Menu
حضارة

«إسرائيل» تحتل العقل الأمريكي

محمد الصياد

نقلًا عن الخليج الإماراتية

بغض النظر عن تغاير وطبيعة وجهات النظر حول العالم، بشأن كيفية حل الصراع العربي -«الإسرائيلي»، إلا أنه ما من خلاف على الإطلاق في أن «إسرائيل» لا تستطيع الاستمرار في احتلال الأراضي الفلسطينية بدون دعم أمريكي، دبلوماسي، وعسكري، واقتصادي. كما أنه لن يكون ممكناً استمرار هذا الدعم بدون دعم، أو على الأقل تعاطف الجمهور الأمريكي. هذا ما يذهب إليه الفيلم السينمائي الوثائقي الجديد الذي أنتجته «مؤسسة التربية الإعلامية»، وحمل اسماً صريحاً بالغ الدلالة: «احتلال العقل الأمريكي: حرب العلاقات العامة الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأمريكية»، والتي تشمل السيطرة على الإعلام الإخباري الأمريكي.

المسؤولون «الإسرائيليون» يدركون أنه من دون استمرار الدعم الحكومي والتعاطف الشعبي الأمريكي، فإن مشروعهم إلى زوال. فيلم «احتلال العقل الأمريكي» يقدم تحليلاً متطوراً لاستراتيجيتهم لإبقاء صناع القرار والجمهور في الولايات المتحدة إلى جانبهم، مصوَّراً بأمثلة تفصيلية عن كيفية نجاح «إسرائيل» في الاستعانة بأولئك الحاذقين العاملين في صناعة الإعلانات المعاصرة، وصناعات التسويق، والعلاقات العامة، الذين ينتجون أفضل ما يوصف بأنه دعاية ( أي بث المعلومات المتحيزة أو المضلِّلة). يشير الفيلم إلى أن من السهل التعرف إلى أساسيات تلك الدعاية: عبارات مبسطة، مكررة مراراً وتكراراً، مصممة لاستدعاء العواطف بدلاً من الإتيان بحجج عقلانية، وكلها تتشكل وتتمحور حول السردية «الإسرائيلية»: «إسرائيل المنتمية للغرب المتحضر، وبلد الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في الشرق الأوسط»، ووضع هذه السردية قبالة «الشر» الآتي من صوب «الإرهابيين العرب والمسلمين» الذين لا يسعون فقط إلى تدمير الدولة اليهودية بل إلى قتل جميع اليهود.

ولجعل هذا التأويل الفقير للسردية «الإسرائيلية» الكلاسيكية للصراع في الشرق الأوسط بين العرب و«إسرائيل»، مقنعاً وراسخاً، فقد تعين على الطغمة «الإسرائيلية» الحاكمة ولوبياتها في أمريكا وأوروبا، إعادة كتابة التاريخ، ورفض القانون الدولي، وتجاهل الصراع على الأرض والموارد التي تشكل جوهر قضية هذا الصراع. ولأن هذه الحقائق كانت مغيبة تماماً بالنسبة للرأي العام الغربي، فإن فيلم «احتلال العقل الأمريكي» يبدأ بعرض مباشر لتاريخ هذا الصراع. حيث حاول الفيلم أن يوضح لمشاهديه كيف أن نتائج الحربين بين العرب و«إسرائيل» (حرب 1948 وحرب 1967)، هما اللتان وضعتا «إسرائيل» في موقفها الحالي من الهيمنة الساحقة في المنطقة، وكيف صار من الصعب الحفاظ على صورة «إسرائيل» كمقاتلة مستضعفة من أجل البقاء بعد تلك الانتصارات العسكرية وبداية احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.

لما كانت «إسرائيل» قد نجحت في تحصين مؤسسة الحكم الأمريكية ضد «فيروس تأثيرات العوامل الخارجية»، وتطويعها لحد الاستسلام التام لمشيئتها، فقد اتجه «صناع الواقع» إلى البناء التحتي للمجتمع الأمريكي، فكان الاختراق «الرهيب» للجامعات الأمريكية ولمختلف المنظمات المدنية والحقوقية التي بدأت تتبنى فكر ومواقف الحركة العالمية المناهضة ل«إسرائيل»: «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» (BDS)، فكان أن جن جنون «إسرائيل» ورعاتها في واشنطن، وراحوا يشنون الهجمات الضارية ضد كل من يؤيد هذه الحركة بوصمه بمعاداة السامية. وحتى أكتوبر 2017 كان هناك 24 ولاية أمريكية، أصدرت إما قوانين أو أوامر تنفيذية تحظر تعامل الوكالات الحكومية مع الجهات المعادية ل«إسرائيل».

حاكم ولاية ويسكونسن السابق، الجمهوري سكوت ووكر، استغل منصبه وأصدر في عام 2017، قبل خسارته منصبه، أمراً تنفيذياً قضى بحظر تعامل الهيئات والوكالات والمؤسسات التابعة للولاية مع أي مؤسسة منخرطة في أنشطة مع «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» (BDS)، التي تستهدف «إسرائيل»، وتفاخر بأن التجارة بين «إسرائيل» وويسكونسن، تزدهر، حيث تصدر ويسكونسن أكثر من 80 مليون دولار سنوياً ل«إسرائيل» وتستورد منها أكثر من 200 مليون دولار سنوياً.