Menu
حضارة

خاصالعسكري والسياسي: جنرالات يريدون غزو الكنيست

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

الجيش الصهيوني هو "البقرة المقدسة" في المجتمع الصهيوني، المؤسسة الأكثر أهمية والتي تحظى رغم كل شيء بإجماع قومي عام، عصية على النقد حتى وقت قريب، وبالتالي ليس غريبا أن تحمل إحدى رايات الجيش "الإسرائيلي" عبارة تقول "في البداية صنع جيش الدفاع الإسرائيلي الجندي والجندي صنع الأمة".

ويرتبط الوعي الصهيوني بأهمية الجيش ومكانته بمفهوم القوة الذي يعتبر مركزيا في الفكر الصهيوني، وعلاقة الجيش "الإسرائيلي" بالمجتمع نابعة من أنه يستمد أيدلوجيته و يستجر قواه البشرية منه ولكنها (المؤسسة العسكرية) لا تلبث أن تعيد إليه تلك الأيدلوجية بعد إعادة صياغتها بصورة خالصة في عملية ترتيب وتدريب وتعليم هدفها خلق (صهيوني) من طراز جديد يتناسب مع هذه الأيدلوجيا النقية التي أعادت المؤسسة العسكرية صياغتها.

ينعكس هذا في حقيقة أن دخول بني عانتز، رئيس الأركان الصهيوني السابق إلى حلبة السياسة ليس جديدا ولا مميزا، إذا علمنا أن 17 رئيس هيئة أركان من أصل عشرين (حتى عهد غانتز) قد عملو في السياسة فعلا، معظمهم في الكنيست، وحازوا مناصب رفيعة في الحكومات، والبعض منهم شغل مناصب سياسية بالتعيين المباشر. وفقط ثلاثة ممن شغلوا منصب رئيس الأركان اختاروا عدم العبور إلى الحياة السياسية.

بالتالي، فإن غانتز ليس طفرة، وإن كان هو من القلائل الذين لاينضمون إلى حزب عامل عبر تأسيسه لحزبه الخاص، وهي ليست التجربة الأولى أيضا فقد سبقه رفائيل إيتان بخوض الانتخابات بقائمة تسوميت المستقلة، دون كبير نجاح وسرعان ما تلاشت، وكذلك أمنون شاحاك الذي أسس (المركز) وأصبح شريك ائتلاف ايهود باراك. وهو حزب تلاشى سريعا، كسابقه كونها أحزاب تمحورت حول رجل واحد وحول الكاريزما العسكرية التي مثلها والتي لاتلبث أن تذوب في مستنقع السياسة.

طبعا، هناك قائمة طويلة من الجنرالات الذين وصلوا إلى سدة الحكم في الكيان الصهيوني، البعض منهم كان ناجحا في الانتقال من العسكرية إلى السياسة، والبعض كان انتقاله معقدا، فيما فشل الكثيرون، وطبعا يبقى هذا الكلام نسبيا، كون الجيش يبقى مؤسسة مركزية في الحكم في الكيان الصهيوني، عبر هيئة الأركان وكبار قادة المؤسسة الأمنية الذين شاركون بفعالية بصناعة القرار الصهيوني الذي يتخذ على الأغلب طابعا أمنيا.

كان يغال آلون هو أول جنرال يصل إلى منصب رئيس الوزراء رغم أن فترته لايمكن احتسابها إذ استمرت شهرا واحدا من شباط/فبراير إلى أذار/ مارس 1969، وكان ذلك بعد وفات ليفي أشكول وبانتظار انتخاب غولدا مائير لزعامة العمل.

لكن ربما يكون هذا الأمر قد فتح الباب واسعا أمام العسكريين، إذ بعد مائير جاء اسحاق رابين كأول جنرال يتولى المنصب بشكل كامل ولمدة طويلة ما بين 1974-1977، عندما أطاح به مناحيم بيغن، الذي لم يكن جنرالا بشكل رسمي ولكنه أسس منظمة عسكرية إرهابية (الإرجون) وقادها حتى تم حلها لاحقا، وخلفه في المنصب إسحق شامير، الذي كان رئيسا للموساد، وقبلها أسس منظمة ليحاي الإرهابية شبه العسكرية، فهو أيضا جنرال بدون نجوم كما هو حال بيغن.

كان لقب الجنرال عقدة شمعون بيريس، ولكنه لعب أيضا أدوار أمنية هامة أبرزها تأسيس البرنامج النووي، والعمل في الموساد ومشاركته في قيادة الهاجاناة، أيهود باراك، العائد إلى السياسة، وصل إلى أعلى رتبة في الجيش، وعمل فيه لـ35 عاما، أيضا أريل شارون جنرال آخر بتاريخ عسكري وإرهابي طويل وصل إلى رئاسة الوزراء رغم أنه لم يحظ بالوصول إلى سدة المجد العسكري الصهيوني بتسنم منصب رئيس الأركان، ويختلف الأمر مع أولمرت الذي قضى 8 سنوات في الجيش دون الوصل إلى رتبة معتبرة.

بنيامين نتنياهو يعتبر علامة فارقة، وهو من أحدث صورة جديدة لرئيس الحكومة الصهيونية، فهو ليس عسكريا مهما، بل خرج من الجيش برتبة رقيب، ولكن قدراته الجماهيرية وحنكته السياسية ووصوليته وذكاؤه مكنته كلها من الحكم فترة طويلة جدا. إلى جانب هؤلاء هناك عسكريون فشلوا في اختبار السياسة، والكثيرين أيضا تبوؤوا مناصب وزارية هامة وكذلك العشرات منهم كانوا أعضاء في الكنيست بسبب حرص الأحزاب على تطعيم قوائمها بالعسكريين والأمنيين لاجتذاب الجمهور الذي يعتبر الجيش بقرة مقدسة. على سبيل المثال ضمت الحكومة الثانية والعشرين برئاسة شامير، خمسة جنرالات بدون احتساب موشيه أرينز، وكذلك الأمر في الحكومة الثالثة والعشرين، وضمنت الحكومة الثامنة والعشرون برئاسة باراك 3 جنرالات، وجاءت حكومة باراك التاسعة والعشرين لتضم أربع جنرالات، وهكذا.

واليوم يبدو أن الجنرالات يستعدون لغزو الكنيست، فالقائمة طويلة جدا وهم جميعهم يريدون أن يحكموا بدءا من بيني غانتز، وإيهود باراك، وغابي أِشكنازي، وموشيه يعلون وغيرهم ويبقى سؤال نجاحهم مرتبطا بقدرتهم على الإجابة على أسئلة ثبت أنها أكثر تعقيدا من ساحة العمليات العسكرية، وقد يكتشف هؤلاء أن الجلوس في الكابينت مختلف عن الجلوس في كرسي القيادة في القيرية، وبالتالي فإنه في حالة تمكن جنرال (وهو أمر نستبعد حتى الآن) من الوصول لتشكيل احئتلاف حاكم جديد، فسيكون عليه أن يثبت إنه رابين في نجاحه السياسي وليس إيتان مثلا.