Menu
حضارة

عرض وقراءة لكتاب: " الاغتيال الاقتصادي للأمم ".. اعترافات قرصان اقتصاد

الاقتصاد الأممي.jpg

بقلم: عطا حسن أبو رزق

عرض وقراءة لكتاب: " الاغتيال الاقتصادي للأمم ".. اعترافات قرصان اقتصاد

بقلم: عطا حسن أبو رزق

مؤلف الكتاب : جون بركنز

تقديم : د. شريف دولار

طبع الكتاب في القاهرة – الهيئة المصرية للكتاب – 2012.

تحت رقم إيداع في دار الكتب 9079/2012

الكتاب يقع في 276 صفحه ذات القطع الكبير

الكتاب مقسم إلى أربعة أجزاء تحتوي على 35 فصل وخاتمة ونبذه على الكاتب.

منذ القدم عرف عن القراصنة بأنهم من يركبون البحر وقد لفحت وجوههم الشمس، يتربصون بعيون محمرة السفن المحملة بالبضائع والخيرات، يستولون عليها، ينهبون ما بها، وقد يؤدي فعلهم هذا إلى قتل من يعترضهم، وغالباً ما يكون شعار الجمجمة والعظمتين مرفوعاً على مراكبهم. أما قراصنة اليوم فهم مختلفين إلى حد كبير، فهم يلبسون البذلات الانيقة وربطات العنق، ويضعون على عيونهم النظارات السوداء، ويحملون في يدهم حقائب تحتوى على أوراق كثيرة، يتحدثون بلغة منمقة، والاقام الحسابية لعبتهم وطريقتهم في الإيقاع بضحاياهم، إنهم أبناء عصر العولمة وداعمي أركان امبراطوريات الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية.

كنا دائماً نتسائل باستغراب شديد كيف تغرق بعض الدول وخصوصاً الدول التي تصنف بانها دول العالم الثالث في الديون وتصبح عاجزة عن سداد فوائد هذه الديون وليست الديون فقط، وتغلب على نظمها السياسية سمة الفوضى والفساد، وتبدوا على شريحة الحكم ومن لف لفيفها مظاهر النعمة والثراء الفاحش في بعض الأحيان، وفي المقابل يكون الفقر والجوع والبطالة وانتشار العديد من الأمراض الفتاكة هو السمة الغالبة لغالبية الشعب، ويرافق كل ذلك قمع النظام لكل من يعترض على سياسات الحكم.

يعد الكتاب الذي بين أيدينا ،كتاب " الاغتيال الاقتصادي للأمم، اعترافات قرصان اقتصاد "، من الكتب الصادمة، حيث يكشف لنا " جون بركنز " كاتب الكتاب من خلال سرده لمذكراته كقرصان اقتصاد دولي، حقيقة وظيفته التي تعد من أخطر واندر الوظائف في العالم، وكيف يقومون بتوريط الدول النامية بالديون العالية المستندة إلى تقديرات اقتصادية من قبل هؤلاء القراصنة مبالغ فيها، وذلك بغرض نهب وتدمير اقتصاد هذه الدول، بهدف الحاقها بالسياسة الأمريكية وجعلها تابعة لها وغير قادرة على الإفلات منها.

يعرف " بريكنز " في مقدمة كتابة قراصنة الاقتصاد Economic Hit Men أو اختصاراً بـ EHM الذي هو واحد منهم بأنهم خبراء محترفون ذو أجور مرتفعة، مهمتهم سلب ملايين الدولارات بالغش والخداع من دول عديدة في جميع انحاء العالم، يحولون الأموال من البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية (USAID) وغيرها من هيئات المساعدة الدولية، ليصبوه في خزائن الشركات الكبرى وجيوب حفنة من العائلات الثرية التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكرة الأرضية. مستخدمين في ذلك وسائل اصطناع التقارير المالية، وتزوير الانتخابات، والرشوة، والابتزاز، والجنس، والقتل. يلعبون لعبة قديمة قدم عهد الإمبراطوريات، لكنها تأخذ أبعاداً جديده ومخيفة في هذا الزمن ،، زمن العولمة.

قسم " جون بركنز " كتاب إلى أربعة أجزاء تحتوى على خمسة وثلاثون فصلاً إضافة إلى مقدمة الكتاب وتصدير وخاتمته.

يقول " بركنز " أن ما يتقنه قراصنة الاقتصاد هو بناء إمبراطورية عالمية وذلك من خلال استخدام منظمات المال الدولية لخلق أوضاع تُخضع الأمم لاحتكار الكوربوقراطية (Corporatocracy) التي تدير شركاتنا الكبيرة وحكومتنا وبنوكنا. ويضيف بأننا مثل نظرائنا من رجال المافيا، نودي بعض الخدمات، كمنح القروض لتنمية البنية التحتية، وبناء محطات لتوليد الكهرباء، ومد طرق رئيسية، وبناء موانئ، ومطارات ومناطق صناعية، وهذه القروض مشروطة أن تتولى إدارة هذه المشروعات شركات إنشائية وهندسية من الولايات المتحدة، بحيث تنتقل هذه الأموال من مكاتب البنوك في واشنطن إلى الشركات الهندسية في نيويورك، أو هيوستن، أو سان فرانسيسكو. أي أن جوهر الأمر أن لا يخرج القدر الأكبر من أموال القروض من الولايات المتحدة.

وكلما كانت قيمة القرض كبيرة جداً بحيث تعجز الدولة المستدينة عن سداده في فترة زمنية قصيرة، يتصرف قراصنة الاقتصاد كرجالات المافيا في طلباتهم، وقد تتضمن قائمة طلباتهم طلباً واحداً أو أكثر مثل، الخضوع لرغبة الولايات المتحدة في التصويت في الأمم المتحدة، إقامة قواعد عسكرية، الهيمنة على الثروات الطبيعية كالبترول وقناة بنما، ويبقى المستدين مثقلاً بالديون وبذلك يضاف بلداً أخر إلى امبراطوريتنا العالمية.

عن الكاتب:

ولد " جون بركنز " في العام 1945 لعائلة تنتمي للطبقة الوسطى لأبوين ينحدران من سلالة اليانكي، سكان نيو انجلاند، اتسمت عائلته بالتشدد والتزمت الديني كونهم يعتبرون أنفسهم من أحفاد أصليين لأسلافهم البيروتانت. عملت أمه مدرسة لغة لا تينية في مدرسة ثانوية، وشارك والده في الحرب العالمية الثانية برتبة ملازم أول في البحرية الأمريكية، وكان مسؤولاً عن حماية ناقلات النفط في المحيط الأطلسي. أثرت بيئة التشدد والتزمت التي اتسمت بها عائلة " جون " على سلوكه في فترة طفولته ومراهقته وشبابه. ففي طفولته كان غالبية أصدقائه من الفقراء سكان ريف نيو هامبشاير. عندما بلغ سن الرابعة عشر انتقل إلى مدرسة تلتون بناء على رغبة والده، حيث أبعدته عن أصدقائه القداما، وكان رفاقه الجدد في الدراسة من أبناء الطبقة الراقية. استطاع " جون " أن يكتم غيضه وشعوره بالإحباط والوحدة نتاج عدم نجاحة في تكوين صداقات جديدة من المحيط الدراسي الجديد، وأن يحوله إلى طاقه إيجابية جعلته متفوقاً في دراسته وقاد فريقين رياضيين، واصبح محرر مجلة المدرسة. يذكر "بركنز" بأنه خلال دراسته الجامعية جمعته الصدفة مع شاب إيراني الأصل يدعى " فيرهارد "، إبن جنرال عمل مستشاراً للشاه، وهو رياضي ولاعب كرة قدم محترف في روما، وبصبية جميلة أسمها " آن ". شجعه " فيرهارد " على الشرب وارتياد أماكن اللهو وتجاهل والده، أما " آن " فقد نشأت بينها وبين "جون" علاقة وتزوجها، وكان والدها موظفاً كبيراً في وكالة الأمن القومي NSA، ومهندساً لامعاً حظي بمركز مهم في البحرية الأمريكية لوضعه تصميماً لتوجيه نوع معين من الصواريخ.

يذكر " جون بركنز " بكثير من التفصيل عن طريقة استدراجه للعمل كقرصان اقتصادي، بدأً من تهربه من الخدمة العسكرية التي تصادفت مع الحرب على فيتنام، وحصوله على وظيفة في وكالة الأمن القومي NSA، بمساعدة والد زوجته، وارساله مع فيالق السلام (فيالق خدمة عامة) للذهاب برحله إلى منطقة الأمازون الغنية بالبترول في الاكوادور، ويشير بأن رحلته إلى الأمازون كانت بمثابة إعداد وتأهيل ليكون قرصاناً اقتصادياً، ويضيف بأنه منذ أن أنهى عمله مع فيالق السلام وجهت له دعوة من شخص يدعى " إينار جريف " نائب رئيس شركة Main كان قد التقاه في منطقة الأمازون، وعرض عليه العمل في شركتهم كخبير اقتصادي.

وعن شركة Main يقول: بأنها شركة للأعمال الهندسية، تقدم تقديرات اقتصادية لمشروعاتهم الهندسية من خلال خبراء اقتصاد، وعميلهم الأساسي هو البنك الدولي، وهي شركة ذات ملكية مغلقة، وأن 5% من موظفيها الالفين من يملكون الشركة، ومكانتهم كانت مطمعاً للجميع، فهم من يصنعون الثروات. التكتم صفتهم المميزة، فهم يتعاملون مع رؤساء دول وكبار موظفي الدول. ولا يسمح لأي من موظفيها ومسؤوليها الحديث للصحافة وإعطاء اخبار صحفية عن أعمال الشركة. ويضيف بأن شركة Main كلفت سيدة تدعى " كلودين مارتن " كانت تشغل وظيفة مستشار خاص لشركة شاس. ت. مين، لتدريبه كيف يكون قرصان اقتصاد ناجح، وقد استغلت " كلودين " كما يقول " بركنز" كل نقاط ضعفه التي عرفتها من خلال التقرير الذي قدم لها من الشركة عنه. وتركز التدريب على هدفين أساسيين يمثلان جوهر وظيفته التي سيشغلها وهما:

الأول: اختلاق مبررات للقروض الدولية الكبيرة التي ستعيد ضخ المال إلى Main وشركات أمريكية أخرى، من خلال شركات هندسية وإنشائية ضخمة.

ثانياً: العمل على افلاس تلك البلاد التي أحذت تلك القروض (بعد أن تكون قد سددت ديونها لشركة Main )، بحيث تبقى هذه البلدان مدينة لمدينها إلى الأبد. وتصبح أهدافاً سهلة عندما تدعو الحاجة إلى خدمات تشمل إنشاء قواعد عسكرية، أو تصويت في الأمم المتحدة، أو اتخاذها منفذاً إلى البترول والموارد الطبيعية الأخرى.

أي أن وظيفته تكمن في تقديم تنبؤات بتأثيرات توظيف مليارات الدولارات في بلد ما، وذلك بتقديم دراسات مستقبلية تستعرض النمو الاقتصادي على مدى 20 أو 25 سنة، ثم تقويم مدى تأثير المشروعات على النمو الاقتصادي، وخصوصاً مدى الزيادة الهائلة على معدلات الناتج القومي في حال ما نفذت هذه المشاريع. وما أراد أن يوضحه " بركنز" بأن هذه المشروعات صممت من أجل خلق أرباح طائلة لشركات المقاولات، ولإضفاء السعادة على حفنة من العائلات الغنية ذات النفوذ في البلد المتلقية للقروض، ومن ثم ربط هذه الدول اقتصادياً وسياسياً بالدولة المقرضه، وسيترتب على فشل هذه المشروعات حرمان فقراء هذا البلد من الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات.

في طريق بناء إمبراطوريتها الكونية التي حلم بها جونسون ونيكسون، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية التفكير مبكراً بدراسة تجارب الامبراطوريات السابقة، وأدركت بأن القوة العسكرية والحروب في العصر الحالي وخصوصاً في وجود خصم قوى مثل الاتحاد السوفيتي في حينه ليست مجدية، وتكون تكلفتها عالية جداً قد لا تتحملها مجموعة كاملة من الدول، وليس دولة واحدة مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية. لهذا كانت التجربة الأولى لاختيار الولايات المتحدة طريقاً مغايراً عن الحروب. يقول " بركنز ": في العام 1951 أعلن رئيس الوزراء الإيراني " محمد مصدق " المحبوب جماهيرياً تأميم شركات البترول في إيران وتخليصها من أيدي مستغليها وكان من أبرز الشركة المتضررة من التأميم هي شركة بريتش بتروليوم BP البريطانية. لجأت بريطانيا إلى صديقتها وحليفتها في الحرب العالمية الثانية الولايات المتحدة طالبة المساعدة منها، وبدل أن ترسل الدولتان الجيوش خشية من غضب السوفيت، غامرت الولايات المتحدة وأرسلت " كيرمت روزفلت " حفيد " ثيودور روزفلت " رجل المخابرات المركزية الأمريكية CIA، الذي قام بدور هام في تقديم الرشاوى للبعض، وتهديد أخرين ، والتحريض على التظاهر وتنظيم أعمال شغب وعنف، الأمر الذي أدى إلى اسقاط " مصدق " وأمضى بقية حياته رهن الإقامة الجبرية، وبقي الشاه الحبيب المقرب جداً من الولايات المتحدة.

يشير "بركنز" هنا أنه في بداية ستينيات القرن العشرين، لم تعد تلجأ الولايات المتحدة ومخططيها لتكرار تجربة " كيرمت روزفلت " رغم نجاحها في إيران، بل عمدوا لانتهاج أسلوب أخر، وهو تقوية دور الشركات الدولية والمؤسسات المتعددة الجنسيات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعززت دور قراصنة الاقتصاد المتخفيين بعملهم مع هذه الشركات والمؤسسات المذكورة.

إندونيسيا: دروس لقرصان الاقتصاد

من الدروس التي تلقاها أيضاً " بركنز " على أيدي " كلودين " أثناء فترة التدريب بأن يقرأ كثيراً وأن يعرف كل شيء عن كل دولة يُكلف بالذهاب إليها. حيث كانت إندونيسيا أول المحطات التي كُلف للعمل فيها كقرصان اقتصاد.

وعن انطباعاته والمعلومات التي ذكرها "بركنز" في كتابه عن إندونيسيا أولى محطات عمله يقول: أثبتت الأيام أن الاندونيسيين واجهوا صعوبة كبيرة في إدارة الحكم بعد تحررهم من الاستعمار الهولندي في العام 1949م، أكبر بكثير من الصعوبة التي واجهتهم أثناء مقاومتهم للاستعمار. إندونيسيا تتكون من 17500 جزيرة غير متجانسة، وهي مثل قدور تغلي بالعصبية القبلية، والثقافات المختلفة، وعشرات اللغات واللهجات المحلية، والمجموعات العرقية، اتسمت علاقتها ببعضها البعض على مدى قرون بالعداء الشديد، وكان الصراع مستديماً ووحشياً. استطاع " سوكارنو " تهدئة الأمور. ففي عام 1960 أوقف عمل البرلمان، وفي نفس العام أطلق على نفسه رئيس الدولة مدى الحياة، أنشأ " سوكارنو " أحلافاً مع كل الدول الشيوعية في العالم بغرض تدريب وتجهيز الجيش. في العام 1965 تحالفت مجموعة من قيادات الحزب الشيوعي الاندونيسي مع الصين ودبروا انقلاباً عسكرياً ضد " سوكارنو " الذي نجا من الموت بفضل فطنة عشيقته، وقدرت ضحايا الانقلاب الذي اشعل شرارتها الجيش من ثلاثمائة إلى خمسمائة الف قتيل، وتولي القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنرال " سوهارتو " قيادة إندونيسيا ونصب رئيساً لها في العام 1968.

إندونيسيا بلد غني بالبترول لهذا في العام 1971 ركزت الولايات المتحدة جهودها لاستمالتها ولإبعادها عن الكتلة الاشتراكية، ومنع ازدياد أعداد الدول المنحازة للمعسكر الاشتراكي، إضافة إلى أن السيطرة عليها تؤثر تأثير إيجابياً على الدول الإسلامية في الشرق الأوسط الملتهب، وكانت خطط ومقترحات السياسية الخارجية للولايات المتحدة تقضى بأن يتجه " سوهارتو " لخدمة مصالح واشنطن بنفس طريقة شاه إيران.

لا تكترث كثيراً الوفود الأجنبية التي تذهب إلى إندونيسيا بحالة الفقر المطقع والحياة القاسية والصعبة التي يعيشها الإندونيسيون، ورائحة الرطوبة العفنة التي تنبعث من أماكن سكناهم كما يقول "بركنز"، فالأجانب ومن ضمنهم فريقه في رحلته الأولى يقيمون في أفضل الفنادق، وتحديداً فندق انتركونتيننتال إندونيسيا، ويجدون تدليلاً كبيراً وعناية فائقة من قبل الاندونيسيون.

قاد فريق شركة مين MAIN في رحلته الأولى في صيف 1971، كما يذكر "بركنز" شخص اسمه " شارلي ايلنيجورث " Charlie Illingworth، وتشارلي خبيراً في أصول الحرب، كرس معظم فراغه لقراءة كتب التاريخ والروايات التاريخية التي تحكي عن القواد العسكريين العظام والمعارك الحربية، وكان مؤيداً لحرب فيتنام دون المشاركة الفعلية فيها.

في مساء اليوم الأول لهم في إندونيسيا يقول "بركنز": على مائدة العشاء الذي دعاهم إليه " شارلي ايلنيجورث " Charlie Illingworth استعرض معهم خطة عملهم وقال لهم: إننا بصدد مهمة يجب إنجازها، نحن هنا لتطوير خطة أساسية لكهرباء جزيرة جاوة، البلد الأكثر ازدحاماً في العالم، وأضاف: لن ندخر وسعاً في انقاذ هذا البلد من مخالب الشيوعية. ( هذه الكذبة الكبيرة التي دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ترويجها طيلة فترة الحرب الباردة، وادعائها بمساعدة الشعوب للذهاب نحو الحريات والديمقراطية ) وقد حانت الساعة التي ترغب فيها إندونيسيا مساعدة نفسها على الانطلاق لتضع قدمها في القرن العشرين. وأكد " ايلنيجورث " بأن مسؤوليتهم تكمن في التأكد بأن إندونيسيا لن تقع تحت اقدام جيرانها الشماليين مثل فيتنام وكمبوديا ولاوس. ونجاح مهمتهم كما يقول " شارلي " يكمن في اتاحة استخدام الكهرباء لكافة الناس، معتبراً أن اعتماد الاندونيسيون على الكهرباء كمصدر أساسي للطاقة يؤكد على فرض سيادة الرأسمالية والديمقراطية في هذا البلد.

وأشار " شارلي " بوضوح لفريقه قائلاً: " نحن جميعاً نعلم إلى أي مدى تعتمد بلادنا على البترول ... برجاء بذل كل ما في وسعكم للتأكيد أن صناعة البترول وكل الصناعات المرتبطة بها مثل شركات الملاحة والموانئ، وخطوط الانابيب وشركات التعمير والبناء ستحصل على كل ما تحتاجه من الطاقة الكهربائية خلال السنوات الخمس والعشرين التي تستغرقها الخطة".

وأشار " بركنز " بأن " شارلي " رفع نظره موجهاً الكلام لي قائلاً: " أن يكون خطؤك بالزيادة أفضل من أن يكون بالنقص " أي أن يقوم " بركنز " بتهويل وتضخيم حجم استفادة إندونيسيا وجزيرة جاوة من مشروع الكهرباء الذي ستقوم شركة Main بتنفيذه فيها. وذلك تحت مبرر منع إندونيسيا من أن تبقى تحت راية الشاكوش والمنجل أو علم الصين الأحمر.

يريد " بركنز " هنا أن يقول للقراء بأن كل ما يهم شارلي والفريق الذي يقوده هو خدمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالح الشركات المتعددة الجنسيات ( الكوربوقراطية )، كما أسماها، نظير عوائد مالية سخية ترضي جشع أعضاء الفريق، ودون أن تعود هذه المشاريع بأي فائدة على جموع فقراء إندونيسيا . ويوضح " بركنز " مفهومه للكوربوقراطية فيقول: هي منظومة متماسكة من أشخاص معدودين، لهم أهداف مشتركة، وأعضاء هذه المنظومة يتنقلون بسهولة بين عضوية مجالس إدارات الشركات الضخمة والمناصب الحكومية، مثل: " روبرت مكنمار " رئيس البنك الدولي، فقد انتقل من منصبه كرئيس لشركة فورد للسيارات، إلى وزير دفاع في عهدي الرئيسين "(كيندي، وجونسون )، والأن يقف على رأس أكبر مؤسسة مالية في العالم.

محاكمة الحضارة

يشير "بركنز" بأن حالة الشك لدى الإندونيسيين تجاه الولايات المتحدة ووفود شركاتها والتي تترجم في غالب الأحيان لحالة من العداء شكلت عائقاً أمام عمليه جمع المعلومات التي كلُف بجمعها من صغار الموظفين وعامة الناس التي ستعينه في تحديد احتياجات جزيرة جاوة من مشروع الطاقة الكهربائية التي ستقوم شركة " مين MAIN" بتنفيذه، ورغم لجوؤه إلى تعلم اللغة المالاوية لغة البلاد التي اعتمدها سوكارنو كلغة رسمية لإندونيسيا، وهذا ما لم يلجأ له الكثير من الأجانب، وذلك كي يُشعر من يتعامل معهم بالاطمئنان والأمان، وأنه قريب منهم إلا أنه فشل في ذلك، حتى عندما أضطره الأمر إلى اللجوء إلى المصادر الحكومية الرسمية في جاكرتا للحصول على ما أراده من تقارير ودراسات تحدد حاجة الوزارات والمؤسسات الحكومية لتنفيذ مشاريعها المعتمدة على الطاقة الكهربائية، لم يكن الأمر هين وسهل أيضاً.

يذكر "بركنز" حادثتين حدثتا معه خلال العلاقة التي أقامها مع الشباب الإندونيسيين اثرتا فيه تأثيراً عميقاً وكشفتا له مدى الاحتقان الذي تمتلئ به نفوس الشباب الإندونيسيين تجاه سياسات الولايات المتحدة وشركاتها ومؤسساتها المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تمارسها ضد بلدان العالم الثالث عموماً والبلدان الإسلامية خصوصاً وسعيها للهيمنة على العالم لكي تصبح أكبر إمبراطورية في التاريخ، أول هاتين الحادثتين ما قام به الدالانج (الشامان – من يحرك الدمى في مسرح الدمى ويتحدث بأصواتها) من سخرية من الولايات المتحدة عندما أبرز دمية تمثل شخص الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت " ريتشارد نيكسون" ودمية أخرى تحمل مظهر يهودي بلوح بالعلم الأمريكي فوق رأس نيكسون. والحادثة الثانية، حواره مع احدى طالبات اللغة الإنجليزية حيث اشارت عليه بإعادة قراءة ما كتبه مؤرخيهم وتحديداً ما كتبه " أرنولد تويني" ذو الأصول البريطانية في كتابيه (محاكمة الحضارات، والعالم والغرب) حيث تنبأ في بداية الخمسينات بأن الحرب الحقيقية في القرن القادم (أي القرن الواحد والعشرين) لن تكون بين الشيوعيين والرأسماليين، بل بين المسيحيين والمسلمين، واستطرت في الحديث قائلة: بأن " تويني" يقول: "بأن السوفييت لن يصمدوا لأنه لا دين لهم ولا إيمان ولا جوهر وراء أيديولوجيتهم، والتاريخ يبرهن أن روح الإيمان والاعتقاد بوجود قوى غيبية أمر ضروري"، وأضافت بأن هذا متوفر لدى المسلمين أكثر من أية أمة أخرى في العالم و أكثر من المسيحيين، وعليكم أيضاً أن تكفوا عن جشعكم وأنانيتكم. أن تدركوا أن هناك في العالم أموراً أكثر أهمية من بيوتكم الكبيرة ومتاجركم الخرافية ... هناك أمم مثل أمتنا غارقة في الفقر، وشعوبكم لا تسمع حتى صرخاتنا طلباً للنجدة. لقد صممتم أذانكم عن أصوات هؤلاء الذين يحاولون أن يخبروكم عن هذه الأمور، نعتموهم بأنهم راديكاليون، أو شيوعيون. ينبغي أن تفتحوا قلوبكم للفقراء والمسحوقين بدلاً من أن تدفعوهم أكثر نحو الفقر والعبودية. لم يعد هناك الكثير من الوقت، إن لم تتغيروا ستحكمون على أنفسكم بالهلاك.

ويقر " بركنز" بأن صراعاً داخلياً اشتعل في صدره جراء هاتين الحادثتين وما واجهه من شك وريبة من قبل كل من قابلهم أثناء قيامه بجمع المعلومات التي تعينه في تقدير احتياجات إندونيسيا من الطاقة الكهربائية والتي ترضي في ذات الوقت مسؤوليه في شركة "مين MAIN" من حقيقة بات يدركها منذ أن بدأ مشواره كقرصان اقتصاد وهي: أن بلاده تقوم بسلب ثروات البلدان الفقيرة لتصب ارباحاً صافيه في جيوب أصحاب الشركات الكبرى وحفنة قليلة من المتنفذين في البلدان التي يستهدفونها، وتبقى النسبة الأعظم من الشعب تعاني الفقر والحرمان من ابسط الحقوق.

رئيس وبطل بنما

بناء قناة مائيه عبر برزخ أمريكا الوسطى تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادي لحساب كولمبيا، والذي تم الشروع فيها منذ العام 1881م وانتهى في العام 1889، سببت لكولومبيا كارثة مالية. هذا الفشل فتح شهية الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت "ثيودور روزفلت "، في بداية القرن العشرين طالبت الولايات المتحدة كولومبيا بالتوقيع على معاهدة يتم بموجبها تحويل البرزخ تحت إشراف اتحاد شركات " أمريكا الشمالية" الأمر الذي رفضته كولومبيا. في العام 1903م أرسل " روزفلت " الاسطول " ناشفيل " الحربي، حيث قام الجنود الأمريكان بالقاء القبض على المليشات المحلية التي تحرس القناة وقاموا بقتلهم جميعاً، وأعلنوا " بنما " دولة مستقلة، ونصبوا حكومة شكلية عميلة، وتم التوقيع على معاهدة القناة الأولى التي منحت الشرعية لوجود منطقة أمريكية على جانبي القناة مستقبلاً، وللتدخل العسكري، ومنحت واشنطن سيطرة فعلية على تلك الدول المشكلة حديثاً. تكمن المفارقة كما يقول " بركنز " بأن من وقع على المعاهدة ليسوا البنمين بل من وقعها هما وزير الخارجية الأمريكي والمهندس الفرنسي " فيليب بونو فاريللا " الذي كان عضوا في فريق العمل الأساسي ابان محاولة الفرنسيين شق القناة. وأجبرت بنما على الانفصال عن كولومبيا كي تخدم مصالح وأغراض الولايات المتحدة.

بعد نصف قرن ويزيد قليلاً من ممارسة أقلية من العائلات الثرية المدعومة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) ووكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA) للحكم في بنما، تمت الاطاحة "بأرنولفو أرياس " بعد انقلاب عسكري. تولى "عمر توريخوس " الحكم بعد ذلك. يتمتع " توريخوس " بشعبية كبيرة تجاوزت حدود بنما، فهو مدافع حازم عن حق بنما في الاستقلال وبسيطرة بلاده على قناة بنما. اتهم بتحويل بلاده إلى مأوى للفارين من الاضطهاد، ومنح حق اللجوء السياسي للاجئين السياسيين على جميع أصنافهم، بداية من أشد اليسارين عداوة لبينوشيه في شيلي إلى المليشيات اليمينية المناهضة لكاسترو. وقد طور سمعته كقائد كرس نفسه لحل الخلافات بين الأحزاب المتشاحنة في الكثير من دول أمريكا اللاتينية، لهذا كانت الناس يرون فيه رسول سلام في قارتهم. نزع " توريخوس " بنما من أن تبقى دمية في يد واشنطن وفي أي يد أخرى. لم يستسلم للإغراءات التي عرضتها موسكو أو بكين، وكان يؤمن بالإصلاح الاجتماعي ومساعدة الفقراء، ولم يؤيد الشيوعية، وكان مصمماً على كسب الحرية من الولايات المتحدة دون تحالف مع أعدائها.

يقول " بركنز " بأن المهمة التي أرسل من أجلها إلى بنما في هذا الوقت هي أنهاء مفاوضات أول خطة رئيسة شاملة للتنمية الحقيقية في بنما، وستفتح هذه الخطة للبنك الدولي وبنك التنمية الأمريكي، وهيئة المعونة الأمريكية USAID مجالات للاستثمار بمليارات الدولارات في قطاعات الطاقة ووسائل المواصلات والزراعة. ويؤكد بأن الأمر في جوهره ينطوي على خدعة ووسيلة لجعل بنما ترزح تحت الديون لتعود مرة أخرى لتصبح دمية في يد الولايات المتحدة.

يضيف " بركنز " بأن " توريخوس " أظهر له معرفة كبيرة وواضحة بالعديد من الحوادث التي حدثت في العديد من دول العالم بدأً من إيران وكيفية تدبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA خطة للإطاحة برئيس الوزراء " محمد مصدق " في العام 1951م بعد أن حرضت عليه واتهمته بالشيوعية. وكيف أطاحت بـ " جاكوب أربينز " رئيس جواتيمالا بعد أن عمل على اصلاح قانون امتلاك الأراضي حيث كان 30% من السكان يمتلكون 70% من الأراضي، الأمر الذي أضر بمصالح شركة الفواكه المتحدة التي يمتلكها ( شركة زاباتا للبترول، وجورج بوش، والسفير الأمريكي في الأمم المتحدة في حينه )، حيث تتمتع بنفوذ واسع في أمريكا الوسطى، مما دفعها لترويج حملة شعبية واسعة ضد " أربينز " في الولايات المتحدة، وأمام الكونجرس الأمريكي، حيث أدعت بان " اربينز " جزء من مخطط روسي، وجواتيمالا محكومة سياسياً واقتصاديا للسوفييت، حيث قامت الولايات المتحدة بضرب جواتيمالا بالطائرات في العام1954 أدت إلى الأطاحة ب " اربينز " ونصبوا بدلاً منه الكولونيل " كارلوس كا ستيلو أرماس "، الذي خضع بشكل كامل لإرادة شركة الفواكه المتحدة، والغي قانون الأراضي، واسقط الضرائب عن فوائد الأرباح المستثمرة في جواتيمالا، والغى الانتخابات، وزج الالاف في السجون. وكذلك معرفته بعلاقة شركة "مين MAIN" بشركة بكتل التي تعد من أكبر الشركات الهندسية في العالم والتي تربطها علاقة وطيدة بنيكسون و فورد وبوش.

ويقول " بركنز ": لقد صدمني " توريخوس " بما أظهره من معرفة كبيرة وواضحة بحقيقة ما تقوم به شركتنا "مين MAIN" من تضخيم لحجم المشروعات التي نقدمها، ومعرفته بأن لعبة المساعدات لعبة خادعة، ورغم ذلك فقد طلب مني "توريخوس " مساعدة بلاده على أن يكون أدائها نموذجياً، وأن تكون مصالح فقرائهم في صلب اهتمامنا، وأن تصل خدمات الكهرباء والاتصالات والمواصلات إلى أفقر فقراء بنما وبسعر مدعم، ويؤكد "بركنز" بأنه خرج من لقاء " توريخوس" وهو متأكد من ان شركته " مين MAIN " ستوقع عقد الخطة الرئيسية لتنمية بنما، وأن هذا لن يثني " توريخوس" عن عزمه على استعادة القناة لسيادة بنما.

مفاوضات قناة بنما

يقول " بركنز " بأنه قرر بأن يكون صادقاً في تنفيذ ما اتفق عليه مع " توريخوس " بأن يأخذ مصلحة فقراء بنما في حساباته وهو يضع تقديراته لمشروع الطاقة التي ستنفذه شركته في بنما، ولهذا لم تنل تقديراته إعجاب مدراء شركته، فهي لم تصل لحد مستويات التضخم المعتادة، لكنه كما يقول ضمن لشركته (مين MAIN) استمرارية العمل وكسب عقود جديدة في بنما.

ويضيف بأن ما وعد به "يوريخوس" من استعادة القناة لسيادة بلدة قد تحقق بعد أن توصل لاتفاق مع الرئيس جيمي كارتر في العام 1977م وتم حسمه نهائياً بتصويت الكونجرس بفارق صوت واحد، وهذا قد اثار حفيظة وسخط المحافظين في واشنطن، وشنت منابر الوعاظ الدينيين حملة تحريض شرسة بحق كارتر، على اعتبار أن قناة بنما تعد بمثابة حائط الدفاع القومي، والرمز الدال على براعة الولايات المتحدة، فهي كما يقول "بركنز" الممر المائي الذي يربط ثروات أمريكا الجنوبية بثروات ومصالح واشنطن الاقتصادية.

يقول "بركنز" بانه في بداية الثمانينيات بعد اسقاط جيمي كارتر وصعود ريجان والمحافظين الجمهوريين للحكم، فإن نجاحات "توريخوس" التي حققها أولاً في استعادة القناة إلى أصحابها الشرعيين، وفي تسوية الخلافات بين إشتراكيي أمريكا اللاتينية والدكتاتوريين، وثانياً ثنائه على خطة يابانية لاستبدال قناة بنما الحالية بأخرى أكثر كفاءة قد أثارت حنق وحقد إدارة ريجان ورؤساء الشركات المتعددة الجنسيات، وعلى رأس هذه الشركات شركة بكتل، التي تربطها علاقات متينة مع قادة إدارة ريجان (جورج شولتز وزير الخارجية، وكاسبر وينبرجر وزير الدفاع)، حيث ستقصي الخطة اليابانية هذه الشركة عن الاسهام في ذلك المشروع الهندسي المربح والذي يعد مشروع القرن. لكل هذه النجاحات وغيرها قررت إدارة يجان التخلص من " عمر تريخوس" بحادث طائرة ونصبت بدلاً منه الجنرال " مانويل نوييجا ".

الولايات المتحدة تغزو بنما

بعد تولى مانويل نورويجا حكم بنما، بدأ ملتزماً بالسير على خطى سلفه ومعلمه كما يقول " بركنز"، ويضيف بأنه ابدى اهتماماً كبيراً في قضية الفقر والاضطهاد التي تعاني منهما أمريكا اللاتينية. وكانت أولى مشروعاته هو مواصلة استكشاف إمكانية شق قناة جديدة يمولها اليابانيون، ووجه هذا المشروع بمعارضة شرسة من واشنطن وشركاتها الخاصة.

بالرغم من الخدمات الجليلة التي قدمها نورويجا للولايات المتحدة وللمخابرات المركزية CIA إلا أن إدارة بوش الأب عمدت إلى شيطنته وإظهاره بمظهر الفاسد والمقامر الذي يشارك تجار المخدرات بالباطن، وقتله لخصمه السياسي هوجو سبادافورا بيد الوحدة جي -2 التي كان يترأسها. يقول " بركنز" استغل الرئيس جورج بوش الذي كان يعاني من تدني في شعبيته رفض نورويجا إعادة التفاوض وتمديد عمل مدرسة الأميركتين لمدة 15 سنة قادمة التزاماً منه بما صنعه سلفة " توريخوس " وشن على بنما حرباً كاسحهً قتل فيها الجيش الأمريكي الألاف من البنميين وشرد عشرات الألاف، ومنع خلالها الجيش الأمريكي وسائل الإعلام والصليب الأحمر والمراقبين الأجانب من الدخول للأماكن التي تم قصفها وتدميرها خوفاً من اكتشافهم لما ارتكبوه من جرائم. ويضيف "بركنز" بأنه برغم الضجة العالمية على غزو بنما وانتهاك واشنطن للقانون الدولي والتدمير الغير مبرر لشعب اعزل ولم يشكل أي تهديد أمني على الولايات المتحدة، إلا أن الشعب الأمريكي لم يكن يعلم ما تفعله بلادة مطلقاً وذلك نتاج ما مارسته إدارة بوش من حملة تعتيم إعلامي داخلي بهذا الخصوص.

يشير "بركنز" أن قناعته قد ازدادت بعد الغزو بأن ما حدث كان إشارة إلى أن السياسة الأمريكية ارتدت إلى الأساليب العتيقة في بناء الامبراطوريات، إلى درجة أن إدارة بوش قررت أن تزاود على إدارة ريجان وتظهر للعالم عدم ترددها في استخدام القوة من أجل تحقيق غاياتها، وكانت أيضاً بمثابة رسالة واضحة للعراق الذي رفض الانصياع لرغباتها وتعليماتها.

منظمة الأوبيك وأزمة البترول

في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي شكلت البلدان المنتجة للبترول اتحاداً عرف باسم (منظمة الأوبيك) وذلك رداً على تزايد نفوذ شركات تكرير البترول، وبخطواتها الجماعية والمدروسة جعلت الشركات الصناعية العملاقة تركع على ركبها.

حظر تصدير النفط في العام 1973 أحدث أزمة غير مسبوقة في الولايات المتحدة وكادت أن تكون أكثر تأثيراً من كارثة الكساد الاقتصادي الكبرى في ثلاثينيات القرن العشرين. خصوصاً أن الولايات المتحدة كانت تمر في أسوأ حالاتها، عودة جنودها يجرجرون اذيال الخيبة من حرب الفيتنام الفاشلة، وفضيحة وترجيت، ومستقبل الرئيس نيكسون في مهب الريح. يقول " بركنز " أن معدلات التنمية الاقتصادية بعد أزمة البترول انخفضت إلى النصف عما كانت عليه في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، صاحب ذلك تضخم مالي أكبر مما سبق، وزاد معدل البطالة، وحدث انهيار في النظام المالي الدولي، أجهز على الجميع، وعصف بالاقتصاد الدولي وبشبكة معدلات التبادل الاقتصادي الثابتة. كان انهياراً لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

يشير " بركنز " بأنه في الاحاديث الجانبية مع الأصدقاء وزملاء العمل كان " مكنمارا " الحاضر الغائب، كان الجميع يعرف بأمر صعوده السريع إلى القمة. من مجرد مدير تخطيط إلى محلل مالي في شركة فورد للسيارات في العام 1949، إلى منصب رئيس الشركة في العام 1960م وكان الأول من خارج عائلة فورد يتولى هذا المنصب، إلى وزير دفاع في عهد الرئيس كينيدي. يضيف " بركنز " أصبح " مكنمارا " مدافعاً شرساً عن الاقتصاد الكنزي، وعن القيادة الجريئة. وشكلت دفاعاته اساساً لمدخل فلسفي جديد في علم الإدارة في كبرى كليات الاقتصاد في الولايات المتحدة. يقول "بركنز" كنا مفتونين بدور "مكنمارا" في رئاسة البنك الدولي بعد تركه وزارة الدفاع. وكنا نرى بأنه يرمز للرابطة بين الجيش والصناعة. لقد أدركت الأن أن إسهام "روبرت مكنمارا" الأكبر والأكثر شراً في التاريخ هو الاحتيال على البنك الدولي وجعله وسيلة للإمبراطورية العالمية بمقياس لم يشهده أحد من قبل. إضافة إلى أنه أرسى سابقة تحتذى على التنقل بين السلطات المختلفة المكونة لمجموعة الكوربوقراطية للتناغم مع من يأتي بعده. لقد ذكر "بركنز" نماذج متعددة ممن تنقلوا في مناصب متعددة في عهد الرؤساء المختلفين للولايات المتحدة فعلى سبيل المثال: جورج شولتز كان وزيراً للخزانة ورئيس مجلس السياسات الاقتصادية في عهد نيكسون، وعمل رئيساً لشركة بكتل Bechtel، ثم صار وزيراً للخارجية في عهد ريجان.

يقول " بركنز " لقد أهدانا "كيرمنت روزفلت " سبيلاً أفضل من الوسائل القديمة التي كنا نعمل فيها لبناء الإمبراطورية عندما أطاح برجل إيران الديمقراطي ووضع مكانه مستبداً طاغية. ولكي نغير هذا الأسلوب اقتضى منا التعامل مع المملكة العربية السعودية العضو الأهم في الاوبيك.

المملكة العربية السعودية

يقول " بركنز " بأن السعوديون لا يمارسون الاعمال التي يعتبرونها تحط من قدرهم، فعلى سبيل المثل كانوا يستخدمون الأغنام للتخلص من القمامة. هذا ما صرح به أحد الدبلوماسيين السعوديين ل " بركنز ". كانت قصة الأغنام التي يستخدمها السعوديون لتخلص من القمامة مدخله وسر الهامه في ابداع رسم خططه للمشاريع التي تنوى مؤسسة MAIN التي يعمل فيها لتطوير المملكة كما طلبت منه شركته.

من المعلومات التي جمعها "بركنز" عن المملكة العربية السعودية، هو مدى تخلفها الاجتماعي والاقتصادي، وتغلغل الفكر الوهابي المتطرف في تفكيرهم وتحكمه في سلوكهم، ونظرتهم الدونية للمرأة، وتطبيقهم الصارم لأحكام الشريعة مثل قطع يد السارق أو اعدام القاتل ... الخ.

يعتبر " بركنز " أن الحدث الكبير الذي هز أركان الولايات المتحدة وكاد أن يعصف باقتصادها مثلما عصفت بها ازمة الكساد الاقتصادي الكبير في العام 1929م هو قرار منظمة الأوبيك بحظر تصدير البترول إلى الولايات المتحدة وباقي دول أوروبا في العام 1973م. ويقول "بركنز " أيضاً بأن المرجعية الدينية في المملكة هي من كانت خلف هذا القرار استجابة للضغوط التي مارسها الرئيس السادات على الملك فيصل لمساندته في حرب أكتوبر 1973، ورداً على طلب الرئيس الأمريكي " نيكسون " من الكونجرس الموافقة على مساعدة إسرائيل بـ 2.2 مليار دولار . ويضيف "بركنز" بأن صدمة شهور الحظر أدت إلى تقوية الكوربوقراطية Corporatocracy ، واتحاد أعمدتها الثلاث (الشركات الكبرى والبنوك الدولية والحكومة) كما لم يحدث من قبل. فأزمة الحظر جعلت واشنطن تدرك الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية على اقتصادها، لهذا شجعت قيادات الكوربوقراطية Corporatocracy للبحث عن سبل استعادة أموالها المدفوعة في البترول مرة أخرى. ويشير " بركنز " إلى ان واشنطن فاوضت السعوديون لتطوير بلادهم لتلحق بركب حضارة القرن العشرين مقابل عدم تكرار حظر البترول مرة أخرى وعوائده من الدولارات، واسفرت هذه المفاوضات عن إنشاء (اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي) التي عرفت بالاختصار JECOR، وقد عُهد للإدارة بأكملها والمسؤولية المالية لوزارة الخزانة الأمريكية وتمتعت باستقلالية تامة، وانفقت خلال 25 عاماً مليارات الدولارات دون رقابة من الكونجرس الأمريكي.

ويضيف " بركنز " بأنه طلب منه تطبيق قدراته الإبداعية بأقصى ما يستطيع في تبرير استنزاف مئات الملايين من الدولارات من الاقتصاد السعودي، بشرط إدراج شركات الهندسة والبناء الأمريكية، وقد أبلغ بأن المهمة التي كُلف بها تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ومن المحتمل أن تُدر على شركة MAIN ربحاً مالياً كبيراً. ويؤكد بانه قد فهم بان الهدف من ذلك ليس كالمعتاد أي اثقال كاهل البلد بالديون التي تعجز عن سدادها، بل جر المملكة العربية السعودية إلى جعل اقتصادها أكثر تشابكاً وخضوعاً لمصالح الولايات المتحدة، مستغلاً رغبتها المتزايدة لتقليد نمط الحياة الغربية حتى تصبح أكثر ميلاً وتبعية للنظام الأمريكي.

حالة التخلف التي كانت تعيشها المملكة العربية السعودية ورغبتها المحمومة في اللحاق بنمط الحياة الأوروبية والأمريكية، والثروات الهائلة التي أمتلكتها نتيجة تدفق عوائد البترول عليها، مثلت صيداً ثميناً للمخططين الاقتصادين أمثال " جون بركنز " وغيره وللشركات الأمريكية والبقرة التي يمكن أن يحلبوها حتى سن التقاعد كما يقول " بركنز ". فهي بحاجة إلى تنمية وتطوير في كافة المجالات بدأً من البنى التحتية وبناء المصانع والأسواق الكبيرة والمستشفيات ومباني الشرطة والمحاكم، وشركات توليد الكهرباء، ومحطات تحلية مياه الشرب وتعبيد الطرق والمطارات والموانئ وأماكن سكن للعمالة الوافدة التي ستتولى العمل في الاعمال التي لا يعمل ها السعوديون. فكل هذه المشاريع وغيرها لم تكلف المخططين الاقتصادين وقراصنة الاقتصاد الكثير من الجهد والمعاناة كي يقنعوا حكومة المملكة بهذه المشاريع. وركزوا جل اهتمامهم كما يقول " بركنز " على تحقيق أهدافهم كقراصنة والتي تتمثل في رفع النفقات إلى الحد الأقصى لصالح الشركات الأمريكية وزيادة تبعية المملكة العربية السعودية للولايات المتحدة. يضيف " بركنز " بأنه بالإضافة للبعد الاقتصادي، هناك احبولة أخرى من شأنها جعل المملكة تابعة لنا، لكن بطريقة مختلفة، وهذه الطريقة تتمثل في تحوط المملكة من ردات فعل المحافظين في المملكة الرافضين لعملية التحديث وكذلك من البلدان المجاورة والتي من ضمنها إسرائيل، وهذا يتطلب توقيع عقود سخية وطويلة الاجل من الشركات الصناعية التابعة للجيش الأمريكي.

يقر " بركنز " أن حظر بيع البترول في العام 1973 لم يكن شراً كله، إذ سينتهي المطاف بمنح شركات الهندسة والبناء الأمريكية أرباحاً كبيرة غير متوقعه، مما سيساعد على المدى الأبعد في تمهيد السبيل نحو الإمبراطورية العالمية. ويشير بأنه رغم احتفاظ السعوديين بحقهم في ابداء الرأي في طبيعة تلك المشروعات، فالحقيقة أن فيالق الأجانب (أغلبهم كفرة في عيون المسلمين) حددت الشكل المستقبلي والبنية الاقتصادية لشبة الجزيرة العربية، ونتيجة ضعف البدائل المتاحة أمامهم، والضغوط الاقتصادية والعسكرية التي مارستها واشنطن لم يبدي آل سعود أي اعتراض على ما يطرحه الخبراء الأجانب من مشروعات.

يقول " بركنز " رغم أن المشروعات التي يعمل على التخطيط لها في المملكة لم تصبح بعد جزءاً من مشروعات (اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي JECOR) إلا أنه كان يرسل تقاريره إلى السيد مدير مشروعات وزارة الخزانة وأنه كان يلتقي مع رئيسه ونائبة في MAIN للنقاش حول هذه المشروع الذي اطلقوا عليه اسم SAMA وهو اختصار مزدوج المعنى، وكانوا يشيرون إلى عمليات غسيل أموال المملكة Saudi Arabian Money Laundering AFFAIR، وفي الوقت نفسه كان اختصاراً للبنك المركزي السعودي الذي يسمونه الوكالة المالية للمملكة العربية السعودية Saudi Arabian Monetary Agency، أو سما SAMA.

ومن الأشياء التي كانت ملفته للنظر، يقول "بركنز": أولاً: حالة التناقض التي يعيشها بعض اللاعبين الأساسيين في المملكة الذين تعامل معهم، فالأمير (و. W) رغم اعتراضه على أن تسير بلاده على درب النمط الغربي وما أظهره من تشدد ديني إلا أنه كان لديه نقطة ضعف تجاه الحسناوات الشقراوات، وقد مهدت نقطة الضعف هذه الطريق أمامه لتحقيق صفقته بنجاح.

ثانياً: أن المعاهدة التي تم توقيعها مع وزارة الخزينة التي اشترطت بأن تكون كافة المعدات مصنوعة في المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة، رغم معرفتهم المسبقة نتيجة المسح الشامل الذي قام به " بركنز " ومجموعة القراصنة المنتشرين في المملكة بان المملكة تفتقد لمثل هذه الصناعات، كما أنها تفتقد للموانئ الكبيرة التي تستوعب كم السفن المحملة بالأدوات ومستلزمات المشاريع التي ستنفذ في المملكة، لهذا فقد سعى " بركنز " لأن تكون وسيلة النقل هي الطيران، وتحديداً شركة يونيتيد الأمريكية للطيران وبقيادة طيار بعينه.

ثالثاً: أنه سُمح للسعودية أن تلعب دور الممول للإرهاب العالمي، وغضت الولايات المتحدة الطرف عن تمويل بيت مال آل سعود لأسامة بن لادن في أفغانستان لمواجهة السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين، حيث أسهمت الرياض وواشنطن معاً في امداد المجاهدين بمبلغ تجاوز ال 3.5 مليار دولار الذي اعلنتا عنه.

بعد هجمات 2001 كشفت الصحف الأمريكية الكثير من الاسرار التي كانت مخفية، ففي العام 2003 كشفت مجلة (فيرمن فير Vanity Fair)، في تقرير لها عن علاقة بيت آل سعود وعائلة بوش وابن لادن، حيث بدأت هذه العلاقة في زمن عملية غسيل الأموال التي جرت في المملكة العربية السعودية، وابان فترة وجود بوش الأب سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة (1971-1973)، وحين أصبح رئيس ال CIA من (1976-1977). وقد أورد ما ذكرته صحيفة فانتي فير عن عمق العلاقة بين آل سعود وعائلة بوش وعن المصالح الاقتصادية التي تربطهما.

وبعد أيام من احداث 11 سبتمبر يقول " بركنز " انطلق بعض أثرياء السعودية ومن ضمنهم أفراد من عائلة بن لادن من الولايات المتحدة على متن طائرات خاصة لم يسمح لأحد تفتيشها.

شاهنشاه إيران

بعد أن أطاحت وكالة المخابرات المركزية CIA برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق، يقول "بركنز" حظي الشاه بدعم لا محدود من قبل واشنطن وحلفاؤها الأوربيون، وعمدوا على إظهاره بمظهر الديمقراطي ونموذج يصلح كبديل لحكومات العراق و ليبيا والصين وكوريا ... وغيرها من الحكومات التي رفضت الأمركة. وتساوقاً مع المكانة التي تم اظهاره فيها، حاول الشاه أن يظهر بمظهر الصديق للكادحين وقام بتوزيع بعض أراضي الملاك الكبار على الفلاحين في العام 1962، وبتحديث الجيش الإيراني حتى اصبح من أقوى جيوش منطقة الشرق الأوسط، وتعززت مكانة منظمة الأوبيك. ويشير " بركنز " بأن شركته MAIN غطت مشروعاتها معظم أراضي إيران، وقد تركزت أعمالها على تقدير إمكانيات المناطق المستهدفة في إيران، ومن ثم تصميم الأنظمة الكهربائية وتوزيع القياسات التي ستمد البلد بكل الطاقة المطلوبة لدعم التنمية الاقتصادية والصناعية التي تحقق تلك التوقعات.

يقول "بركنز" بأنه التقى في إيران برجل غامض اشبه بالشبح ينادونه بالدكتور، يسكن في غرفة مظلمة في منطقة نائية كثيراً عن وسط المدينة، وذلك من خلال شخص أسمه "مين". وقد طلب منه الرجل الغامض الرحيل هو وشركته MAIN عن إيران، وأنهم لن يحققوا أي أرباح منها، وأن هذا الشاه الذي تقفون معه وتدعمونه لن يبقى طويلاً على العرش، وأن الفرس يكنون له كرهاً لا حدود لها إضافة إلى كره كل المسلمين له في العالم الإسلامي.

سقوط الشاه

يقول "بركنز" بانه رغم لقائي مع "يمين" والرجل الغامض لم اكن أدرك بأن مساحة الكره للشاه ولنظامه تتسع سريعاً في أوساط الإيرانيين، إلى أن جاءني في احدى مساءات عام 1978 أحد أصدقاء الدراسة يدعي "فرهارد" إبن جنرال متقاعد ومقيم في روما، يحمل في يديه تذاكر سفر ويطلب مني مغادرة إيران فوراً وعلى جناح السرعة. وعندما التقيت بوالد صديقي "فرهارد" في روما حدثني كثيرا عن الشاه وعن فساده وطغيانه واعتماده الكبير على دعم الولايات المتحدة التي زرعت بذور الانقلاب منذ أن أطاحت برئيس الوزراء " محمد مصدق " في خمسينيات القرن العشرين، وان هناك حركة سريه يتسع نفوذها بشكل كبير وسريع في كل المدن والقرى الإيرانية يقودها شخص يدعى "آية الله الخميني "، كان قد ابدى معارضته للشاه منذ بداية الستينيات من القرن العشرين، ونتيجة معارضته ونشاطه تم نفيه إلى فرنسا ومن ثم استقر في النجف بالعراق، وقاد معارضته. تفاعلت التظاهرات بشكل كبير في إيران، وقد فر الشاه إلى مصر ومسك " أية الله الخميني " ومجموع الملالي زمام الأمور في إيران، وقد احتجزوا ما يقرب من 50 رهينة أمريكية في السفارة الأمريكية لمدة 444 يوم، وقد فشلت جهود جيمي كارتر التفاوضية والعسكرية في تحرير الرهائن، وكانت قضية الرهائن بمثابة المسمار الأخير في نعش رئاسة " جيمي كارتر " ودخل بعدة " ريجان وبوش " إلى البيت الأبيض. هذا وقد تحققت نبوءة الدكتور و " يمين " وفقدت MAIN ملايين الدولارات وكذلك الشركات المنافة الأخرى.

كولومبيا: حجر الزاوية للعبور لأمريكا اللاتينية.

احتلت كولومبيا على مر التاريخ مكانة مرموقة، فهي كانت مقراً لقيادة الاستعمار في زمن الاستعمار الاسباني للقارة الجنوبية، وقد وصفها " تيدي روزفلت " رئيس الولايات المتحدة وقائد القوات في الحرب الاسبانية – الامريكية بأنها حجر الزاوية للعبور إلى أمريكا الجنوبية. إضافة لذلك فقد اعتبرها " بركنز " في وصفه لها بانها على الخارطة تقيم توازناً على قمة القارة، وتظهر كأنها تمسك بقية أجزاء القارة معاً، فهي تربط البلاد الجنوبية بمضيق بنما، ومن ثم كلاً من أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى. كما أنها تحظى بجمال خلاب لطبيعتها، وبتعدد اعراقها وثقافاتها

انتخابات الرئاسة التي جرت في العام 1945م اسفرت عن خلافات شديدة بين الأحزاب المتنافسة، أدت إلى أحداث عنف في الفترة ما بين (1948-1957) أودت بحياة أكثر من مائتي الف شخص كما يقول " بركنز ". وبرغم كل الصراعات والتناقضات بقيت واشنطن ومؤسسات وول ستريت المالية تنظر لكولومبيا كدولة محورية في تعزيز المصالح السياسية والاقتصادية لدول الأمريكيتين، فهي مصدر للعديد من المنتوجات التي تحتاجها الولايات المتحدة إضافة إلى أنها تعد سوقاً لمنتوجاتها وبضائعها.

مقابل الخدمات التي باعتها الولايات المتحدة لكولومبيا التي تمثلت بالاستشارات الهندسية والانشائية، غرقت كولومبيا بالديون واحتاجت إلى توسيع مشروعاتها للتمكن من سداد ديونها من تلك المشروعات ومن عوائد ثرواتها الطبيعية. وعلى أي حال يقول "بركنز": لقد اتسق الواقع مع أغراضنا الحقيقية في جميع انحاء العالم، والتي تكمن في استعباد "بوجوتا" لتنضم إلى إمبراطوريتنا العالمية، وكانت وظيفتي كما هي الحال في كثير من الأماكن، أن اسهم في جعل البلاد تقترض اقصى ما يمكن من القروض.

يضيف " بركنز " بأنه في سنوات السبعينات من القرن العشرين حصلت شركة MAIN على مجموعة من العقود في كولومبيا لتنمية مشروعات مختلفة للبنية التحتية. وفي العام 1977م تعرف على سيدة كولومبية تدعى " باولا "، كان لها اثر بالغ على تغير مساراتي بعد أن كدت أن أغرق اكثر فيما كنت فيه خصوصاً بعد تجربتي في المملكة العربية السعودية وإيران وبنما. ويؤكد " بركنز" بقوله: مثلما كانت " كلوديا" عاملاً مساعداً في اقناعي بالانضمام لقراصنة الاقتصاد، كانت "باولا" عاملاً حافزاً في اقناعي بأن أنظر في أعماق ذاتي وأرى أنني لن أجد السعادة أبداً ما دمت مستمراً في الدور الذي أقوم به.

رئيس الاكوادور ومعارك البترول الكبرى.

بعد أن عانت الاكوادور لسنوات طويلة من الحكم الدكتاتوري وحكومات الأقلية والجناح اليميني الخاضع لمصالح للولايات المتحدة السياسية والاقتصادية، لمع في سمائها أستاذ جامعي ومحامي قديم يدعي " خايمي رولدوس " عبر انتخابات ديمقراطية في العام 1978م. استطاع " رولدوس " ترسيخ سمعته كقائداً شعبياً ووطنياً يؤمن بحقوق الفقراء، ومسؤولية رجال السياسة في الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية للدولة. وكان من السياسيين القلائل الذي لا يخشى الصدام مع الوضع القائم، سعى لكشف ما وراء شركات البترول والنظام المراوغ الذي يدعمها، فهو قد اتهم معهد اللغويات الصيفي SIL (وهو مجموعة تبشيرية انجيلية أمريكية) بالتواطؤ مع شركات البترول بعد أن قامت بإقناع قبيلة هيوراني في منطقة حوض الامازون بالانتقال إلى منطقة أخرى تحت حمايتها بعد أن أُكُتشف البترول في منطقتهم. إضافة إلى ذلك فإن " بركنز " يؤكد بأن "خايمي رولدوس " قائداً شعبياً يشبه إلى حد كبير "توريخوس" في بنما، و"اربنز" في جواتيمالا، فهؤلاء لم يكنوا شيوعيين ولا اشتراكيين بل كانوا واسعي الأفق يفكرون في مصلحة بلادهم ، ولم يكونوا ضد الولايات المتحدة، وقد استطاعوا أن يمحوا العنصر الثالث من دعائم الكوروبقراطية القائم على الشركات الضخمة والبنوك الدولية والحكومات المتواطئة.

اعتقد "بركنز" بان السياسة البترولية هي التي اقنعت شعب الاكوادور من انتخاب " رولدوس " لكرسي الحكم. حيث حدد " رولدوس " الخطوط العريضة لهذه السياسة في خطاب توليه الرئاسة قائلا:

" علينا أن نراجع أنفسنا للحفاظ على مصادر أمتنا من الطاقة وعلى الدولة أن تحافظ على تنوع الاستثمارات في صادراتها، وألا تفقد استقلالها الاقتصادي. لأن قراراتنا ستنبع فقط من المصلحة القومية والدفاع بلا حدود عن استقلالنا وحقنا في تقرير المصير."

يقر "بركنز" أنه كان لكل من "توريخوس" و "رولدوس" أثراً كبيراً عليه وعلى قراراته المستقبلية المتعلقة بعدم بقائه في عمله الذي يسبب فيه دماراً للدول والشعوب، ورأى فيهما نموذجاً يحتذى متمنياً أن يكون مثلهما.

مصرع رئيس الاكوادور

في نوفمبر 1980م سقط جيمي كارتر أمام رونالد يغان. فالمفاوضات مع "توريخوس " على قناة بنما، وفشل تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في سفارة الولايات المتحدة في إيران كانتا سبباً في سقوط كارتر. وبهذا كما يقول " بركنز " فقد استبدل الأمريكان رئيساً كان كل هدفة الحفاظ على السلم العالمي، وتقليص اعتماد بلاده على البترول، برئيس يعتقد أن القوة العسكرية هي من تجعل من الولايات المتحدة أن تتربع على عرش العالم وتفرض سيطرتها على كل حقول البترول في العالم. ويضيف بأن ريجان كان من بناة الإمبراطورية العالمية، وخادماً للكوربوقراطية، فهو قادماً من استوديوهات هوليود، وينصاع للأوامر الصادرة له من اباطرة المال والصناعة الأمريكية، لهذا فهو سيستخدم في إدارته رجال سيديرون هم الحكومة بالشكل الفعلي ويتظاهرون بأنهم يخدمونه، هؤلاء الرجال مثل نائب الرئيس "جورج بوش الأب " ووزير الخارجية " جورج شولتز "، ووزير الدفاع " كاسبر واينبيرغر "، و " ريتشارد تشيني "، و " وريتشارد هليمز "، و " روبرت مكنامارا، وسيسعى هؤلاء الرجال لفرض سيطرة أمريكا على العالم بكل ثرواته الطبيعية، وتحويله لعالم ينصاع للإملاءات الأمريكية، وجيش أمريكي ينفذ القواعد التي كتبتها أمريكا، وتجارة عالمية، ونظام مصرفي يدعم أمريكا بوصفها الرئيس التنفيذي للإمبراطورية العالمية.

هذا الرأي كان قد كتبه " بركنز " بعد أن حسم أمره وقدم استقالته من شركة MAIN، ويؤكد بأنه اختار اللحظة المناسبة التي اقدم بها على هذه الخطوة التي ستغير مجرى حياته. ويضيف بأنه تعلم من التاريخ أن الإمبراطوريات لا تدوم وأن البندول دائماً يتأرجح في كلا الاتجاهين. ويرى بأن رجالاً مثل " رولدوس " يمنحون الأمل، ففي خطوة ثورية لحماية شعب دولته وعدم تحويلها إلى مجرد دور ثانوي وعبيد لخدمة الإمبراطورية العالمية، طُرح أمام البرلمان الأكوادوري قانون الهيدروكربون بهدف إعادة تشكيل علاقات الدولة بشركات البترول، إضافة إلى ذلك فإنه قام بطرد المعهد الصيفي للغات SIL بعد أن اتهمهم بالتأمر مع شركات البترول خارج البلاد، مما أثار حفيظة شركات النفط وبدأت ثعالب ال CIA بالتحرك السريع، وعندما لم تجد حملات التشهير والاتهامات ل " رولدوس " بالشيوعية، قامت بتصفيته بحادث تحطم طائرة مروع صدم العالم في الرابع والعشرين من مايو 1981، وذلك بعد أن صادق البرلمان على قانون الهيدروكوربون وطرده للبعثة التبشيرية SIL، والقاءه خطاباً مهماً في استاد أتاوالبا الأوليمبي في كيوتو.

ويشير " بركنز " إلى مدى هيمنة الكوربوقراطية على مصادر المعلومات للشعب الأمريكي فيقول: " رغم كل ردود الفعل العالمية – على حادثة الاغتيال – فبالكاد وصلت الأخبار إلى صحافة الولايات المتحدة".
في سنوات الثمانينات عصفت الرياح بالعديد من شركات البترول، بسبب منافسة الشركات المنتجة للطاقة البديلة، فمنها من أعلن افلاسه ومنها من اندمج مع شركات أخرى اكثر قوة، ومن ضمن هذه الشركات شركة اربستون Arbuston التي يمتلكها جورج دبليو بوش، والتي اندمجت مع شركة سبكتروم Spectrum في العام 1984م، والتي بيعت في العام 1986م إلى شركة هاركن Harken Energy Corporation والتي احتفظ فيها جورج دبليو بوش بمنصبه عضواًفي مجلس إدارتها، ومستشاراً في الشركة براتب سنوي قدره 120 ألف دولار، وذلك بفضل نفوذ والده جورج بوش نائب الرئيس ريجان في ذلك الوقت، وكان الجميع يعلم كما يقول "بركنز" بأن دبليو بوش لم تكن له إنجازات سابقة كمدير تنفيذي في مجال البترول تؤهله لهذا المنصب، وعليه فإنه منذ أن تولى جورج دبليو بوش هذا المنصب فقد مدت شركة هاركن سطوتها إلى الساحة العالمية، ولأول مره في تاريخها تشرع الكوربوقراطية بنشاط البحث والاستثمار البترولي في الشرق الأوسط.

حين قبلت الرشوة

يقول " بركنز " بأن سياسة الرئيس كارتر كانت تشجع على انتاج الطاقة النظيفة، والحد من اعتماد الولايات المتحدة على البترول وليس المستورد منه فقط، وقد مرر الكونجرس في العام 1978م قانون بوربا Purpa لتنظيم المرافق العامة، الأمر الذي شجع البحث عن مصادر الطاقة البديلة والزم شركات المرافق العامة على شراء هذه الطاقة بأسعار معتدلة ومعقولة. وخلال حقبة الثمانينات وصولاً إلى التسعينات، وتحديداً في الفترة التي احتلت فيها إدارة ريجان البيت الأبيض، تبدلت كل هذه السياسات ولم تعد شركات المرافق العامة مُلزمة بشراء الطاقة البديلة، وابتلعت شركات الانشاءات والهندسة الكبيرة العديد من الشركات الصغيرة المنتجة للطاقة البديلة وانزوت جانباً فكرة استقلال الولايات المتحدة البترولي، ومرد ذلك كما يوضح " بركنز " هو أن " دونالد ريجان " كان مديناً لشركات البترول، إضافة إلى أن بوش كان قد بنى ثروته الخاصة من صناعة البترول، وأن معظم رجال إدارة ريجان إما أنهم من أصحاب شركات البترول أو شركات الهندسة والانشاءات الكبيرة. ويضيف " بركنز " بان الاتجاه العام في هذه الحقبة اتجه باتجاه دعم الخصخصة ودعم المشروعات التي يمتلكها المستثمرون الأثرياء أكثر من دعم نظيرتها الحكومية، وقد أوصلوا هذه القناعات للمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي بهذا التوجه، وصارت هي الأخرى تدعوا الى إعادة تنظيم وخصخصة شبكات المياه والصرف الصحي، وشبكات الاتصالات وغيرها من المرافق العامة التي ظلت دائماً تحت الإدارة الحكومية.

ويشير " بركنز " أن هذه السياسة شجعت المسؤولين التنفيذين في مختلف قطاعات الإنتاج المتعددة إلى الانطلاق في ارجاء العالم سائرين على خطى قراصنة الاغتيال الاقتصادي، بحثاً عن مصادر الثروات والايدي العاملة الرخيصة والأسواق الضخمة، ونجحوا في إيقاع الضحايا من الدول والمجتمعات الأخرى في شراكهم، حيث وعدوهم بالانتعاش الاقتصادي عبر دعم القطاع الخاص، على اعتبار أن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تظنها تلك الدول كفيلة بإخراجها من وحل الديون، لقد بنوا المدارس والطرق السريعة و... الخ، وحين يستنفذون ضحاياهم ويجدون عمالة أرخص وموارد اسهل اقتناصاً في مكان أخر، يسارعون بالمغادرة تاركين ورائهم مجتمعات راودها الأمل وصدمها واقع التخريب.

فشل قراصنة الاقتصاد في العراق.

مثلت العراق للولايات المتحدة مصدر اهتمام كبير من حيث مخزونه البترولي ومصادر المياه وموقعة الجغرافي الاستراتيجي إذ أنه يقع على حدوده كل من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وإيران وتركيا وسوريا والمملكة العربية السعودية و الكويت ، وساحل طويل على الخليج العربي، ولهذا وضع قراصنة الاقتصاد ثقلهم الكبير فيه، على أمل أن يحذو العراق حذو المملكة العربية السعودية، وأن يفسح المجال واسعاً للشركات الأمريكية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالعمل في العرق والاستفادة من فوائد القروض الضخمة للاستثمار في مجالات الطاقة واستخراج البترول. ويقول " بركنز " بأن صدام حسين كان يرى بوضوح ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من تطور عمراني، وحصولهم على التكنولوجيا المتقدمة في محطات تحلية مياه الشرب، وأنظمة الصرف الصحي وشبكات الاتصالات والكهرباء، ويعي أيضاً وبدون شك بأن السعوديين يتمتعون بمعاملة خاصة فيما يتعلق بالقانون الدولي، وأن واشنطن تغض الطرف عن تمويل السعودية لأكثر الجماعات تطرفاً، عدا عن ايوائها للمطاردين دولياً، عدا عن ذلك يقول "بركنز" بأن الولايات المتحدة طلبت من السعوديين تمويل أسامة ابن لادن والمجاهدين الأفغان في حربهم ضد السوفييت، ويضيف بأن واشنطن كثيراً ما تسامحت مع الطواغيت أمثال صدام وكثيراً ما دعمته. ولم تكترث مطلقاً بمدى طغيان صدام وتلوث يديه بدماء ضحايا القتل الجماعي، وبممارساته الوحشية التي تشبه إلى حد كبير أدلوف هتلر حسب ادعاء "بركنز". وكل ما كان يهمها هو أن تمنحه واشنطن القروض المالية مقابل شراء بتروله، أو مقابل اتفاقيات تؤمن استمرار امداد بلاده لها بالبترول.

يشير " بركنز " إلى أن قراصنة الاقتصاد حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي لم ينجحوا في الإيقاع بصدام حسين في شباكهم، وهذا سبب خيبة أمل كبرى لإدارة بوش الأولى التي كانت تعاني من أزمة على المستوى الخارجي والداخلي جراء انتهاكه للقانون الدولي في غزو بنما.

قدم صدام طوق النجاة لإدارة بوش عندما اقدم على احتلال الكويت. على الفور يضيف " بركنز " شكل بوش تحالفاً دولياً لينتصر للقانون الدولي الذي انتهكه صدام حسب رؤيته، ودفعت الولايات المتحدة ب 500 الف جندي أمريكي في هذا التحالف الذي دك العراق في الشهور الأولى من العام 1991م بالاف القذائف والصواريخ ودمر الكثير من المدن وقتل الالاف من العراقيين، واجبر الجيش العراقي على الخروج هارباً من الكويت. هذه الحرب كما يقول " بركنز " حققت لجورج بوش ما أراده تماماً فقد حسنت من شعبيته بنسبة 90% من الشعب الأمريكي. ويضيف بأن قرار بوش بالحرب على العراق قد قوبل بحماسه كبيرة جداً في الأوساط الشعبية وأوساط الشركات الكبرى، وذلك ليس فقط لأننا اتخذنا موقفاً ضد دكتاتور سفاح على حسب تعبير " بركنز " وانما كان النصر في العراق بالنسبة للشركات وكبار التجار فرصه كبيرة لتحقيق أرباح خيالية، وفي الأوساط الشعبية كان هناك بحاجة لأن يرى الشعب الأمريكي بلده تستعيد قدرتها وهيبتها العسكرية، خصوصاً بعد ازمة الرهائن الأمريكيين في ايران.

يكشف " بركنز " هنا زيف وخداع إدارة بوش والعاملين في الشركات التجارية الكبرى من راء تشدقهم بالمفاهيم الوطنية والعمل المسلح، الذي استغل كمبرر للتحول الماكر لتحقيق مصالحهم التجارية عبر العالم، ويضيف بأن السعي نحو الإمبراطورية الكونية بات أمراً واقعاً ويسهم فيه أغلب قطاعات الدولة. وأن ثنائية العولمة والخصخصة قد شنت على هجوماً منظماً على عقول وقلوب الأمريكيين.

ويلخص بركنز رأيه في هذا التحول إذ يقول: بأنه في التحليل النهائي، لم يكن هذا قاصراً على الولايات المتحدة. فالإمبراطورية الكونية رسمت ملامحها، وعبرت كل الحدود، وما كنا ندعوه شركات أمريكية صار اليوم شركات عالمية، حتى من الوجهة القانونية. ودُمج كثير من هذه الشركات في مؤسسات أكبر حجماً متعددة الجنسيات. ويضيف توضيحاً أكبر على حقيقة هذه الشركات بقوله: "صار بمقدور هذه الشركات المفاضلة بين عدد من القوانين والتنظيمات والاتفاقات التجارية الدولية بما يجعل أنشطتها أكثر يسراً وسهولة". ويؤكد " بركنز " على أن هذه التحولات أفضت إلى غياب المفردات التي اعتدنا على سماعها مثل الديمقراطية، والاشتراكية، والرأسمالية، وأن الكوربوقراطية صارت حقيقة واقعة فرضت نفسها محركاً وحيداً ورئيسياً للاقتصاديات والسياسات العالمية.

11 سبتمبر وتأثيره على بركنز

يسرد هنا " جون بركنز " حجم المفاجئة والصدمة التي تعرض لها عند سماعة خبر الهجوم على الولايات المتحدة وتدمير برجي التجارة على يد ابن لادن وجماعته من الإرهابيين، ويستعيد ذكرياته مع برجي التجارة والأماكن المجاورة له خصوصاً بنك تشيسي Chase الذي اسسه ديفيد روكفلر، الذي قام على أموال البترول. يقول " بركنز " عن البنك: بأنه قدم خدماته لقراصنة الاقتصاد ومهندسي الإمبراطورية الكونية، واعتبر من أوجه عدة الرمز البليغ المعبر عن الكوربو قراطية. ويضيف بأن مركز التجارة العالمي كان مشروعاً قد بدأه ديفيد روكفلر في العام 1960م، وكان البرجان يمثلان طائر البتروس Albatross، وحمل البرجان اسماً تدليلاً هو ديقيد ونيلسون، لكن الشكوى كانت من المركز التجاري الدولي القديم بأنه غير مجهز لوسائل الاتصالات الحديثة القائمة على الالياف البصرية، وتقنيات الانترنت، ونظام مصاعدة بعدم الفاعلية.

واستعرض في هذا السياق ما تراكم في ذاكرته من مظاهر القهر والقتل والابادة الجماعية التي مارستها بلاده بحق العديد من الشعوب المغلوب على أمرها، وفي موت 24 ألف إنسان في العالم جوعاً يومياً، وعما ارتكب من جرائم في بنما أو الاكوادور أو إندونيسيا ، أو إيران، وجواتيمالا، والعديد من دول افريقيا. وتسائل إن كان السائرين في شارع برجي التجارة إن كانوا يفكرون بما فعلته بلدهم بحق كل هذه الشعوب أم فقط جريمة تدمير البرجين. إضافة لذلك يقول: لقد تخيلت أسامة بن لادن يتلقى أموالاً وأسلحة بملايين الدولارات يتسلمها من رجل يعمل في شركة استشارية بعقد مع حكومة الولايات المتحدة

صدام ينقذ فنزويلا.

حظيت فنزويلا بأهمية اقتصادية عالية جداً في العام 2002 حيث كانت تعد الدولة الرابعة على مستوى العالم في تصدير البترول، وفي المرتبة الثانية في قائمة الدول التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في استيراد البترول، ويعمل في شركة "بترول فنزويلا" 40 ألف عامل. وتدر الشركة دخلاً سنوياً مقداره 50 مليار دولار، وتسهم الشركة بنحو 80% عائدات التصدير. أي أنها العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي.

اعتقد الفنزويليين أن البترول الذي تدفق بشكل فجائي بالقرب من ماراكيبو في 14/12/1922 سيشكل لهم طوق نجاة، حيث أنه بعد سنوات قليلة وتحديداً في العام 1930 أصبحت فنزويلا الأولى على العالم في تصدير البترول. وأثناء الحظر الذي قررته الأوبيك في العام 1973 على اثر حرب أكتوبر، وصلت أسعار البترول إلى مستويات غير مسبوقة وتضاعفت ميزانيتها أربعة أمثال ما كانت عليه. انطلق قراصنة الاقتصاد وأغرقوا فنزويلا بقروض البنوك الدولية بغرض تحسين البنية التحتية والمشروعات الصناعية وبناء أعلى ناطحات سحاب في العالم.

في سنوات الثمانينات انهارت أسعار البترول، ولم تعد فنزويلا قادرة على الوفاء بديونها، وفرض عليها صندوق النقد الدولي شروطاً صارمة لكي تنصاع للكوربوقراطية بأشكال مختلفة. رفض ذلك الفنزويليين وقابلوا ذلك بأعمال عنف راح ضحيتها ما يقرب 200 شخص، وانخفض الناتج القومي بنسبة 40% بين عامي 1978 – 2003. وازداد الفقر وعم السخط ارجاء فنزويلا. وصل هوجو شافيز إلى الحكم وسط هذه الظروف الاقتصادية المتردية، وبدأ بتحدي إدارة بوش وتزامن ذلك في احتدام الصراع مع صدام حسين في العراق، وفشلت كل مساعي قراصنة الاقتصاد وكذلك ثعالب ال CIA ، إذ أنهم حاولوا استحضار نموذج كيرمت روزفلت في إيران ضد حكومة محمد مصدق، وامتلأت الشوارع بالمتظاهرين والمضربين ومنهم ما يقرب من 30 ألف من عمال شركة البترول، واستطاع شافيز في نهاية الأمر السيطرة على الأوضاع، والعودة إلى الحكم من جديد، واحكم قبضة يده على البلاد بشكل أكبر مما كان، وفشلت مخططات واشنطن للإطاحة بشافيز ولم تستطع واشنطن في هذه الحال فتح معركة جديدة كونها كانت تستعد لحرب على العراق وستكون جيوشها موزعة على كل من أفغانستان والعراق، وبهذا تكون العراق قد انقذت فنزويلا من حرب مؤكدة كانت ستشنها عليها الولايات المتحدة.

زيارة جديدة للإكوادور

يقول " بركنز " بأنه منذ العام 1968م وقعت الاكوادور فريسة سهلة للكوربوقراطية، وتمكن الكوربوقراط أمثاله من الوصول بها إلى افلاس حقيقي، حيث اثقل اقتصادها بديون قدرت بمليارات الدولارات. فقد ارتفعت نسبة الفقر بين السكان من 50% إلى 70%، وازداد معدل البطالة من 15% إلى 70%، وارتفع الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وانخفض نصيب السكان الأكثر فقراً من مخصصات الموارد الطبيعية من 20% إلى 60%، واضطرت لانفاق 50% من ميزانيتها القومية لسداد الديون.

تحدث "بركنز" عن بعض الاحصائيات التي تكشف مدى كذب وخداع المؤسسات المالية الدولية فقال: في العام 1960 كان خُمس سكان العالم في الدول الثرية يحصلون على دخل يفوق ما يحصل عليه خُمس سكان العالم في الدول الفقيرة بنسبة 30 : 1، ثم ازداد البون اتساعاً في عام 1995م حين وصلت نسبة الفارق بين الشريحتيين إلى 74 : 1 بينما لا يزال البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وصندوق النقد الدولي وبقية البنوك الأخرى والشركات المتحدة، والحكومات المنخرطة جميعها في برامج "الإعانات" تخبرنا أنها تؤدي مهامها، وأن ثمة تقدماً قد حدث.

وقد لاحظ " بركنز " بأن المعركة في الاكوادور لم تكن صراعاً تقليدياً بين أثرياء العالم ومعدميه، ولا بين المستغِليِن والمستغَلين، بل هي التي ستحدد في النهاية هوية حضارتهم. ويضيف لقد كان الخراب الذي سيلحق بغابات الأمازون الاستوائية التي اجبرنا الأكوادور على فتحها لشركات البترول الأمريكية خراب لا حصر له، وإذا ما أصرت الولايات المتحدة على تحصيل الديون ستكون العواقب وخيمة وأبعد من قدرتهم على تحديد درجتها، وقد تتسبب هذ الاضرار بتدمير ثقافتهم المحلية، وتهديد حياة البشر، والالاف من فصائل الحيوانات والزواحف والاسماك والحشرات والنباتات، التي قد تحتوي على أمصال لم تكتشف بعد لعلاج عدد كبير من الأمراض. ويؤكد " بركنز " بقوله: بأن امبراطوريتهم الكونية تستعبد البشر أكثر بكثير مما كان سائداً في الإمبراطورية الرومانية ومن كل القوى الاستعمارية التي سبقتهم. وتسائل " بركنز " كيف يبررون لأنفسهم اتباع مثل هذه السياسات في الاكوادور دون أن يحدث اختلال في ضميرهم الجمعي.

كشف النقاب

على أثر الحرب العدوانية على العراق، يطرح " جون بركنز " سؤال هاماً يقول: ماذا يعني الغزو للبيت الملكي لآل سعود؟ وإذا ما استولت الولايات المتحدة على العراق التي تقول كثير من التقديرات إن بترولها أكثر من بترول المملكة العربية السعودية، هل ستكون هناك حاجة لاستمرار الاتفاقية التي عقدت مع العائلة الملكية السعودية في سبعينيات القرن العشرين؟ تلك الصفقة التي تمت من خلالها عملية غسيل أموال المملكة العربية السعودية. ويضيف تساؤلات أخرى وهي: هل بمجرد سيطرتنا على العراق سيكون بمقدورنا تحطيم منظمة الأوبيك؟ هل ستخرج العائلة الملكية السعودية من ساحات السياسات البترولية الدولية؟ ويقول أيضاً: أن العديد من النقاد يتساءلون: لماذا غزا بوش العراق بدل تركيز كل الطاقات لملاحقة القاعدة في أفغانستان؟ وهل يمكن أن تجد الإدارة الأمريكية (هذه العائلة البترولية) في تأمين إمداداتنا البترولية، وتوقيع عقود الإعمار، أهمية أكثر من محاربة الإرهاب؟

يجيب "بركنز" على تحطيم منظمة الأوبيك بقوله أنه بمقدور الدول الأخرى الغنية بالبترول أن ترفع أسعاره أو تخفض من انتاجها. وهذا سيناريو قد يقلب التوازن الجيوسياسي، ويفضي في النهاية إلى انهيار النظام الذي بذلك الكوربوقراطية الكثير لترسيخه. لكنه يقول: بأن الإمبراطورية الكونية تعتمد على أن الدولار هو العملة الأكثر تداولاً في العالم، وأن مؤسسة سك العملة في الولايات المتحدة لها الحق في طباعة هذه الدولارات. وبالتالي يكون بمقدورها تقديم القروض الكبيرة للدول المستهدفة والتي لا تستطيع سدادها، وهي تعلم ذلك وتريد ذلك، وذلك بغرض السيطرة وبسط نفوذها على هذه الدول. ويشير "بركنز" بأن هذه السياسة ستفرغ في النهاية الخزينة الأمريكية من أموالها، ولا يوجد دائن يقدم الكثير من ديونه المعدومة، خصوصاً في ظرف الولايات المتحدة الغير طبيعية. فهي تقوم بطبع المزيد من الدولارات الغير مغطاه برصيد من الذهب، وغير مؤمنه بأي شيء سوى بالثقة في اقتصاد الولايات المتحدة القوى وقدرتها على تجيش العسكر وتنظيم ثروة الإمبراطورية التي خلقتها من أجل دعمها.

إن قدرة الولايات المتحدة على تقديم القروض الغير مستردة سيجعلها تقع في عبئ اقتصادي وتزداد عليها الديون للأخرين الذي تجاوز في مطلع العام 2003م 6 ترليون دولار ، ومرشح لأن يصل في نهاية العام إلى 7 ترليون دولار، وهذا يعني أن كل مواطن أمريكي مدان ب 24 ألف دولار، وكثير من هذه الديون التي اقترضتها الولايات المتحدة هي لليابان والصين. ويضيف "بركنز" بأنه طالما بقي الدولار هو العملة المتداولة عالمياً فلا خوف من هذه الديون، وخشية الولايات المتحدة هو لو أنه لم يعد الدولار هو العملة الوحيدة المعتمدة دولياً، وحاولت الدول الدائنة استرداد ديونها بعملة أخرى كاليورو مثلاً، فسيكون الموقف في الولايات المتحدة كارثي وينذر بالخطر على وجودها.

في موضع سابق ذكر " جون بركنز " بأن قرار الحرب على العراق قوبل بحماسة شديدة في أوساط شركات الهندسة والشركات التجارية الكبرى، ورفعت أسهم الرئيس بوش بين الأوساط الشعبية، وهذا يؤشر إلى مدى الفائدة والعوائد المالية التي ستعود على هذه الشركات من عقود إعادة الإعمار للعراق بعد انتهاء الحرب فيها. ويضيف هنا أيضاً بأنه وفي أثناء تصفحه لصحيفة النيويورك تايمز لفت نظره مقال يفيد بأن إدارة بوش قد منحت مجموعة شركات بكتل سان فرانسيسكو أول عقد كبير بعد الحرب مباشرة لإعادة بناء العراق، وأن العراقيين سيعملون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي يقعان تحت النفوذ التام للولايات المتحدة. ويذكر أيضاً بأن المقال في أحد فقراته تحدث عن علاقة شركة بكتل بكل من العراق ومؤسسة الأمن القومي الأمريكي، وما ورد بهذا الخصوص في المقال : " تحتفظ شركة بكتل بعلاقات طويلة الأمد مع مؤسسة الأمن القومي، فأحد مديريها هو جورج شولتز Georgye P. Shultz وقد عمل وزيراً للخارجية أثناء حكم الرئيس رونالد ريجان، وقبل أن ينضم شولتز إلى إدارة ريجان كان قد تولى رئاسة الشركة بعد أن خدم فيها لفترة كبيراً للمستشاريين. وقد عمل شولتز مع كاسبر وينبرجر الذي عمل بدورة رئيساً تنفيذياً في مقر الشركة في سان فرانسيسكو قبل أن يعين وزيراً للدفاع. وقد عين الرئيس بوش ريلي بكتل Riley P. Bechtel الرئيس التنفيذي للشركة عضواً في مجلس التصدير القومي. ويؤكد بأن ما يجري في العراق يدل على الاندفاع الكبير باتجاه تحقيق الإمبراطورية الكونية التي عملنا عليها كقراصنة اقتصاد منذ أكثر من 35 سنة.

يريد " بركنز " هنا أن يوصل للقراء بأن ادعاءات إدارة بوش بأن العراق كان يشكل تهديداً للأمن والسلم في المنطقة ويدعم المنظمات الإرهابية في العالم، ويطور أسلحة دمار شامل، هي ادعاءات كاذبة ولا أساس لها من الصحة، إذ أنه يقول في موضع أخر بأنه كان بوسع صدام أن يبقى في منصبه لو أنه لعب نفس اللعبة التي لعبها آل سعود، وكان سيحتفظ بصواريخه ومنشأته الكيمائية، وغيرها مما كانت ستبنيه الشركات الأمريكية، إذا ما عقد صفقه مع الكوربوقراطية، وعندما يتولى رجالنا مسؤولية تحديث وصيانة تلك المنشئات.

ويضيف "بركنز" بأن وسائل الإعلام قد مارست علينا عبر عقود طويلة التضليل الممنهج واخفت عنا حقيقة الإمبراطورية المعاصرة، والكوربوقراطية المستغلة للبشر البائسين، ويقول: [انهم جعلونا نصدق الأسطورة الخادعة التي تفيد بأنه بعد تجربة الأف السنين من التطور الاجتماعي البشري نجحنا في تطبيق النظام الاقتصادي المثالي. ويؤكد بأنه في الحقيقة قد باعوا لنا مفهوماً زائفاً وقبلناه كمسلمة، واقنعنا انفسنا أن كافة اشكال النمو الاقتصادي نافعة للإنسانية، وأنه كلما زاد النمو عم الرخاء، وأن متلازمة هذا المفهوم فعالة اخلاقياً.

ويوضح هنا "بركنز" بأن هذا المفهوم ومتلازمته قد استخدم لتبرير كل طرق القرصنة، ومنحت الرخص لأغتصاب وسلب ونهب الأبرياء في إيران وبنما وكولومبيا والعراق، وغيرها من الدول، وانتعش سوق قراصنة الاقتصاد والثعالب والجيوش بمقدار قرتهم على إظهار كفايتهم في ممارسة أنشطة تخلق نمواً اقتصاداً.

الخاتمة

خلاصة القول كما يقول "بركنز" رُبَ سائل بعد انتهائه من قراءة هذا الكتاب يتساءل، ما الذي يمكن فعله لوقف الكوربوقراطية وإنهاء هذه الإمبراطورية الكونية المجنونة المدمرة لذاتها؟ ويضيف بأنه برغم ما قد تبدو مقالات الكتاب قديمة لكن يجدر بالقارئ تجاوز تاريخ كتابتها واعتبارها نموذجاً للنظر بعين فاحصة ونقدية لما يرد ما بين السطور وانت تقرأ الأخبار في الصحف أو تسمعها عبر الإذاعات أو التلفزيونات، وتدقق في معاني الكلمات وما تهدف إليه. وتجدر الإشارة هنا بأن "بركنز" يخاطب المواطن الأمريكي، وهو يؤكد بأن وسائل إعلامهم سواء كانت صحف ومجلات ودور نشر ومرئيات جميعها تمتلكها وتستغلها شركات عالمية متحدة وعملاقه، وهي جزء من الكوربوقراطية، كما أن المسؤولين والمديرين الذين يسيطرون على كافة وسائل ومنافذ الاتصال يعرفون مواقعهم جيداً وقد علمتهم التجارب أن إحدى أهم متطلبات وظائفهم تكمن في إطالة عمر النظام الذي ورثوه، وتدعيمه وتوسعته. وقد ذكر في هذا السياق عدد من وسائل الإعلام ومن يمتلكها مثل: شبكة NBC، وشبكة ABC، وCBS، CNN .

ويطرح "بركنز" مجموعة من الأفكار يعتقد بأنها قد تساهم في الإجابة عن تساؤله، منها على سبيل المثال:

  • خفض استهلاك البنزين، ويبرر ذلك بان استيراد الولايات المتحدة من البترول قبل غزو العراق الأول في العام 1990 كان 8 ملايين برميل بترول، بعد الغزو الثاني في 2003 زاد الاستيراد 50% أي وصل إلى 12 مليون برميل بترول.
  • ممارسة القراءة أو لعب الرياضة بدل التسوق، والاقتصاد في حجم البيت والدواليب والسيارة والمكتب .... الخ
  • ممارسة الاعتراض على اتفاقيات التجارة الحرة، وضد المصانع التي تستغل عمالها البؤساء، وضد تخريب البيئة ...الخ.

مازال "بركنز" كونه ابن النظام الرأسمالي ومتأثراً بمفكري الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على طرح ما يستوجب عمله من أجل التخلص من هذا النظام الذي تجرد من كل القيم الإنسانية وتجاوز كل القوانيين الدولية كي يبقى محافظاً على وجوده وصناعة امبراطوريته التي ستهيمن على العالم بأسره، ومازال يرى بأن هناك أملاً كبيراً في النظام الحالي، وأنه لا يوجد خطأ متأصل في البنوك والشركات الكوربوقراطية والحكومات، ولا في الذين يديرونها، ومن المؤكد أنهم ليسوا مضطرين لتشكيل كوربوقراطية، وأن المشكلات التي تواجه الشعب الأمريكي ليست نتيجة مؤسسات ماكرة، بقدر ما تنبثق عن إشاعة مفاهيم مضللة عن التطور الاقتصادي. ويضيف بأن الخطأ لا يكمن في المؤسسات نفسها، بل في إدراكنا ( لا أعرف إن كان يقصد هنا هو والقراصنة الاقتصادين الأخرين أم المواطن الأمريكي) بطريقة عملها وتفاعل المؤسسات مع بعضها البعض، والادوار التي يلعبها المديرين في هذه العملية.

من المؤكد أن "بركنز" في هذه الرؤية التي طرحها يناقض ما دونه في كتابه منذ البداية وحتى النهاية، حيث أشار في أكثر من موضع في الكتاب ومما ذكرته في هذا العرض الموجز بأن هناك استهداف مدروس ومتعمد من قبل النظام الحاكم لبناء امبراطورية كونية وأن كافة اقطاب النظام الفاعلين هم مدراء متنفذون سابقون في الشركات الهندسية والتجارية الكبرى التي تعمل على مستوى العالم والتي ذكرنا بعضاً منها في سياق هذا العرض. وأن كل من خالف طموحاتهم من رؤساء دول تم التخلص منهم واطاحتهم إما بالقتل أو بالتظاهر وقلب أنظمة حكمهم، وكانوا داعمين رئيسيين لكثير من الإرهابيين في العالم ومن بينهم أسامة بن لادن في أفغانستان، ومساندين ومشجعين للدول التي تدعم وتمول الإرهابين.

ويسجل "بركنز" أحلامه في عالم افضل لو أن هذه الشركات الكبرى تخلت عن طموحاتها في بناء كوربوقراطية، وأنه لن يكون ذلك اصعب من صعود الانسان على سطح القمر أو تحطيم الاتحاد السوفيتي (سابقاً). وهذا حلم لن يحققه له نظام تجاوز مرحلة الامبريالية في جشعه وقذارته. حيث يعتقد "بركنز" بأن هناك العديد من الفرص لو تم انتهازها لاستطاعوا توفير طعام ومياه تكفي الجميع، ودواء لعلاج الامراض والأوبئة التي تفتك بملايين البشر كل يوم، وخلق أنظمة مواصلات يمكنها توصيل اساسيات الحياة لأبعد مكان في الأرض. ويضيف بأنه بإمكانهم نشر الثقافة وتقديم خدمات الانترنت التي تتيح لجميع سكان الأرض التواصل معاً .