Menu
حضارة

ارتباك الكل مع الكل فى سوريا

د. محمد السعيد إدريس

أدق توصيف للوضع العسكرى الراهن فى شمال سوريا هو «الارتباك» الذى فرض نفسه على كل الأطراف وفى مقدمتها الولايات المتحدة منذ أصدر رئيسها دونالد ترامب قراره المفاجئ بالانسحاب من سوريا فى غضون 30 يوماً ، وهو القرار الذى أدى إلى استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس الذى اعتبر أن قرار ترامب لا يعطى اعتباراً لتقديرات العسكريين الأمريكيين ولا يحترم إرادة ومصالح حلفاء واشنطن.

الارتباك الذى نعنيه بدأ عسكرياً وسرعان ما تحول إلى ارتباك سياسى فى علاقة الولايات المتحدة بحلفائها فى سوريا: «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها العسكرى «وحدات حماية الشعب الكردية» من ناحية و تركيا من ناحية أخري. فالانسحاب الأمريكى وضع الحليفان الكردى والتركى وجهاً لوجه للمرة الأولى دون وسيط أو دون طرف ثالث قادر على ضبط تفاعلاتهما.

فتركيا تعتبر أن وحدات حماية الشعب الكردية هى الجناح السورى لحزب العمال الكردستانى التركى المعارض الذى تتهمه أنقرة بالإرهاب، ولذلك وجدت فى قرار الانسحاب الأمريكى فرصة يجب ألا تضيع للقضاء نهائياً على هذه الوحدات والقضاء معها على الحلم الكردى بتأسيس «كيان كردى سورى مستقل» فى شمال سوريا بدعم ورعاية أمريكية.

أما قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب فقد وجدت نفسها فجأة أمام مأزق تاريخى إما أن تدخل فى مواجهة عسكرية محسومة النتائج مقدماً مع الجيش التركى تكون نتيجتها إنهاء الحلم الكردى التاريخي، وإما أن تذهب إلى دمشق وتطالب بدخول القوات السورية إلى معاقلها فى منبج (غرب الفرات) تمهيداً لدخولها إلى مناطق شرق الفرات عقب الانسحاب الأمريكى منها، وهذا معناه أيضاً إنهاء الحلم الكردى فى كيان مستقل لكن عبر مسار سياسى مع النظام السوري.

الارتباك نفسه تم تصديره إلى روسيا على عكس توقعات الكثير من المراقبين الذين اعتقدوا أن روسيا هى و إيران هما من سيربح بالكامل من الانسحاب العسكرى الأمريكي. فقد وجدت روسيا نفسها أمام معضلة التوفيق بين حلفائها خاصة سوريا وتركيا. فدخول تركيا إلى منبج وشرق الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، فضلاً عن أنه يعتبر عدواناً تركياً مرفوضاً على السيادة الوطنية السورية، لكنه يمكن أن يؤدى أيضاً إلى مواجهة بين الحليفين السورى والتركي، ولذلك سارعت روسيا إلى تنظيم اجتماع رباعى فى موسكو يوم السبت (29/12/2018) ضم وزراء الخارجية والدفاع فى روسيا وتركيا للبحث فى الأزمة التى صدرها الأمريكيون لروسيا إلى جانب الأزمة المؤجلة فى أدلب والتى لم تستطع تركيا أن تفى بوعودها للحليفين أو الشريكين الروسى والإيرانى بإنهائها دون تدخل عسكري، أى دون تقدم القوات السورية وحلفائها (روسيا وإيران) لتصفية البؤرة الإرهابية الأخيرة على الأراضى السورية فى إدلب.

الواضح أن الأمور كانت شديدة التعقيد ولم يستطع هذا الاجتماع الرباعى التوصل إلى أى حلول لذلك تم نقل المشكلة إلى قمة ثلاثية قريبة بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران، لكن ما حدث خلال الأيام الثلاثة الماضية فى إدلب وبالتحديد نجاح هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، فى تصفية كل وجود للتنظيم الإرهابى المنافس الأكثر ارتباطاً بتركيا أى حركة نور الدين الزنكى قلب الأوضاع رأساً على عقب.

فقد استطاعت هيئة تحرير الشام إنهاء أى وجود لتلك الحركة، وبدأت تتمدد فى اتجاه حلب نفسها، أى باتجاه القوات السورية، ما يعنى أن المواجهة أضحت شبه مؤكدة بين الجيش السورى وحلفائه الروسى والإيرانيين للتحرك نحو إدلب وإنهاء وجود هيئة تحرير الشام ما يعنى الانقلاب على اتفاق سوتشى بين الرئيسين الروسى والتركى بخصوص تفويض تركيا بإنهاء أزمة التنظيمات الإرهابية فى إدلب دون مواجهة عسكرية.

هذا التحرك يمكن أن يضع نهاية مسبقة للقمة الثلاثية المنتظرة فى موسكو بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران، وسيضع تركيا فى مواجهة مباشرة مع كل من روسيا وإيران والجيش السوري، ويضع، بالتبعية، تركيا أمام سؤال أكثر صعوبة هو: إذا خسرت أنقرة روسيا وإيران مع من سوف تتحالف بعد انسحاب الحليف الأمريكى ومع توتر العلاقات التركية- الإسرائيلية؟

الارتباك ذاته أصاب إسرائيل، التى كانت صدمتها هائلة من قرار الانسحاب الأمريكي، واعتقدت أنها باتت أمام حقائق جديدة، أبرزها أن روسيا هى الحليف الباقى الآن، ومن ثم لابد من العمل بشتى السبل من أجل إعادة العمل بالتفاهمات السابقة مع موسكو فى سوريا، سواء بالنسبة لتمكينها من ضرب أهداف إيرانية فى سوريا تعتبرها إسرائيل خطراً على الأمن الإسرائيلي، أو بالنسبة للمراهنة على دعم روسيا لمطالب إسرائيل بإنهاء الوجود العسكرى الإيرانى على الأراضى السورية.

وإذا كانت روسيا مطالبة الآن بإيجاد حلول لكل ما حدث من ارتباك فى علاقاتها مع حلفائها بسبب تصادم مصالحهم كرد فعل لقرار الانسحاب الأمريكي، فإن مأزق واشنطن أكثر صعوبة على ما يبدو للدرجة التى فرضت على الرئيس الأمريكى أن يتراجع عن قراره بالانسحاب السريع من سوريا، ويؤجل هذا القرار أو يمدده إلى أربعة أشهر مقبلة لتهدئة مخاوف حلفائه الإسرائيليين والأكراد ولتهدئة ما يمكن اعتباره موجة تمرد داخلية فى الجيش الأمريكى ضد قراراته المرتبكة، ولعل هذا ما دفع جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى ليعجل بزيارته لكل من إسرائيل وتركيا لاحتواء كل تلك التداعيات السلبية، حيث صرح بولتون فى إسرائيل (6/1/2019) أن «الولايات المتحدة ستجعل انسحابها من سوريا مرهوناً بتطمينات تركية بشأن سلامة الأكراد»، لكن يبقى الارتباك الأمريكى الأهم مع إسرائيل بعد أن أضحت وعود واشنطن لإسرائيل بتأسيس «حلف ناتو عربي» سراباً، فى ظل مؤشرات عودة عربية قريبة إلى سوريا، وفى ظل ما هو أهم: الانسحاب الأمريكى الذى وإن كان قد بدأ من سوريا، لكن يبدو أنه سوف يتسع ليكون أحد أهم معالم السياسة الأمريكية لإدارة ترامب فيما تبقى له من شهوره الرئاسية .