Menu
حضارة

إعلامٌ كاذب..

بوابة الهدف

من الاحتجاجات الشعبية في السودان ضد حكم عمر البشير

لا زال القطاع الأوسع من الإعلام العربي يمارس تجاهلًا ممنهجاً لانتفاضة السودان ييّن ضد حكم عمر البشير، فرغم مرور حوالي شهر على اندلاع التظاهرات الاحتجاجية في السودان، والقمع الذي سلطه البشير وأجهزته على المتظاهرين، وكأن قضية هؤلاء المحتجين لم ترقى لمعايير تغطيتهم الإعلامية.

التعامل مع هذه القضية ذو دلالة من حيث أنها تشكل مثالًا على خيارات تناول أي قضية، فهذه التغطية تخضع لمعايير خاصة لا يمكن فهمها، إذ أنها معايير لا تتصل بطبيعة الحدث أو حجمه أو تأثيره، أو حتى عدالة هذه القضية أو تلك، بل إن التغطية حين تحدث تتخذ شكل الفعل السياسي الممنهج، من خلال انحياز واضح ومفضوح لمصالح جهة التغطية، على نحو يعصف بالحقيقة، ويتجاهل حقوق البشر والجماهير الذين يقع عليهم تأثير هذا الحدث أو ذاك.

لا عيب في الانحياز الإعلامي للقضايا العادلة، وتظهير هذا الانحياز في إتاحة مساحات أوسَع من التغطية الإعلامية لها أو في طبيعة هذه التغطية وزاوية الكاميرا والخبر، ولكن الجرم الحقيقي يكمن في الانحياز الدائم من قبل وسائل الإعلام العربية لمموليها، وممارسة جرائم التحريض والتدليس وإخفاء الحقائق أو اصطناع الأخبار، فهنا تتورط وسائل الإعلام في جنايات حقيقية بحق ملايين البشر من متابعيها، والحقيقة هنا أن مليارات الدولارات التي استثمرتها النظم الرجعية في تمويل خلق فضاء إعلامي ملائم لمعاييرها قد أحال الإعلام العربي لسلسلة من الأدوات الخطيرة في يد مموليها أكثر من كونه فضاء إعلامي لنقل الحقائق والتفاعل معها، وبات حديث بعض الفضائيات عن استقلاليتها حقًا مدعاة للسخرية إذ تقدمت هذه الفضائيات إلى جانب الجيوش هنا وخلف ظهر مليشيات الذبح الطائفي هناك، مقدمة كل ما يمليه دورها كذراع ميداني.

ولم يقتصر الأمر على بناء القوى المهيمنة في عالمنا العربي لمنابرها الخاصة، أو سيطرتها على معظم منابر الإعلام في حيزنا العربي، بل في تدجينها للبيئة الإعلامية وهندستها بما يلائمها، بحيث أعيد تعريف دور وسلوك الصحفي الناجح، من خلال نماذج مشوهة عن العمل الصحفي قدمت كرموز للنجاح المهني، ترافقت مع سعي دؤوب للتضيق على كل وسيلة اعلامية تتجاوز الخطوط المحددة، وحتى تحديد معايير الصعود والهبوط الفردي والجماعي في مجتمع الصحافة والإعلام.

ما حدث خلال السنوات الأخيرة من اجتياح لآلاف المواقع الإلكترونية الصغيرة والمحلية بالمال الخليجي وال قطر ي منه خصوصًا يعطي مثالاً ملائماً للنقاش، فما جرى عمليًا هو إصرار على شراء كل منبر صحفي متاح، وإغلاقه في وجه معظم الأقلام الحقيقية والجادة التي ترفض الخضوع لمعايير الممولين الجدد، وإذا  كنا سابقًا نتحدث عن غلبة نموذج الإعلام الكاذب المموّل، فإننا نتحدث اليوم عن إغلاق شبه كامل لميدان الصحافة والعمل الإعلامي في وجه كل صوت حر أو جانح نحو المهنية المنحازة للقضايا غير الملائمة بالنسبة لهؤلاء الملائمين.

في هذه البيئة الإعلامية بات من السهل معاقبة الكثير من الكتاب بحرمانهم من أي منابر هامة للنشر، والتشهير بآخرين في كواليس البيئة الإعلامية، وفرض معايير سلوك شخصي وسياسي يتم نبذ من يتجاوزها، وهذا يطرح سؤال حقيقي عن فائدة أي محاولة لمجاراة هذا النموذج الإعلامي، وعن الغياب الخطير للنماذج المهنية المضادة، التي قد تنجح في كسر هذا الاحتكار والتعتيم الخطير على الحقيقة في منطقتنا، والدفاع عن حق الاقلام في الكتابة الحرة والنزيهة، فالحقيقة على ما يبدو لا زالت فرصتها الوحيدة أن تكتب بالدم لا بالحبر.