Menu
حضارة

الدم كبوصلة نحو الحقيقة

بوابة الهدف

عبد الرحمن أبو جمل اختار أن يشهر فلسطين قضية وحقًا ثابتًا لا تراجع عنه، ليرتقي شهيدًا في ربيعه السابع عشر، ذلك في مقابل تدافع غير مسبوق من قوى سياسية فلسطينية وجهات دولية وإقليمية لتبديد الهوية الفلسطينية وتصفية القضية، ليجسد مفهوم الصمود الشعبي العصي على الكسر، والمتمسك بالبقاء في هذه الأرض وإسقاط كل مشاريع تصفية القضية.

جاء استشهاد عبد الرحمن في عمليته البطولية، ليلتحق بعشرات الآلاف من الشهداء من قبله، وإن كان ما يميزه أنه يأتي كعادة الأوفياء من أبناء هذا الشعب، في لحظات حرجة، يحاول البعض فيها إضاعة البوصلة وتشتيت الوجهة عن الهم الوطني وعن المواجهة مع العدو الأساسي، عملية عبد الرحمن وكل أفعال هؤلاء الشهداء الأوفياء التي توصف بكونها فردية ما هي إلا قمة في الوفاء للمجموع العام للشعب الفلسطيني، والإيمان بهذا المجموع، مُتجاوزًا أي حسابات فئوية، ومعلنًا إدانته الخاصة لكل أشكال الصراع الداخلي، أو التناهش المسعور للحم الحي لهذا الشعب.

ربما لم يدر في خلد الرئيس الفلسطيني حين هدد أبناء شعبه من القاهرة، وعيَّرهم بالدواء والكهرباء، أن هناك حقًا من يرفض كل هذا المنطق كما يرفض منطق الإصرار على التمسك بالانقسام واستمراره تحت ذرائع شتى، ويُصر على منطق الشعب الواحد وفلسطين الواحدة، ويكتب خطابًا مضادًا ليس بالحبر أو عبر شاشات الاعلام العربي، ولكن بالدم النازف المقدم قُربانًّا لفلسطين في شوارع القدس المحتلة وضفة الصمود، ولو التقط بعض من هؤلاء المتحدثين في الشأن الفلسطيني خطاب عبد الرحمن ورسالته، وفهموا منطقها، ربما أدركوا الخزي المتمثل في التعامل مع القضية الوطنية كما لو كانت إدارة لشركة تجارية تحسب علاقتها بشعبها بمنطق الربح والخسارة المالية، والشرف الذي جسده الشهيد عبد الرحمن حين يدرك أن الاستثمار الحقيقي في هذه الحياة هو الانتماء لهذا المجموع الوطني المخلص والتضحية في سبيله، ربما أدركوا أيضًا ما قدمته ومثلته عائلة أبو جمل وغيرها من عوائل الشهداء، في اصرارها البطولي والأسطوري على مواصلة الرهان على الشعب الفلسطيني وقوته وصموده وقضيته، وتقديم ابناؤها واحد تلو الآخر فداء لهذا الوطن.

إن التناقض القائم اليوم بين المطروح في المحافل السياسية الفلسطينية الرسمية من عناوين، وبين تلك العناوين التي يطرحها الفدائي الفلسطيني والجمهور الفلسطيني بات حقًا يعبر عن هوة يصعب جسرها، بين هذه الحالة الرسمية المتصارعة المتآكلة وبين حقيقة جماهير شعبنا وتطلعاتها لخوض معركة الكرامة والاستقلال، وهو ما يذكر بالبدايات التي أنتجت فصائل الثورة الفلسطينية كردٍ على عجز النظم الرسمية عن حمل القضية الوطنية الفلسطينية، في ظل فساد وضعف ورجعية تلك النظم والهوة التي فصلت بينها وبين الجماهير.

إن الثورة الفلسطينية بفصائلها وقواها ومؤسساتها قامت كأداة وروافع لصمود هذا الشعب، وأدوات لتنظيم نضاله، وما لم تتدارك بعض القوى ذاتها، وتعالج الخلل الفاضح في مقولاتها وخطابها وسلوكها فإننا في غنى عن التذكير بالمصير المحتوم الذي ينتظرها، فشعبنا لن يصبر للأبد على السقوط السياسي والعجز والفشل عن اللحاق بهمومه النضالية التي باتت بعض القوى والقيادات تمثله، شعبنا سيستبدلهم ويفرز من هو قادر على حمل همومه، والتعبير الصادق عن ارادته النضالية، والتزامه بتحرير أرضه و تقرير مصيره.