من والده دون أن يدرس الشخصية التي يتعامل معها، ليصبح الشيخ أكثر تصميما، فسواء أغرقوا الأرض أو أحرقوا الزرع أو قتلوا الابن يظل الزواج عنده باطلا.

ملجأ أخير

كانت الثورة الملجأ الأخير لمواجهة انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فيها الصوت الفردي أقوى مع التحامه بغيره. ينطلقون بجثمان “محمود” من الصباح إلى المساء في الشوارع كتبوا على الجدران، مارسوا صنوف الحشد قبل التوجه إلى قصر عتريس، الذي تخلى عنه أفراد عصابته رافضين الالتزام بأوامره بإطلاق النار على المتظاهرين.

عندما يعلو صوت الثورة لا مجال للوقوف أمامه فيخترق الجدران. أفراد العصابة الأكبر سنا كانوا أكثر حكمة وحسموا المعادلة في أن البلد التي يوجد بها الآلاف من الغاضبين وأصحاب المظالم لن تتحمل وجود العنصرين معا. خيرات الأرض عادت لأصحابها، اعتبروا أن فؤادة قالت لا ففتحت الباب أمام الجميع ولا مجال للوقوف أمام الطوفان إلا بقتل المواطنين كلهم وهذا مستحيل أو الهروب إلى مكان آخر.

أراد كاتبا السيناريو أن يعطيا “عتريس” ذلك الوجه الشرير بلا مساحة من التعاطف، وأسقطا من الرواية الأصلية لأباظة جزءا من المشاعر التي اختلجته قبل أن يتوجه لخطبة فؤادة، ليقف أمام مرآة مكسورة تحمل أجزاءها وجهه في مراحل عمرية متباينة، بين طفل بريء يتعلم القرآن، ومراهق يهوى سماع الغناء، وشاب يافع، وأخيرا صورته بعينين شريرتين مصارعا حالة الضعف التي انتابته منذ رؤيتها وتلذذ قلبه بالضعف الذي اعتراه.

أسقطا أيضا حيثيات تشكيل عصابته من رجل حاول مصاحبة رجال الدين فطردوه من كنفهم فسرق حصير المسجد، وآخر كان وكيل دائرة فاختلس العهدة، وثالث كان وكيلا لمحام زوّر توكيل أحد الموكلين واختلس أمواله ليزور الثلاثة السجن ويتأهلوا منه لعصابة “عتريس” يمارسون السلب.

لم يقدم العمل فؤادة كملاك نزلت إلى الأرض لهداية أصحابها للصواب، لكن كفتاة قدرها أن تحب وتكره الشخص ذاته، تجاهد لحظات ضعفها الأنثوي أمام حنين الماضي، حتى حينما تتذكر علاقتهما السعيدة جعل المخرج صورتهما انعكاسا على صفحة مياه الترعة الضعيفة في إيحاء بأنه حب بني على أساس هش، فالماء لا يمكن أن تكتب على سطحه وعود تعيش.

كان الحوار قبيل النهاية مثمرا، كصراع فكري بين الوطن والحاكم، عتريس يدافع عن قسوته بأن الأهالي لن ينصاعوا لضعيف، ويفاخر بأنه كوّن نفسه وسمعته وأصبح جبارا يخشاه الجميع. ويعتبر الخوف أساس السيادة وكان وراء قدوم فؤادة لبيته زوجة، والأخيرة تتهمه ببناء مكانته من عظام البسطاء ودمائهم وخراب بيوتهم، وقوته لم تمكنه من الوصول إليها رغم أنها كانت له حينما كان رقيقا.

رمزية شديدة

يحمل الفيلم قدرا كبيرا من الرمزية الشديدة، لأن فؤادة ليست فتاة جريئة واسعة العينين فقط، وجدت الرجال عاجزين فتقدمت، لكنها رمز للوطن ككل، يشي حوارها مع عتريس بذلك، حينما تقول إنها لن تضعف وتضيع دماء أهلها ولن تموت مهما حاول قتلها، فهي فكرة، والفكرة لا تنتهي بنهاية صاحبها بل تعيش لفترة أطول حال خروجها من الجسد المادي الفاني إلى معنى معنوي غير مرئي.

إذا كانت فؤادة رمزا للوطن فإن عتريس رمزا للحاكم، والعلاقة بينهما كما قدمها الفيلم مرتبطة باحتفاظه بقلب أبيض منزه عن دنس الانتقام والأحقاد، وصيانة وعوده التي سبق أن قطعها بعد تدنيس يده بدماء الرعية، وألا يكون نسخة من سابقه (جده) في الظلم والجبروت، وما دام أخل بها حتى لو كان مجبرا أو في لحظة ضعف فلا بد من الفراق.

كان المثقفون المصريون في نهاية الستينات من القرن الماضي، في صدمة انهيار الأحلام الكبرى على صخرة نكسة 1967، فالهزيمة كانت عسكرية ونفسية لأجيال عاشت على الزهو والصعود والتفاخر، وجاء الفيلم في خضم موجة من اعتقالات طالت مؤيدين للنظام ذاته، ما جعله عرضة للوشاية بهجوم مستتر على الثورة وتشبيه الزعيم جمال عبدالناصر بعتريس وفؤادة ب مصر وأهالي الدهاشنة بشعبها.

عندما علم عبد الناصر بشخصية “عتريس” طلب مشاهدة الفيلم قبل طرحه في دور السينما، ثم سمح بعرضه، معتبرا أن لا مجال للتشابه بينهما، لكن جهة مجهولة يتردد أنها وزارة الثقافة أرسلت شكوى للاتحاد الاشتراكي تكرر الاتهام ذاته، فكتب المؤلف ثروت أباظة تعهدا بأن بطل الفيلم يرمز إلى الاستعمار وأعوانه، وهو ما أكده نجيب محفوظ، رئيس المؤسسة المصرية العامة للسينما التابعة للحكومة والتي شاركت في إنتاج الفيلم.

في مشهد النهاية يصرخ عتريس المحترق بالنار باسم “فؤادة” ما يمنح مساحة من التفكير للمشاهدين، هل قتله الحب الذي شل يده عن إطلاق النار على فؤادة حين فتحت الهاويس وتحدته أمام الجميع أم الثورة التي لا تقبل حلا وسطا يسمح بعودة الظالم أم بطانة السوء التي تبني قصور التطرف داخل أصحاب السطوة أم الجد الذي غير القماش الأبيض لقلب حفيده إلى الأسود أم الخوف الذي ذاق مرارته أخيرا بعدما عرف أنه لا مناص من الموت؟