Menu
حضارة

تحقيق"قائمة أفضل الكتب".. هل هي الأفضل بالفعل؟

وكالات_ خلود الفلاح

العام الماضي أشار روائي عربي إلى موقع إلكتروني أعد قائمة بأفضل الروايات، روايته من ضمنها، فما كان من ناشر عربي أن علق في كومنت “من هذه الجهة”؟ هذا السؤال البوليسي استفزني. ومن هنا جاءت فكرة التحقيق. اتفق الضيوف على ألا إحصائيات حقيقية حول مسألة حصاد العالم، وإنما هي عادة صحافية عربية فقط، وتلعب فيها الدور الأساسي ذائقة المحرر الأدبية.

يعلق الصحافي المصري إبراهيم عادل على الموضوع بقوله، إنه متورط بحكم العمل في مسألة إعداد قوائم العام من الكتب، رغم أنه لا يحبذها، ويضيف “الموضوع يرجع لذائقة المحرر الخاصة أي الذائقة الفردية، وفي نفس الوقت ليست معيارا أساسيا ومهما. لسنا على دراية بكل النتاجات. ونحاول تقديم أفضل ما قرأنا ويسعدنا مشاركة القراء هذا الحب”.

ويلفت الناشر والصحافي الأردني جعفر العقيلي، إلى اعتماد الدوريات الغربية معايير واضحة وأسساً موضوعية عند إعداد قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، أو الأفضل (أو الأحسن) خلال العام، فإن المسألة في المنطقة العربية مختلفة تماماً، مستطردا “فمن خلال عملي في الإعلام، والنشر، والكتابة، كنت أرى الكيفية التي تعدّ بها القوائم في الغالب. ومن ذلك أن يقوم الناشر بتزويد الصحافة بأسماء كتبٍ على أنها الأكثر مبيعاً، رغم أنها في واقع الأمر ليست كذلك.

فما يهمّه هو عدم إغضاب الكاتب الفلاني أو المؤلف العلاني، بخاصة إن كانت الكتب الأكثر مبيعاً فعلاً من تأليف كتّاب ليسوا ذائعي الصيت. والناشر بذلك لا يرجع إلى أرقام المبيعات الحقيقية، ولا إلى أي إحصائيات يمكن الاعتداد بها. وفي الجهة الأخرى، قد يكلَّف الصحافي بإعداد قائمة من هذا النوع، فيتصل بمن يستطيع التواصل معه من أصدقائه الناشرين، ويحصل منهم على البيانات، ارتجالاً، ويعدّ تقريره كيفما اتفق”.

ويتابع العقيلي “الحساسيات الموجودة في الوسط الثقافي والإعلامي وفي قطاع النشر العربي تحول دون انتهاج الموضوعية، وتلجأ إلى المجاملات وإلى حسابات تتعلق بالربح والخسارة. فالناشر غير المعنيّ بتقديم المعلومة الصحيحة، لا يهمّه أن يخبر الملأ بأكثر الكتب مبيعاً، بل يهمّه أن يبيع ‘الكاسد‘ في مخازنه من كتب، لهذا يسلط الضوء على هذا ‘الكاسد‘ بوصفه مطلوباً من القراء، وبذلك يتحرك السوق”.

وبحسب العقيلي، التجارب المعمول بها في الغرب، حيث تقدم بشكل منتظم بيانات دقيقة عن حركة البيع لكل كتاب في الأسواق، وذلك بهدف متابعة حقوق المؤلفين التي تخصّص لها نسبة من المبيعات، وتحصيلها لصالحهم. ويمكن توظيف هذه البيانات في إعداد قوائم الأفضل مبيعاً. وحتى لو قام الصحافي هناك بإعداد قائمته الخاصة بالكتب الأفضل خلال العام، فإنه لا يتردد في توضيح معاييره التي اعتمد عليها، ومنها ذائقته، أو مراجعات الكتّاب المتخصصين في الصحافة، أو مقالات النقّاد، أو تعليقات القراء. وشتان بين ما لدينا وما لديهم.

تصف الشاعرة والصحافية الجزائرية نوّارة لحرش ما يحدث بقولها إن “الإحصائيات والحصادات كثيرا ما تكون غير دقيقة، أو لنقل إنّها بعيدة عن خارطة الإصدارات الأفضل، وأنها غير مهنية وغير جدية وفيها مغالطات أحيانا. لأنّه لا توجد إحصائيات حقيقية ودقيقة على مستوى دور النشر العربية، كما لا توجد دوريات ثقافية تقوم بهذا العمل الإحصائي باحترافية. وفي كل عام، الصحافي والإعلامي والمحرر المشتغل في حقل الإعلام الثقافي هو الذي يقوم بذلك. وهذا طبعا يتم حسب ذائقته الشخصية، وذائقته قد ترضي البعض وقد تزعج البعض الآخر، وقد تفتح باب الخصومات والعداوات بينه وبين الكتّاب والناشرين”.

وتتابع لحرش “أحيانا يقدم المحرر ما يشبه حصاد هذه الأعمال الأدبية والترجمية الأفضل، لكن ليس انطلاقا من ذائقته الأدبية، إنّما انطلاقا من نافذة أخرى غير الذائقة وغير المهنية والجدية الأدبية. إنّها عملية أخرى، صارت متفشية في الوسط الأدبي العربي، إذ يتم الأمر من زاوية الجوائز، فإذا حظيت بعض الروايات بمرتبة الجوائز والتتويجات، يتم إدراجها في قائمة ‘أفضل الروايات للعام‘. وفي هذا الكثير من المغالطة، والكثير من الإجحاف في حق روايات رائعة تستحق أن تكون على رأس قائمة الروايات الأفضل. لكن لأنها لم تحظَ بجوائز مثلا ولم تصل إلى منصات التتويج، فلا يأتي أي ذِكر لها”.

وتؤكد لحرش، أن هناك بعض المواقع الإلكترونية تقوم بسبر آراء مفتوح للقراء وللأدباء عن أفضل رواية مثلا للعام، وأفضل كتاب مترجم تمت قراءته أو ترجمته. وهي مواقع تابعة لأشخاص أدباء أو صحافيين، وعلى ضوء هذا السبر يخرج الموقع الإلكتروني بنتيجة يعتمدها في النهاية ويعلن عنها وتتداولها عنه بعض المواقع الأخرى والجرائد والصحافيين. يحدث هذا في غياب مواقع متخصصة وفي غياب استراتيجية حقيقية لمثل هذا الإحصاء الأدبي لعالم الكتب وأفضلها سنويا، إنها اجتهادات تفي بالغرض قليلا، لكنها تظل غير كاملة وناقصة في غياب جهات متخصصة”.

يشير الصحافي العراقي كه يلان مُحمَد إلى العبارة التي نقرأها عادة أعلى أغلفة الروايات والكتب وهي “من أكثر الكتب مبيعاً أو قراءة”، هذه الجملة تضعنا أمام سؤال هل الكتاب الذي يقبل عليه القراء يكون أفضل من عنوان آخر بالضرورة، ماذا عن الكتاب الذي يمر عليه حين من الزمن قبل أن يتم إدراك قيمته على نطاق واسع؟ طبعاً تلعب وسائل الإعلام والإعلام البديل أيضاً دوراً لا يستهان به في الترويج لإصدارات متنوعة. كما

أن ذكاء المؤلف في تسويق مادته من خلال منصات متعددة يعد عنصراً مهماً في وصول نتاجه الفكري أو الأدبي إلى قائمة أفضل الكتب، ولا يمكن في هذا السياق تجاهل ما يسود في الوسط الثقافي من العلاقات والاعتبارات الشخصية كما أن المناخ العام بدوره قد يكون عاملاً في الدفع بعنوان معين إلى الواجهة.

ويقول محمد “رغم نجاح بعض المؤلفات إعلاميا وجماهيرياً لا يمكن وصف تلك الأعمال بأنها الأفضل والأجود من غيرها لأن من يحكم على ذلك هو الجيل القادم الذي لن تكون رؤيته محكومة بالاعتبارات التي تؤثر على ذائقتنا في الوقت الحاضر، نحتاج إلى مسافة زمنية، وهذا لا يعني الاعتراض على ما يعلن عن القوائم لأفضل الكتب بل هذا الإجراء قد يفتح المجال لمشاركة القراء فعليا في المستقبل للإدلاء بآرائهم وتدوين انطباعاتهم عن الكتب، وهنا قد تتسع حلقات القراء ما يحتم على المؤلفين المزيد من الاحتراز.

ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو عاصفة غضب معجبي الروائي البرازيلي باولو كويلو على روايته ‘الزانية‘ التي خيبت بمضمونها الذي وصف بالمبتذل أفق توقعهم، هنا نتحدث عن القراء، فيما المؤلف قد يمتلك ما يبرر به اختياره وأسلوبه الجديد دون الاستخفاف برأي جمهوره، إذاً فإن الأمر لا يخلو من الإيجابيات أيا كانت الجهة التي تحدد قائمة بكتب مفضلة لدى القراء”.

المصدر "جريدة العرب"