Menu
حضارة

أبو علي حسن يكتب للهدف : انتفاضة الحجارة ...وتعميق الوعي بالحق الفلسطيني

ابو علي حسن

الانتفاضة (3).jpg

خاص بوابة الهدف

حين انطلقت "انتفاضة الحجارة" عام 1987, بدت كأنها نبوّة جديدة تبشّرنا بقرب الحرية والاستقلال من نير الاستعمار, بدت وكأنها شقّت أفقاً جديداً للنضال الوطني الفلسطيني بل هي كذلك, اعتلت مساحة جديدة من الفعل الوطني والكفاحي والشعبي, بعد أن ضاقت مساحة فعل الثورة الفلسطينية في الخارج إثر خروج قواتها من لبنان عام1982,كنا أمام ولادة جديدة للفلسطيني القادم, ولادة جديدة لثورة مختلفة, أطلقنا عليها انتفاضة, كانت تحمل من المعاني والدلالات والأبعاد ما يفوق الوصف, فقد شكّلت انقلاباً نوعياً في الممارسة والحس الشعبي والكفاحي في مواجهة الكيان.

كنا نحن أمام بنية جديدة للمقاومة والثورة, فكراً سياسياً مختلفاً توّج بشعار "الحرية والاستقلال".

رموز وطنية.. تقاتل

لطالما كانت البندقية رمزاً لعنفواننا وثورتنا المعاصرة, وأغنيتنا وأشعارنا وزينة الرجال, فإذا نحن أمام رموز جديدة استولدتها الانتفاضة, رمزية الحجر والمقلاع, لقد عشقنا الحجر, وعشقنا المقلاع, وحوّلنا هذه الرموز إلى قوة مقاتلة, وخلقنا لها روح وطنية تناجي الإنسان الفلسطيني في كل مكان, وضعنا حجرنا في المتاحف, وعرضنا صوره في كل القاعات وهو محمول على أكفّ الأطفال والعجائز, فكما حملنا البندقية على كاهلنا, التقطنا الحجر من هنا و هناك, وقذفناه ولوحّنا به, ثم زرعناه من جديد كي نحصد من جديد.

لا يجوز التبسيط أو الاستهانة برموز انتفاضة الحجارة, فأبعادها الوطنية والنفسية والإعلامية والثقافية كانت أعمق بكثير من "مقاربة البندقية والحجر" هذه الرموز سجلت رسالة نفسية إلى الكيان, بأننا نقاتلكم من تراب الأرض التي نسكنها ونعيش عليها, نتفوق عليكم في الشجاعة والإقدام, حجرنا هو المعادل لـ (M.16) نقاتلكم بأضعف الإيمان، وكانت تلك الرموز أقوى من الرصاص وأسلحة العدو وعملت مع الأغاني والأشعار على هزيمة الحرب الإعلامية والنفسية للكيان كما عملت على تأجيج المشاعر والحماس لدى مختلف فئات الشعب الفلسطيني والعربي.

وهنا انتقلت الرمزية من البندقية التي طالما تغنّى بها التراث الفلسطيني, إلى رمزية الحجر الذي حفر لنفسه موقعاً في تراثنا الوطني واخترق المجال الإعلامي في كل بلاد العالم برغم غياب فضائيات اليوم.

تحولات في الدور والمكانة

لقد أحدثت انتفاضة الحجارة نقلة نوعية في الثقل الشعبي الملتف والفاعل مع الثورة, فقد دخلت المقاومة الشعبية في ميدان المواجهة من عنصر الشباب والشيوخ والمرأة والأطفال, ومؤسسات إعلامية واجتماعية وحقوقية وصحية وتعليمية في سيمفونية واحدة تهتف للحرية والاستقلال, وكلٍ يحفظ دوره ومكانه في المواجهة, في حين أن فصائل الثورة الفلسطينية كانت ترتكز على نخبويتها وعلى كادرها العسكري وقواها المسلحة والمتواجدة على حدود فلسطين في الأردن أو لبنان, مع تهميش الدور الجماهيري والشعبي في المواجهة، هذه النقلة أسّست لمنطق جديد في مواجهة الكيان, منطق ممارسة كافة أشكال النضال, وليس الكفاح المسلح وحده, وأسّست لأهمية دور الشعب في المسيرة التحررية, كحامي ومتمّم لطريق الكفاح المسلح.

كما عبّرت الانتفاضة عن مفاهيم رؤيوية وسياسية في النظرة إلى الداخل ودوره ووظيفته فقد درجت فصائل الثورة على القول أن الداخل هوالرديف, وأن الجبهة الوطنية الموحدة التي لم يستكمل بناؤها ليست إلا ذراع وظيفية لدى (م.ت.ف)....هنا انتفاضة الحجارة أزاحت هذا المفهوم وهذه النظرة الضيقة, وتحول الكل إلى اعتبار أن الداخل هو مركز الثقل في المواجهة, وأن الخارج هو الداعم, و (م.ت.ف) هي القائد السياسي الذي يوفر كل الدعم السياسي والإعلامي والمالي, واستثمار طاقات الخارج لصالح الداخل المنتفض.

دور بالخارج متميز

وهنا يمكن القول أن الخارج بما يمثل من مؤسسات (م.ت.ف) قد تحول من قوات مسلحة...إلى بنى سياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية في كل البلدان العربية لدعم الداخل, حيث تحوّل الخارج إلى خلايا فاعلة في لبنان و سوريا وتونس والأردن والخليج من أجل دعم الانتفاضة بالمال, والإعلام والأغنية والشعر...من أجل إبراز الصورة الحقيقية للانتفاضة, وشعارها الناظم في الحرية والاستقلال, ورمزية سلاحها الحجر والمقلاع, وغدت الانتفاضة الشغل الشاغل للخارج بكافة فصائله وقواه المنظمة والغير منظمة, وأضحت الانتفاضة اصطلاحاً عالمياً يلفظ كما هو في كل اللغات الأخرى وله معنى واحد.

وإذا كان مركز الثقل المقاوم قد انتقل إلى الداخل, فالصحيح أيضاً أن الخارج قد فعل الكثير في إمداد الانتفاضة بعوامل الصمود والاستمرار والديمومة....فقد لعبت دائرة شؤون الوطن المحتل دوراً ريادياً وداعماً للانتفاضة بمتابعة الأسرى والمعتقلين والجرحى والدعم المالي, وقام الخارج بتوفير مئات قنوات الاتصال بالداخل على مختلف الصعد, عبر قنوات عربية مجاورة للضفة وغزة, وعبر قنوات أوروبية, ومناطق الـ 48, وتحولت قبرص إلى ملجأ للإعلام الفلسطيني ومراكز الدراسات والاتصال مع الداخل عبر الهاتف والفاكسات, ومحاورة الداخل في كل صغيرة وكبيرة, وأضحى خبر الانتفاضة في كل لحظة حاضراً لدى قيادات ومراكز فصائل المقاومة في ذات اللحظة وأقيمت المهرجانات والندوات, والمسيرات اليومية في البلدان العربية لمواكبة أحداث الانتفاضة, وتشكّلت لجان دعم الانتفاضة في كل مكان, ولعبت مؤسسات اجتماعية وحقوقية بالتعاون مع الداخل دوراً محورياً في إبراز النشاط اليومي للانتفاضة والدفاع عن الأسرى والمعتقلين, وبدا الخارج في حالة استنفار ونشاط يومي لدعم الانتفاضة, الأمر الذي يعني أن الانتفاضة قد وحّدت الشعب الفلسطيني , ووحدت الخارج والداخل , وصنعت مفاهيم جديدة للوحدة والفعل الوطني, وبدا أنّ هناك جسراً حديدياً بين القيادة والشعب... كما أظهرت الانتفاضة وكشفت عن الطاقة الثورية الكامنة في الجماهير الفلسطينية والتي أصبحت متسلحة بالوعي واليقظة وأكثر تفهماً لطبيعة العدو الاستيطاني.

جدل سياسي وفكري ومفاهيمي

وفي سياق مفاعيل الانتفاضة, فقد أحدثت نقلة نوعية أيضاً في الفكر السياسي والجدل المفاهيمي, والرؤى السياسية , وأخرجت الجدل من الرتابة الحزبية والمواقف المتوهمة وأقانيم الفكر السياسي التي لا تبتعد عن ثلاثية الشعار المركزي, حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة ...إلى جدل الواقع وتأملاته, وأسئلته, وألقت كم من الاسئلة المحيّرة, والمتعلقة برؤية الانتفاضة ووظيفتها.

هل تستطيع الانتفاضة أن تقوم بوظيفة التحرير...؟؟ وما هي حدود وظيفتها...؟؟ ما هو دور البندقية في مسرح الانتفاضة...؟؟ ودعمها بالنار...؟؟ هل الانتفاضة قادرة على تحقيق وإنجاز هدف الدولة...؟؟ هل أضحى خيار الدولة الفلسطينية خياراً واقعياً...؟؟ هل تملك الانتفاضة استراتيجية طويلة الأمد تحفظ ديمومتها...؟؟ أم هي حركة عفوية...؟؟ وهل لحركة عفوية أن تستمر ستة سنوات...؟؟ وهل التعاطف والالتفاف الشعبي العربي يمكن أن يتحوّل إلى مواقف سياسية حقيقية من قبل الأنظمة...؟؟ ما هو دور شعبنا في الـ 48...المشاركة أو التضامن والمساندة...؟؟ وقد استمر هذا الجدل وطرح هذه الأسئلة سنوات...ومرجل الانتفاضة يشتعل من مكان إلى مكان...

بيد أن عوامل الصد في مواجهة استمرار الانتفاضة, كانت من القوة ما أضعف الانتفاضة وجعل فعلها يتلاشى شيئاً فشيئاً, إلى أن توقفت تاركة وراءها كم هائل من الدروس والدلالات.

إن عظمة هذه الانتفاضة التاريخية تكمن في طول زمانها, فهي أطول انتفاضة في التاريخ الفلسطيني, كما أن سيرورتها واجهت أحداث جسام, فقد مرّت حرب الخليج الأولى وما تلاها من تبعات وهزيمة العراق, الذي أثّر كبير الأثر على مكانة ودعم الانتفاضة لا سيما من دول كالعراق و الكويت وغيرهما, حيث انقسم الواقع العربي, وتوقف التضامن عند الانقسام والتشرذم في الحالة العربية, كما مر على الانتفاضة الانهيار الكبير في المعسكر الاشتراكي, وما ولّده من إحباط كبير وتراجع في مكانة اليسار الفلسطيني والعربي ومن ثم في دعم الانتفاضة.

اغتيال ونقوص سياسي

غير أن أكبر الأخطار التي واجهت الانتفاضة العظيمة في مساحة فعلها الميداني والسياسي والإعلامي واختراقها للفضاء العالمي, كان الخطر القادم من العقل السياسي للقيادة الفلسطينية في الخارج, الذي أراد أن يستثمر الانتفاضة في العملية التسووية, ظناً منه بأنه قد آن الأوان لقطف ثمار الانتفاضة, وتحقيق ما هو متوهّم من دولة فلسطينية عبر تسوية ممكنة يرعاها المجتمع الدولي, فكان مؤتمر مدريد, الذي شكّل منعطفاً حاداً في التطبيع مع الكيان...والذي أسّس بدوره إلى اتفاق أوسلو, والذي وضع حداً لانتفاضة الحجارة, ليبدأ مشهداً جديداً يكتسي حراكاً سياسياً مختلفاً ونقيضاً لكل ما أسسته الانتفاضة من معاني ودلالات وأهداف...وتكتشف القيادة الفلسطينية التي وقّعت أوسلو, وتوهّمت بأنها قادرة على استثمار فعل الانتفاضة...أنها لم تقبض إلا هواءً وفراغاً...مما دفعها لأن تتجاوب مع الحالة الشعبية الفلسطينية وفشل التسوية...وتبدأ في الإعلان عن انتفاضة الأقصى الثانية...ويبقى السؤال المحوري...لماذا اغتيلت انتفاضة الحجارة ...؟؟ وكيف...؟؟

وعليه فقد فقدت الانتفاضة (الحماية السياسية) وهو الشعار المركزي الدائم آنذاك في مواجهة المؤامرات الصهيوأمريكية لإجهاض الانتفاضة، وتالياً دمرت الركيزة التنظيمية التي طالما قادت الانتفاضة باقتدار.

يبقى أن انتفاضة الحجارة تركت وراءها قدر هائل من الدروس والعبر...وأثرت تراثنا الوطني الفلسطيني بما يؤكد على إصرار شعب فلسطين على حقه...ويستحق حقه...في العودة والتحرير...كما أحدثت نقلة نوعية في الوعي الفلسطيني تجاه حقه ووطنه...هذا الوعي الذي راهن على كسره وزير الدفاع الاسرائيلي في الانتفاضة الثانية بعبارته الشهيرة "كي الوعي الفلسطيني" بيد أن الوعي الفلسطيني لا زال هو عامل ومفجّر الانتفاضات والثورات...ويتعمق...ويتأصّل ويؤسس لمزيد من النضال الوطني.

ولعل من أهم هذه الدروس, أن القيادة الثورية والقادرة, والمالكة لرؤية واضحة لمآلات نضالها, هي شرطاً ضرورياً لتحقيق النصر, وأن قيادة ضعيفة في بنيتها السياسية والفكرية وفاقدة لنظرية الصراع مع الكيان, هي مدمّرة للنضال الوطني.