Menu
حضارة

عن أفلام السينما في 2018

لقطة من فيلم حرب باردة

أمير العمري*

في المحاضرة التي ألقاها بمهرجان القاهرة السينمائي الـ40، صرح المخرج وفنان الصورة والرسام البريطاني المرموق بيتر غريناواي بأن السينما لم تعد موجودة، وأن الموجود حاليا هو نوع من “الكتب المصورة”، وأن الأفلام أصبحت تُقتبس عن كتب وروايات، وبالتالي فقد الفيلم قدرته الديناميكية على التجدد من حيث القدرة على التلاعب بالصور والابتكار من داخلها، بحيث يصبح الفيلم فنا مستقلا عن الأدب.

غريناواي منحاز بالطبع لفكرة الفيلم الفني، وتحديدا “السينما الخالصة” pure cinema التي تتخلص من أي تأثير للمسرح والرواية، وتخلق لغتها الخاصة. النسبة الأكبر من الأفلام التي ظهرت في 2018 هي بالفعل مقتبسة عن أعمال أدبية أو مذكرات شخصية أو من بعض كتب السيرة. وهو ما يجعل مهمة كتاب السيناريو أكثر صعوبة حيث يصبح مطلوبا منهم البحث عن سياق سينمائي يستخدم الصور والمشاهد والمواقف الدرامية التي يمكن أن تعبر عن الموضوع دون خطابة أو ثرثرة، أي باستخدام عناصر اللغة السينمائية.

إلا أن “السينما الخالصة” موجودة أيضا ولم تذهب طي النسيان كما يوحي كلام غريناواي، فطموح السينمائيين يدفعهم نحو المغامرة في الشكل، في البحث عن وسائل جديدة لنقل رؤيتهم السينمائية مع الاحتفاظ بخصوصية الصورة السينمائية وخصائصها المميزة.

أفضل الأفلام

على سبيل المثال كان من أهم وأكثر أفلام العالم بروزا وأثرا، فيلم “روما” للمكسيكي ألفونسو كوارون الذي حصل على جائزة “الأسد الذهبي” في مهرجان فينيسيا السينمائي.

 هذا الفيلم يعتبر نموذجا مثاليا على السعي الدائم من جانب “فنان الفيلم”، للتعبير عن أفكاره الشخصية من خلال ما يعرفه، أي تجربته الخاصة واستعادة ذكرياته في طفولته أو مراهقته، فمخرجه كوارون يصنع ملحمة سينمائية ولكن من خلال صورة حداثية تماما، تربط السياسي بالاجتماعي بالنفسي، والذاتي بالموضوعي، والتأملي بالسردي، يتخلص من الفكرة الأدبية التي تنحصر في رواية قصة، ولكنه فضلا عن هذا، يحتفي كثيرا بالعلاقة بين الشخصيات والمكان في إطار زماني محدد هو بداية السبعينات.. أي في فترة القلق والاضطراب والتقلبات السياسية التي انعكست بشدة على التناغم الطبقي.

إنه يعود إلى الأسرة، أسرته، يحاول أن يفهم مغزى ما حدث في ذلك الوقت ويكشف أسرارا كثيرة في العلاقة بين الطبقتين: الوسطى الثرية التي كان ينتمي إليها، وطبقة الخدم الأدنى المحرومة التي تعيش في كنف السادة، لكن الفيلم ليس عن الصراع الطبقي بل بالأحرى عن التواصل الإنساني بين النساء من الطبقتين، عن الفهم الكامل لمشكلة المرأة الأخرى، وكيف يمكن أن يخلق التعاضد بين المرأتين: الأم-السيدة-المعذبة التي تدفع ثمنا باهظا بسبب حماقات وأنانية الزوج-الرجل-السيد، والمرأة الأخرى، الخادمة، التي تتعرض بدورها لمحنة يخلقها الرجل الذي يستغل براءتها ويخدعها، وذلك في سياق شعري خلاب.

من سينما المخرج-المؤلف أيضا برزت التحفة السينمائية “حرب باردة” للبولندي باول باوليكوفسكي الذي يمكن استقباله كقصة حب تدور في الزمن المستحيل، بين اثنين محكوم عليهما بالفراق. طرفا القصة هما “فيكتور” و”زولا”. فيكتور موسيقار وعازف بارع على البيانو وعاشق لموسيقى الروك، وزولا مغنية شابة تصغره بنحو عشرين عاما تقيم في بلدة صغيرة في الريف البولندي.

الزمن: أواخر الأربعينات أي في وقت كانت بولندا لا تزال تتعافى من مصائب الحرب العالمية الثانية. كانت الدنيا كلها مازالت بـ”الأبيض والأسود”، وجاءت السلطة الشيوعية الجديدة تبحث عن إرضاء ربيبتها موسكو والتقرّب إليها عبر الفن.

هناك قدر من الغموض الدرامي المثير الساحر والضبابية التي تخفي أي تفسير للدوافع التي اعتاد عليها المتفرج، لتلك اللقاءات والافتراقات الممتدة عبر نحو عقدين من الزمان ويحدث الانتقال في الزمن أحيانا داخل اللقطة الواحدة والمشهد الواحد، وأحيانا من خلال فواصل من اللقطات السوداء يستخدمها باوليكوفسكي بين المقاطع المختلفة، مع التعليق عن هذا الشجن الحزين من خلال الموسيقى والأغاني التي تنتمي إلى الفترة.

إن شريط الصوت في “الحرب الباردة” يصلح وحده عملا فنيا خلابا قائما بذاته. ولا شك أنه اقتضى الكثير من البحث والتدقيق في تراث عهد كامل ثم إعادة توليفه في سياق بصري شديد الجاذبية. والفيلم أيضا ينبع من ذكريات مخرجه عن والديه وزمانهما وهو يهديه إليهما.

من أفلامي المفضلة في 2018 إلى جانب “روما” و”حرب باردة”، فيلم “المفضلة” للمخرج اليوناني يوغوس لانتيموس في أول أفلامه الناطقة باللغة الإنكليزية وفيه يعود إلى بريطانيا القرن الثامن عشر، إلى عهد الملكة آن من خلال كوميديا تدور داخل أروقة البلاط الملكي، تشيع فيها المؤامرات والدسائس، وتدور حول شهوة السلطة والرغبة في السيطرة والتنافس الشرس بين امرأتين، تتطلع كل منهما إلى أن تحظى بمكانة الوصيفة المفضلة لدى الملكة آن التي كانت تعاني منذ وقت مبكر من اعتلال صحتها.

وأهم أفلام 2018، فيلم الأخوين كوين “أنشودة بستر سكروغز”، و”بيترلو” للبريطاني مايك لي، و”بلاكلانسمان” للأميركي سبايك لي، و”إخوة الشقيقات” للفرنسي جاك أوديار، و”الحدّ الفاصل” للدنماركي (من أصل إيراني) علي عباسي، و”على بوابة الأبدية” للأميركي جوليان شنابل، و”مربي الكلاب” للإيطالي ماتيو غاروني، و”ليلة الإثني عشر عاما” للمخرج ألفارو بريخنر من أوروغواي، و”المترجم” للتشيكي ييري مينزل، و”المذنب” للدنماركي غوستاف موللر، و”أبدا لا تنظر بعيدا” للألماني فلوريان فينكل دونرسمارك. وأفضل تسجيلي فني هو “أبدا لن يشيخوا” الذي أنتجه تليفزيون بي.بي.سي وأخرجه بيتر جاكسون، الذي أعاد توليف لقطات تعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى. وكعادته أثار الفيلم التسجيلي الجديد لمايكل مور “9/11 فهرنهايت” ضجة سياسية ما زالت أصداؤها تتردد في واشنطن.

عن الكلاب والبشر

فيلم “مربي الكلاب” دراسة في شخصية رجل منسحق بائس يتحول بفعل الظروف إلى وحش كاسر، مع تصوير اجتماعي دقيق للبيئة المحيطة، فكل شيء في هذا الفيلم يبدو منقولا مباشرة من قلب الواقع؛ الأماكن والشوارع والبيوت والمقهى والمقصف والمحلات، الأركان المظلمة في البلدة، الساحة الخالية المليئة بالنفايات والقاذورات وعلى طرفها يوجد محل مارشيللو. أما الكلاب فهي تراقب وتشاهد المصير السيء الذي ينتهي إليه سوني الوحش المتجبر العنيف، في النهاية عندما يتم إدخاله أحد أقفاص الكلاب في محل مربي الكلاب مارشيللو، وما يعقب ذلك من مصير مأساوي.

أما فيلم “الحدّ الفاصل” فهو عمل لا يشبه غيره من الأفلام. وهو يدور حول كائنات تسكن منطقة تقع بين الأحلام والواقع، بين الهواجس والكوابيس الليلية وبين الحياة الأرضية الطبيعية، حول هذا “الحد” الفاصل بين العالمين، وأهمية الاختيار بين الانتماء إلى عالم الخير أو عالم الشر.

والفيلم مقتبس بتصرف عن رواية الكاتب السويدي جون أفيد لينكفيست “دع الشخص الصحيح يدخل” التي أصبحت من أكثر الأعمال رواجا وقت صدورها في السويد عام 2005، ووصفها النقاد بأنها تجمع بين “الرومانسية والخيال المرعب والواقعية الاجتماعية”، ورغم ذلك هو دليل لا يقبل الشك على إمكانية التحرر من الصور الأدبية وتقديم عمل ينتمي إلى السينما الخالصة خلافا لما يردده بيتر غريناواي.

ويمزج الفيلم بين الأسلوب الرومانسي وأسلوب فيلم الرعب والواقعية، ويستوحي الكثير من الصور المستقرة في الخيال الشعبي الأسكندنافي عن “الكائنات غير الإنسانية”، كما يستخرج منها مجازا عن العلاقة المرتبكة بين الأسكندنافي، أو بين الإنسان عموما، و”الغريب” أو “الآخر” القادم من الخارج، وينجح المخرج في التعبير بالصورة والضوء والمؤثرات الخاصة والجو العام والأماكن المختارة بعناية بحيث تضفي على الفيلم طابعا تغريبيا، أو تجعله يبدو كما لو كان يدور بين الواقع والخيال، في سياق ما يعرف بـ”الواقعية السحرية”.

السينما الشعبية

على صعيد الأفلام الشعبية برز فيلم “الفهد الأسود” للمخرج ريان كوغلر، الذي تصدر قائمة الإيرادات فقد حقق أكثر من 700 مليون دولار. ويقدم الفيلم رؤية جديدة لأبطال الأفلام التي تعتمد على القصص الخيالية الأميركية والغربية عموما مثل سوبرمان وباتمان وجيمس بوند وغيرها، أي الأبطال البيض الغربيين، فيعرض الفيلم أبطالا (وبطلات أيضا) من السود الأفارقة، ولكن ليس في نطاق التوجه إلى المشاهدين السود فقط، بل لمشاهدي العالم كله، أي أن الفيلم مصنوع كما لو كان ردا مباشرا على أفلام مثل “ثو” و”عودة الجيداي” و”كابتن أميركا”.

السينما الرقمية

في 2018 وقعت معركة حامية الوطيس بين مهرجان كان، وشبكة نتفليكس للبث الرقمي للأفلام، وكان المهرجان في هذه المعركة يعبر عن موقف أصحاب قاعات السينما الفرنسية الذين يرفضون عرض أفلام نتفليكس قبل أن تمتثل للتشريعات الفرنسية التي تقضي بضرورة أن تعرض الأفلام أولا في قاعات السينما قبل بثها عبر الإنترنت، وهو ما أدى إلى أن سحبت الشبكة عددا من أهم أفلامها وفضلت عرضها في مهرجان فينيسيا حيث حصلت على أرفع جوائزه “الأسد الذهبي” عن فيلم “روما” المكسيكي.

تقول نتفليكس إنها مع نهاية 2018 تكون قد أنفقت 20 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، على بناء مخزونها من الأفلام والمسلسلات سواء تلك التي تنتجها مباشرة أو التي تشتري حقوق توزيعها وعرضها. أي أن المستقبل يبدو مشرقا أمام نتفليكس والشبكات المماثلة مثل أمازون وغيرها.

السينما العربية

لم يكن عام 2018 عاما جيدا بالنسبة للأفلام العربية، رغم الحضور الكبير في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية وحصول الفيلم اللبناني المتواضع المستوى “كفر ناحوم” لنادين لبكي على جائزة من جوائز مهرجان كان.

هبط الإنتاج السينمائي في مصر إلى 23 فيلما، برز من بينها ثلاثة أفلام على رأسها “يوم الدين” للمخرج الشاب أبوبكر شوقي، الذي شارك في مسابقة مهرجان كان وتقدمت به مصر للترشيح في مسابقة الأوسكار، و”تراب الماس” لمروان حامد وهو مقتبس من إحدى الروايات الشعبية، و”كارما” لخالد يوسف الذي يعود به إلى السينما بعد غياب أكثر من ست سنوات.

“يوم الدين” عمل جيد ويصور موضوعا جديدا على السينما المصرية بأسلوب سينمائي بسيط يعتمد نهج أفلام الطريق، لكن ما لفت الأنظار إليه وجعل جمهور مهرجان كان يتفاعل معه وينفعل به، هو موضوعه الإنساني الذي يمس القلوب. ولم يحقق “كارماط “نجاحا يذكر، بينما حقق “تراب الماس” نجاحا كبيرا.

ومن الملاحظات البارزة غياب كبار المخرجين عن الساحة أمثال داود عبدالسيد ويسري نصرالله وخيري بشارة (الذي يبدو أنه يكتفي بإخراج المسلسلات) ومجدي أحمد علي وشريف عرفة (الذي لم يقدم بعد فيلم “الكنز 2” كما كان متوقعا).

أما الأفلام المصرية الجديدة التي عرضت بمهرجان القاهرة الدولي فبرز من بينها “ورود سامة” لفوزي صالح، و”ليل خارجي” لأحمد عبدالله وكلاهما في رأي كاتب هذه السطور، جاء مخيبا للآمال رغم ما أحاط بهما من ضجيج، وخاصة “ورود مسمومة” التي أعلن كاتب القصة التي اقتبس عنها -أحمد زغلول الشيطي- تبرؤه منه. أما فيلم “جريمة الإيموبيليا” فيعتبر من أسوأ الأفلام العربية التي شاهدناها هذا العام. ولم تنجح الأفلام التسجيلية المصرية في تجاوز تكرار التعبير عن عالم المهمشين والبؤساء من دون أي إضافة حقيقية.

أما أفضل الأفلام العربية في 2018 فهو في رأيي، الفيلم الفلسطيني “التقارير عن سارة وسليم” لمؤيد العليان الذي أثار الكثير من الجدل عند عرضه في فلسطين، ولكنه لم يعرض حتى الآن في أي دولة عربية. ومن أفضل ما شاهدناه أيضا الفيلم المغربي (الفرنسي الإنتاج) “صوفيا” أول أفلام المخرجة المغربية مريم بن مبارك الذي حصل على جائزة أحسن سيناريو في قسم “نظرة ما” بمهرجان كان، والفيلم التونسي “دشرة” أول أفلام المخرج عبدالحميد بوشناق وهو أول فيلم عربي حقيقي من أفلام الرعب ولكنه محمل أيضا بالكثير من الإسقاطات.

وبوجه عام قدمت السينما التونسية عددا من الأفلام المميزة منها “على كف عفريت” لكوثر بن هنية الذي عرض في “نظرة ما” بمهرجان كان، و”ولدي” لمحمد بن عطية (نصف شهر المخرجين مهرجان كان)، و”فتوى” لمحمود بن محمود الحاصل على التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج.

في 2018 توقفت مهرجانات واستمرت أخرى، وتسعى مهرجانات ثالثة إلى التغلب على مشاكلها التي ترتبط بتقلص دور السينما في المجتمع. وربما مع الانكماش الهائل المستمر في عدد قاعات السينما لم يبق لمشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة سوى مهرجانات السينما!

*كاتب وناقد سينمائي مصري
المصدر "صحيفة العرب"