Menu
حضارة

ترامب.. اختار الرهان الصعب

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن صحيفة الخليج

يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ اللحظة الأولى التي وجد فيها نفسه على رأس قائمة المؤهلين للترشح لرئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة عام 2016، أنه ليس من نخبة أي حزب، وأنه ليس فقط من خارج الطبقة الأمريكية الحاكمة وقيادتها؛ بل إنه من خارج الوسط السياسي والثقافي الأمريكي كله. فهو ينتمي إلى عالم آخر، هو عالم رجال الأعمال والمقاولات، وأن علاقته السابقة بالسياسة هي المشاركة في تمويل حملات انتخابية، أو الترويج لمرشح أو لمرشحين، وأن كل غايته من ذلك هو أن يحصل على التسهيلات والتيسيرات التي تجعل مقاولاته رائجة؛ لذلك كان واعياً بأنه يدخل المعركة معتمداً على نفسه، وأنه بحاجة إلى البحث عن قاعدة داعمة من خارج مؤسسة الحكم؛ أي الEstablishment، ووجد ضالته في ركيزتين، الأولى هي الجيش الأمريكي، وتحديداً المميزين من جنرالات الجيش أصحاب السمعة الطيبة بإنجازاتهم وسيرتهم التي تفوق سمعة كثير من كبار ممتهني السياسة، سواء من هم داخل الكونجرس بمجلسيه، أو من هم خارجه؛ لذلك كان نصيب هؤلاء الجنرالات وافراً في إدارته وعلى الأخص في وزارة الخارجية ورئاسة مجلس الأمن القومي، إلى جانب وزارة الدفاع.

أما الركيزة الثانية فهي جماهير الطبقة الوسطى ومن هم دونها، الذين يعانون سطوة تحالف الرأسمالية المعولمة، ومؤسسات التكنولوجيا التي تسيطر عليها احتكارات رأسمالية هائلة عابرة للقوميات.

توجه ترامب إلى هذه الطبقات التي تدفع ثمن عولمة الاقتصاد وبالذات البطالة والغلاء، وحرص على أن يكونوا جنوده الداعمين له، بدلاً من الطبقة السياسية التي تزدريه وتتعالى عليه.

ثقة ترامب في هاتين الركيزتين، وثقته في أنه ليس بحاجة إلى ولاء ودعم أساطين مؤسسة الحكم الأمريكيين، جعله يستنكر أي تلميح بأنه ربما يتعرض للمساءلة والاستجواب من جانب الكونجرس؛ بل إنه ربما يتعرض للعزل، أو على أقل تقدير لن تكون له فرصة في فترة رئاسية أخرى في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2020، بسبب الاتهامات الموجهة إليه، ولعدد من مساعديه بالفساد وانتهاك القوانين، خاصة بعد صدور وثائق تتعلق بمايكل كوهين المحامي السابق لترامب، التي اتهم فيها المحققون الفيدراليون كوهين بدفع أموال لامرأتين عام 2016، مقابل صمتهما على علاقات جنسية مزعومة مع ترامب، ناهيك عن احتمال أن ينال هو شخصياً أي ترامب قسطاً وافراً من التهم التي يحقق فيها روبرت موللر، الخاصة بالتدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح حملة ترامب، خاصة مع اقتراب موعد صدور هذا التقرير.

ترامب اختار الرهان الصعب لمواجهة ما بات يشكل حصاراً معنوياً له، وبالذات بعد صدور حكم بحبس محاميه السابق مايكل كوهين ثلاث سنوات. فقد بادر برفض أي فرصة لمساءلته، وأكد أنه ليس قلقاً من احتمال استجوابه أمام الكونجرس.

ففي مقابلة أجراها ترامب مع وكالة أنباء «رويترز» في البيت الأبيض (12/12/2018)، قال إنه «من الصعب مساءلة شخص لم يفعل أي شيء خطأ، وأوجد أعظم اقتصاد في تاريخ بلادنا»، وأكد أن «الناس سيثورون إن حدث ذلك».

الآن أضحى من المؤكد أن رهان ترامب أخذت تتقاذفه الرياح، وبالتحديد بعد الاستقالة المسببة التي تقدم بها وزير الدفاع جميس ماتيس، اعتراضاً على القرار الانفرادي للرئيس بالانسحاب العسكري من سوريا. فقد تضمنت استقالة ماتيس ثماني فقرات أكد فيها خلافه مع الرئيس حول قرار الانسحاب من سوريا وأفغانستان، وتشديده على ضرورة التعامل باحترام مع حلفاء أمريكا.

كما أكدت مصادر وزارة الدفاع الأمريكية، أن ماتيس اجتمع مع ترامب لمدة 45 دقيقة حاول فيها إقناعه بالعدول عن قراره بسحب القوات من سوريا؛ لما يشكله هذا الانسحاب من أخطار على الأمن القومي الأمريكي، وعندما فشل ماتيس في إقناع ترامب في التراجع عن قراره تقدم باستقالته. وقال: «إن الرئيس يحتاج إلى وزير دفاع يتفق مع آرائه وسياساته».

الواضح أن ترامب خسر باستقالة ماتيس وبإعلان الأخير الأسباب الموضوعية لاستقالته الركيزة الأولى لحكمه وهي الجيش الأمريكي. ولعل أهم مؤشر على ذلك، هو تعيين ترامب لشخص من خارج الجيش على رأس وزارة الدفاع هو باتريك شاناهان، الذي قضى معظم تاريخه الوظيفي بعمله في شركة «لوكهيد» لصناعة الطائرات، وعمل مؤخراً نائباً لوزير الدفاع، مما يعني أن الجنرالات لم يعودوا على وفاق مع ترامب. ولعل هذا ما قد يحفز الكونجرس على تحريك الدعاوى التي تطالب بسرعة استدعاء ترامب لمساءلته، بعد نداء جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق عقب مثوله أمام لجنتين بمجلس النواب، حول تجاوزات ترامب، للمشرعين أعضاء الكونجرس «أن ينهضوا ويقولوا الحقيقة».

عندها لن يكون متبقياً لترامب غير الركيزة الثانية التي بنى عليها طموحاته الرئاسية؛ أي الفئات الشعبية، التي كثيراً ما يحرص على أن يتحدث باسمها. وكم ستكون صدمة ترامب هائلة، عندما يصمت هؤلاء عن الدفاع عنه.