Menu
حضارة

قضية عمر النايف.. ونفاق منظومة العدالة السائدة

بوابة الهدف

٢٦/فبراير/٢٠١٦ استشهد المناضل الفلسطيني في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عمر النايف، حيث تم اغتياله داخل السفارة الفلسطينية في بلغاريا، عمر كان قد أمضى فترة في الأسر على خلفية طعنه لمستوطن صهيوني في العام ١٩٨٦ قبل أن يتمكن من الفرار من أسر العدو ١٩٩٠، ثم التنقل بين عدة بلدان وصولًا لبلغاريا التي استقر فيها مواصلًا مشواره النضالي في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قبل أن تعود سلطات الاحتلال الصهيوني لمطالبة الحكومة البلغارية بتسليمه لها في العام ٢٠١٦، وهو ما اضطر عمر للجوء لسفارة فلسطين، هذه حقائق معروفة ولكنها ضرورية للخلوص لعدد من النتائج الأساسية في هذا المقال، الأولى وهي أن عمر حين نفذ عمليته كان مناضلًا يمارس حق شعبه في مقاومة الاحتلال وهو الحق الذي تجيزه القوانين والشرائع الدولية، وحين تمكَّن من كسر قيود المحتل والفرار من أسره فإنه أيضًا كان يواصل ممارسة حقه في مقاومة الاحتلال ورفض أنماط الاحتجاز غير الإنسانية المفروضة على أسرى الحرب الفلسطينيين لدى هذا المحتل الغاصب، بل إن محاولة الفرار من قبل أسرى الحرب ليست جريرة يعاقب عليها أي قانون أو شريعة دولية وإنسانية، فالأصل أن هذا الاحتجاز غير قانوني وغير إنساني، الحقيقة الأخرى أن عمر حين تعرض للملاحقة و الاغتيال لم يكن منخرطا في عمل قتالي أو يخوض اشتباك في ساحة المعركة الحربية مع العدو الصهيوني، ومع ذلك فقد أباحت السلطات البلغارية لنفسها ملاحقته استجابة لرغبة كيان غير شرعي يمارس جريمة الاحتلال ويضاعفها بجريمة الملاحقة.

صمت وتواطؤ

بعد أكثر من عامين على اغتيال عمر النايف لم تتم ملاحقة القتلة أو معاقبتهم، والسلطات البلغارية التي أباحت لنفسها ملاحقة عمر دون أن يرتكب  أي مخالفة لقوانينها، لم تقم بواجبها القانوني بملاحقة القتلة، بل مارست كل ما يمكن من تضليل للتستر على القتلة، وكليهما أي السلطات البلغارية أو القتلة الذين اغتالوا الشهيد عمر، لم يتعرضوا لأي ملاحقة قانونية على الصعيد الدولي، بل لم تصدر أي إدانة تذكر لعملية الاغتيال من تلك الدول التي تهيمن على عالمنا،  لم يطل الوقت حتى كانت المنظومة الدولية أمام اختبار جديد يتعلق باغتيال مواطن سعودي بعد دخوله لسفارة بلاده (أكتوبر ٢٠١٨)، تسارعت الإجراءات الدولية، بدءًا من التنديد وصولًا إلى اتخاذ الكونغرس الأمريكي وهو طرف غير ذي صلة قرار يحمل فيه مسؤولية اغتيال جمال خاشقجي لولي العهد السعودي، مرورًا بمواقف الاتحاد الأوربي التي أصدرها بهذا الشأن والمساومات التي عقدتها دوله في هذا الملف، ذات الاتحاد الذي وقعت جريمة اغتيال عمر النايف على أراضي إحدى دوله ولم ينبس ببنت شفة.

تاليًا، في قضية خاشقجي، أصبح لدينا هنا مخرجات ملموسة للموقف الدولي، اتهام وإقرار بوجود الجريمة؛ تحقيق تجريه السلطات التركية وتصدير لاتهامات واضحة ثم مصادقة على هذا الاتهام من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، واستعداد دولي لتدفيع السعودية ثمن "جريمتها". وصحيحٌ أن هذا الثمن سيتم دفعه من حقوق شعبنا العربي الواقع تحت حكم آل سعود، ولكن المفارقة تكمن في طبيعة التعامل الدولي مع كلا الحدثيْن. والأنكى هنا، أن هذه المفارقة تطال مناضلًا لأجل حرية شعبه يستحق من البشرية الاحترام والتقدير الذي ناله كل مقاتلي الحرية عبر التاريخ. بين عمر الإنسان الوفيّ لشعبه وأرضه وللقيم الإنسانية الأكثر نبلًا، كرجلٍ وقف في وجه المشروع الصهيوني وضحى لأجل عالمٍ أفضل تغيب عنه الصهيونية الفاشية العنصرية، في مقابل جمال خاشقجي ربيب النظام السعودي الذي طالما لعب أدوارًا في منظومة القهر السعودي للشعوب، والمؤيد بوضوح للنزعة الطائفية الإجرامية لهذا النظام، والساعي لتصدير هذه النزعة للبلاد العربية وتمكينها من رقاب شعوبها.

أبواق القتلة

منظومة الإعلام العربي لم تجد في استشهاد عمر النايف الذي استشهد في إطار الصراع العربي مع العدو الصهيوني دفاعًا عن قضية العرب المركزية إلّا خبرًا غطّته لمامًا ثمّ تهرّبت منه، فيما ضخت ذات المنظومة آلاف ساعات البث لقضية اغتيال جمال خاشقجي، بعضها انفق فعلًا مئات ملايين الدولارات للحفاظ على تسخين قضية خاشقجي وتصدّرها لنشرات الأنباء وعناوين الصحف، وليس التندّر الشعبي على قناة الجزيرة إلا مثال بسيط على هذا؛ فهي فعلًا تستحق مسمى (قناة خاشقجي)، حالها كحال عشرات القنوات والمنابر الإعلامية الممولة قطر يًا. وهذا أيضًا حال المنظومة الإعلامية الطائفية المحسوبة على الإسلام السياسي، التي تهربت من نقد ممارسات النظام السعودي طويلاً؛ مجازره في اليمن لم تكن ذات اعتبارٍ، وكذلك تمويله للقتلة الطائفيين في كل مكان من عالمنا العربي، فقط ما غيّر الدفّة لدى هذه القنوات والمنابر هو صدور القرار الأميري القطري بفتح النار الإعلامية على السعودية مصحوب بالتمويل اللازم والمكافآت المُجزية لكتَبة منظومة إعلامية لا تجد ما تفعله حقًا إلا تأجير ذاتها لمن يدفع، شريطة أن يتوافق مع هواها الطائفي. الأسوأ في هذه المنظومة أنها شغلت منابر وأقلام فلسطينية، بل ولا نتجاوز إذا قلنا أنها شغلت فرعها الفلسطيني في هذه المسرحية الهزلية.

الإعلام الدولي لم يكن أفضل حال في تعبيره عن تطابقه مع منظومة المصالح الدولية المهيمنة، فأفردت الصفحات والشاشات لتكيل المديح وتستذكر مناقب الصحفي المخابراتي كما لو كان حامي حمى حقوق الإنسان في عالم اليوم؛ فالمباراة بين فريقيْ إعلام سلالات القهر الحاكمة في الخليج العربي لم تقتصر على منابرها الرسمية وما اشترته من كتبة عرب، بل امتدت لتشمل منابر إعلامية مرموقة حول العالم، أجرت صفحاتها ونشرت المقالات الممولة استثارة لقضية خاشقجي.

نحو الحقيقة

دون تعديل للتوازن الدولي المختل حاليًا لا أمل حقًا بالإنصاف لشعوب الأرض، ولا أفق لنضالات الحرية إذا لم تتّحد قوى التحدي لإمبراطورية الهيمنة والنظام العالمي الذي شيدته، تلك حقيقة نعلمها يقينًا نظريًا لكننا نتهرب منها في الممارسة، والأهم اليوم أن هذه القوى الحية عليها أن تتعامل مع حقيقة هذا العالم، ببناه القانونية الداخلية منها والدولية بوصفها أدوات للتعامل الانتقائي وإدامة الهيمنة والقهر بكافة أشكاله، فهناك مهمات حقيقية لبناء الإعلام البديل كمفهوم نضالي ومهني، اعلام ينحاز للجماهير في وجه المصالح و للقضايا العادلة في وجه الطغيان، يستند للجماهير و لقدراتها الخلاقة في مواجهة المليارات من الدولارات التي يجري ضخها لطبقة من الكتبة والإعلاميين المرتزقة حول العالم يحيلون الحق باطلا والباطل حقا، وأن علينا أن نبحث عن تحقيق العدالة بايدي القوى الثورية الجادة، والشروع في بناء منظومة العدالة البديلة التي تحاسب مجرمي هذا العالم نظمًا وأفرادًا وتنصف الشعوب والضحايا.

إلى حينه، تبقى أمانة المواجهة والثأر للضحايا والشهداء مهمة علينا أن نقاتل لأجلها، في كل ساحة يتواجد فيها الطغاة وفي كل موضع تطل فيه المنظومة الامبريالية بأنيابها، علينا أن نقاتل كي لا تبقى الولايات المتحدة سقفا لهذا العالم، ولكي ننتزع حقنا في الحياة، وحتى حقنا في كتابة بضعة سطور وفاء للشهيد عمر النايف وغيره من شهداء فلسطين وشهداء الانسانية الذين قضوا كي يكون لنا مكان في هذا العالم.