Menu
حضارة

باقون هُنا..

العراقيب تُحارب وحدها.. والسلطة "لا حياة لمن تُنادي"

غزة _ خاص بوابة الهدف

تواصل قرية العراقيب الفلسطينيّة مواجهة الاحتلال بجرافاته وجنوده ومؤخرًا محاكمه، وذلك بكلّ إمكانيات سكّانها الذين يواجهون بشكلٍ يوميّ خطر التهجير والسجن، وفي رأس حربة هذه المواجهة، يقفُ شيخُ العراقيب "صياح الطوري" الذي دخل يوم الثلاثاء 25 ديسمبر 2018، سجون الاحتلال، لأنّه فقط رفض مغادرة أرضه.

واعتُقل "أبو عزيز" في سجون الاحتلال ليقضي حكمًا بالسجن 10 أشهر، بعد قرار المحكمة "الإسرائيلية" في ديسمبر 2017، بحجة رفضه مغادرة أرضه في قرية العراقيب، التي تواصل سلطات الاحتلال إخلائها وهدمها وتهجير سكّانها بين حينٍ وآخر.

وتعرّض شيخ العراقيب لعدّة محاكمات هو وأفراد عائلته، حاله كحال سائر عائلات العراقيب، وقد واجهَ ما يقارب 40 تهمة قضائية، منها 19 تهمة متعلقة بـ"الاعتداء على أراضي الدولة"، و19 تهمة متعلقة بـ"اقتحام أرض عامة خلافا للقانون الإسرائيلي"، بالإضافة إلى تهمة واحدة متعلقة بـ"خرق أمر قضائي".

وتعقيبًا على قرار السجن، قال القيادي في حركة أبناء البلد أبو أسعد كناعنة إنّ "دخول رجل كبير بالسن وشيخ عشيرة السجن بتهمة وحيدة وهي رفضه مغادرة أرض آبائه وأجداده، وإصراره على المكوث فيها مع عائلته وأهله، أمرٌ مستهجنٌ".

وبيّن كناعنة لـ "بوابة الهدف الإخبارية"، أنه "حتى آخر لحظة قبل تسليم نفسه كانت سلطات الاحتلال تستميت في الضغط على الشيخ الطوري وتقديم الإغراءات له، ومنها قطعة أرض بديلة ومنزل وأموال وتسهيلات أخرى مقابل الخروج من أرضه، لكنّه رفضها جميعًا وأصرّ على التمسّك بأرضه لآخر نفَس، إيمانًا منه بأنّ الأرض تُساوي العرض".

وخرجت مسيرة شعبية كبيرة بمشاركة فصائلية، رافقت الشيخ صيّاح الطوري من أرض العراقيب إلى سجن الرملة حيث يُنفد القرار الصهيوني، و تظاهر أمام السجن مئات الفلسطينيين من مختلف أنحاء الأرض المحتلة، رفضًا للقرار.

ووصف كناعنة "أبو صياح"بأنّه إنسان بسيط، لم يتخرّج من جامعات أو مدارس حزبية وغيرها، لكنّه حاد وصلب في مواقفه الوطنية وارتباطه بأرضه، ليُصبح مدرسةً ورمزًا نضاليًا في الصمود والتحدّي والمواجهة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 بشكلٍ عامٍ وفي النقب شكل خاص.

العراقيب.. قصة نضالٍ راسخة ومستمرّة منذ عقود

وتُواجه قرية العراقيب التي هُدمت سابقًا، والمُهدّدة بالهدم، محاكمات ومخالفات وغرامات مالية وصلت لملايين الشواكل. ووفقًا لكناعنة فإنّه "يتم دفع المبالغ من التبرعات الشعبية، ومن عرق جبين وكدّ أهل القرية، للمحاكم الصهيونية وبعض المحامين الذين يعملون بمقابل مادي".

عزيز الطوري (ابن شيخ العراقيب) الذي حدّثنا من أمام المحكمة الصهيونية، أخبر "بوابة الهدف" أنّ سلطات الاحتلال تُطالبه والعائلة "بدفع غرامة مالية تُقدّر بنحو 150 ألف دولار أمريكي، منها تكلفة الآليات والقوات التي تُنفذ عمليات الهدم في العراقيب، ما هذا الظلم؟!"

يقول الطوري "أنا مُستنزفٌ، كل يومٍ في مكانٍ أجري وأُطارد في محاكم الاحتلال وهُنا وهناك".

وأضاف: الأهالي يُقدمون كلّ الدعم، وقياداتنا الوطنية والفصائلية مستنزفة، فكلّ يومٍ تطرأ أحداث أخرى في النقب أو غيرها من المناطق في الوطن المحتل؛ لكن نُطالب بأن تُولى قضية العراقيب الاهتمام الأقصى، هذه القرية التي هُدِمت 137 مرّة

بينما يُضيف القيادي كناعنة في حديثه مع بوابة الهدف "نحن نواجه بصراحة مؤسسة عنصرية لم يشهد لها التاريخُ مثيلًا؛ المؤسسة السياسية والأمنية والقضائية والتنفيذية كلّها مؤسسة واحدة مترابطة تُنفّذ مشاريع بعقلية واحدة، عنصرية فاشية أبشع من النازية".

ويؤكد كناعنة أنّ نضال الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل هو نضال طويل، يعود لعام النكبة 1948، وهو الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها سكّان الداخل في هذه المرحلة، لمواجهة السياسية العنصرية الصهيونية".

سلطة أوسلو.. لا حِراك

أمام ذلك، تغيب المؤسسات الرسميّة ممثلةً بمنظمة التحرير والسلطة التي تنضوي عنها، عن نضال "العراقيب" والقرى الفلسطينيّة المهددة بالهدم في الداخل المحتل. ويقول كناعنة إنّ " المؤسسة الفلسطينية الرسمية لا تقدّم أيّ دعم للشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، لا تقدّم أيّة مساعدة بالمعنى الشعبي النضالي، لا نتحدّث عن المساعدات المالية".

وشدّد كناعنة أنّ الدعم القانوني والدعم الذي يُمكن ممارسته من قبل المؤسسة الرسمية الفلسطينية في الساحة الدولية، غير حاضر في قضية العراقيب، هذه المؤسسة وعلى مستوى قيادة سلطة أوسلو قالت لنا حرفيًا (انزعوا شوككم بأيديكم) في إشارة إلى أننا –بمفهومهم- مواطنون في دولة إسرائيل".

وأضاف القيادي الفلسطيني: "لا يغرّنّكم حديث السلطة الفلسطينية ومسؤوليها عبر الإعلام وغيره بأننا (شعب واحد وقضية واحدة)، هذا كلّه غير صحيح، ولا دعم من السلطة لأهالي النقب وخاصة العراقيب".

ويواصل كناعنة حديثه قائلًا: "في الداخل الفلسطيني المحتل نُواجه الاحتلال بالنضال الشعبي والقانوني، وهذا اشتباك طويل ومفتوح مع الحركة الصهيونية".

من جانبه، ناشد عزيز الطوري البالغ من العمر (44 عامًا) كل قيادات شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات لفضح الظلم الذي تتعرض له العراقيب، والنقب عامةً من قبل الاحتلال. وأضاف "ننُاشد كل من يعتبر نفسه قياديًا بأنّ يُطلِع العالم عمّا يجري هُنا من تطهير عرقي وسلب للأرضي تحت إطار ما يُسمّى بالقانون".

وعن دور السلطة الفلسطينية، يرى الطوري أنّ بيدها الكثير لتفعله، قائلًا "بوزرائها وسفرائها حول العالم، أضعف الإيمان أن تتحدّث عن العراقيب وتفضح انتهاكات الاحتلال بحق الأرض والإنسان في النقب المحتل.. لا أحد معصومٌ عن الكلام".

وقال: "أطالب كل القيادات الفلسطينيّة والأحرار في الوطن والشتات أن يدعم العراقيب بشتّى الوسائل والأشكال، لا تتركوا العراقيب وحيدة الآن، سيّما وأن شيخها صيّاح يقبع داخل سجون الاحتلال الآن".

وللتأكيد على البقاء والصمود في الأرض، أعلن الطوري أنّ سكّان العراقيب سيقومون في نهاية كلّ يوم بإيقاد شعلة الحرية. متابعًا: "لنقول نحن ثابتون هُنا، مزروعون في أرض هذا الوطن كشجره، وهذه فعالية بدأت يوم أمس مع أول أيام أسر الشيخ صيّاح وستستمر حتى تحرر الشيخ".

ولدى عزيز الطوري ستة أبناءٍ، أصغرهم طفلة تبلغ من العمر 6 سنوات، أسماها "عراقيب"، وهي أصغر طفلة في القرية، وقامت يوم أمس بعد اعتقال جدّها بإيقاد الشعلة الأولى المُعلن عنها لتأكيد ثبات القرية وصمودها.

وواجهت قرية العراقيب التي تقطن فيها 22 عائلة فلسطينيّة، الهدم ومصادرة الأراضي من سلطات الاحتلال 137 مرةً، ولا تزال تُواجه الاحتلال مع 45 قرية أخرى يرفض الاعتراف بها، ويمنع عنها الخدمات الأساسيّة من الماء والكهرباء وغيرها، إضافةً للهدم المستمرّ، بحجة أن هذه التجمعات والقرى مُقامة على ما تُسمّيها سلطات العدو الصهيوني "أراضي دولة".